في الذاكرة تبقى الأصوات، رائحة الرطوبة، العتمة، أسئلة المحققين، والتهديدات التي لا تشيخ.
في لبنان وفلسطين، ظلّت المعتقلات الإسرائيلية شاهدة على فصول قاسية من التعذيب والإهانة وانتهاك الكرامة. ومن عاش داخلها لا يروي ما حدث بوصفه ذكرى عابرة، بل جرحًا مفتوحًا يتسلل إلى الجسد والنوم والعلاقة بالحياة.
وفي هذه المادة، يفتح ثلاثة معتقلين سابقين دفاتر الوجع: أبو أحمد غنوي، وقاسم رمضان، وكفاح عفيفي.
لكل واحد منهم حكاية مختلفة، لكن الشهادات تلتقي عند حقيقة واحدة: أن ما جرى خلف القضبان لم يكن احتجازًا فقط.
كان محاولة منظمة لكسر الجسد والكرامة والذاكرة.
"جرح المعتقلات".. لم يندمل بعد
يُعاد فتح "جرح المعتقلات" اليوم في لحظة لا يبدو فيها ماضي السجون منفصلًا عن حاضرها، خصوصًا في ظل الدفع الإسرائيلي نحو تشريعات أشد قسوة بحق الأسرى الفلسطينيين، وما يرافق ذلك من مخاوف متزايدة على حياة القابعين خلف القضبان.
ورغم أن معاناة الأسرى والمعتقلين تبقى أكبر من أن تختزلها نصوص أو مقابلات، فإن بعض الشهادات تظل ضرورية؛ لا لتوثيق الألم وحده، بل لكشف ما تعرض له أشخاص حملوا آثار الاعتقال في أجسادهم وذاكرتهم سنوات طويلة.
من معتقل الخيام إلى سجون مجدو وعسقلان والجلمة ونفحة، تتقاطع الشهادات عند تفاصيل التعذيب والعزل والإهانة ومحاولات كسر الإرادة. فماذا يروي هؤلاء عن أيام وليالٍ لم تغادر ذاكرتهم؟
"أرى الجلاد في منامي"
تبدأ الشهادة الأولى من بلدة حولا في جنوب لبنان. هناك عاش أبو أحمد غنوي قبل أن يعتقله الاحتلال وينقله إلى معتقل الخيام بين عامي 1987 و1989. التقاه موقع "التلفزيون العربي" في منزله الذي نزح إليه في جبل لبنان، بعدما دمّرت إسرائيل منزله في بلدته الأم.
يتحدث أبو أحمد (69 عامًا) عن ذكريات قاسية جدًا منذ اعتقاله في معتقل الخيام بين عامي 1987 و1989، واصفًا الدخول إليه بأنه "عبور إلى جهنم". ويقول:
"في العام 1987، وبينما كنت داخل متجري في حولا، قررت الذهاب إلى المنزل لتناول الغداء. في تلك اللحظات، اقترب مني ثلاثة أشخاص لم أكن أعرفهم، فوضع أحدهم كيسًا أسود من القماش على رأسي، بينما أدخلني الآخران إلى صندوق السيارة. عندها، تيقنت أنهم سينقلونني إلى معتقل الخيام، فطلبت منهم إبلاغ زوجتي بأمر اقتيادي، لكنهم رفضوا ذلك وطلبوا مني الامتناع عن الكلام".
ويقول أبو أحمد إنه وصل إلى معتقل الخيام وأنفاسه كادت تنقطع، بعدما بقي داخل صندوق السيارة منذ لحظة اختطافه حتى وصوله إلى المعتقل. ويضيف: "بقيت حتى مساء اليوم التالي من دون أي طعام أو ماء، واضطررت إلى قضاء حاجتي في زاوية الغرفة التي كنت فيها بمفردي. وفي مساء اليوم الثاني من الاعتقال بدأ التحقيق معي".
ويتابع:
"حينما بدأوا التحقيق، جردوني من ملابسي، ولم أبقَ سوى بلباسي الداخلي، ثم انهالوا عليّ ضربًا وإهانة. سألتهم عن التهمة الموجهة إليّ، لكنني لم أتلقَّ أي إجابة، بل كنت أتلقى الضربة تلو الأخرى حتى سيطر الألم على جسدي بالكامل".
ويضيف: "بعد موجة الضرب والإهانات، نُقلت إلى الغرفة، حيث أحضروا لي بيضة مسلوقة باردة وحبتين من الزيتون، فتناولت الطعام لأنني كنت جائعًا جدًا. كما أبقوني من دون ملابس حتى اليوم التالي، قبل أن ينقلوني إلى غرفة أخرى كان يوجد فيها أشخاص من بلدة حولا، وجميعنا لم نكن نعرف سبب اعتقالنا".
ويقول أبو أحمد إن التعذيب بدأ في باحة المعتقل، حيث كان الجميع يتعرضون للضرب، بينما كان سؤال واحد يتكرر على جميع المعتقلين: "أين السلاح المخبأ؟ ومن تعرفون من المقاتلين الشيوعيين؟".
ويكشف عن أحد أساليب التعذيب التي تعرض لها، والمتمثلة في تعليق المعتقل على "عامود التعذيب" في الخارج بعد تغطية عينيه، ويضيف: "حينما وضعوني على العامود، سمعت أنين شخص كان بجانبي، وكان يصرخ من شدة الألم بعد تعريضه للصعق الكهربائي والإغراق بالماء. وبعد قليل اختفى صوته، فظننت أنهم نقلوه إلى مكان آخر، لكنني اكتشفت بعد خروجي من المعتقل أنه توفي تحت التعذيب".
ولا ينسى أبو أحمد مأساة "غرفة الانفرادي" في معتقل الخيام، ويقول: "كانت مساحتها أقل من متر، وكان البقاء فيها صعبًا جدًا، إلى درجة أنك لا تعود تشعر بأطرافك. عندها، تصبح مستعدًا لمخاطبة السجان والإدلاء بأي اعتراف، فقط من أجل الخروج من ذلك المكان الضيق".
وفي الوقت نفسه، يروي حادثة تعرض لها معتقل من بلدة عيناتا في جنوب لبنان أصيب بمرض القمل، فيما أصيب معتقل آخر من بلدة بليدا بالمرض نفسه، ويقول:
"بقينا 24 يومًا من دون استحمام، فانتشر القمل في الأكتاف وسائر أنحاء الجسم. وعندما سُمح للرجل المنحدر من عيناتا بالاستحمام، بقي الآخر في الغرفة، فطلبنا منه أن يعطينا بعضًا من القمل الموجود على جسده، حتى نصرخ للسجان ونقول له إننا أصبنا بالمرض، لعلّه يسمح لنا بالاستحمام".
ويصف أبو أحمد ما تعرضت له النساء داخل المعتقل بأنه من أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته، ويقول: "كانوا يستقدمون نساء إلى المعتقل ويعذبونهن في الغرف المجاورة لنا. وكان السجانون يقولون إن هذه السيدة زوجة فلان، وقد أُحضرت للاعتراف. كان ذلك يشعرنا بالخوف الشديد، وأنا بقيت سنة كاملة أتعرض للتعذيب من دون أن أتفوه بكلمة واحدة".
ويستذكر أبو أحمد أصعب موقف تعرض له، حين اقترب منه أحد السجانين وقال له ذات صباح: "قالولي بنتك حلوة ما شاء الله".
ويقول: "عندها، أدركت أنهم يهددون ابنتي، التي كانت تبلغ من العمر خمس سنوات، فأبلغت السجان أنني مستعد للإدلاء بأي شيء يريدونه، شرط ألا يمسوا ابنتي".
ويضيف: "تحملت التعذيب الشديد، وأصبت بندوب خطيرة في جسدي نتيجة الصعق بالكهرباء، حتى إنني فقدت قدرتي على الإنجاب بعد خروجي من السجن، لأنهم كانوا يصعقوننا في أماكن حساسة، وكان الهدف من ذلك إصابتنا بالعقم".
ويختم أبو أحمد شهادته بالقول:
"بعد خروجي من المعتقل، إثر مكوثي فيه عامين، أصبت بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، كما شُخِّصت إصابتي بخلل في كهرباء القلب بسبب التعذيب. وحتى اليوم، لا أستطيع مشاهدة أي فيلم يتضمن مشاهد عن السجون، وما زلت أرى الجلاد في منامي وأنا أطلب منه الرأفة والرحمة. وحتى الآن، أشعر أن الموت لن يكون أصعب من معتقل الخيام".
"العصافير تراسلني في المعتقل"
في شهادة قاسم رمضان، تتسع خريطة الاعتقال من معتقل أنصار إلى سجون مجدو وعسقلان والجلمة ونفحة. هناك، لم تكن القسوة أقل حضورًا، بل اتخذت أشكالًا أخرى من العزل والضرب والإهانة اليومية.
اعتُقل أبو علي في يونيو/ حزيران 1982، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في السادس من الشهر نفسه، وأُفرج عنه في أكتوبر/ تشرين الأول 1983. وخلال 16 شهرًا من الاعتقال، عاش رمضان تجربة قاسية ما زالت تفاصيلها راسخة في ذاكرته حتى اليوم.
- صورة تعبيرية للأسير المحرر قاسم رمضان "أبو علي" - اعتقل 16 شهرًا في سجون الاحتلال
وفي حديث إلى موقع "التلفزيون العربي"، يستعيد رمضان (76 عامًا) لحظات الاعتقال، ويقول إن "السجن قاتم جدًا"، مشيرًا إلى أن ما عاشه يفوق الوصف، ويضيف:
"التعذيب لا يوصف، إذ كنت أتعرض للضرب يوميًا، فيما كانوا يعلقونني بالسلاسل المعدنية، فضلًا عن توجيه الشتائم إليّ. المسألة ليست سهلة، لكن كان لا بد من الصمود، ولذلك تحملت كثيرًا من الإهانات ولم أدلِ بأي اعتراف، لأنني كنت أنتمي إلى حركة فتح، ولم أقدم أي تنازل ضد الحركة التي أؤمن بها، وتمسكت بالحفاظ على الأسرار وعدم الطعن برفاق دربي".
ويكشف رمضان أنه لا يتذكر المدة التي أمضاها في كل سجن، إذ كان يُنقل من مكان إلى آخر بصورة مفاجئة ومن دون أي إنذار مسبق، ويضيف:
"في أحد السجون، وُضعت داخل غرفة لا تتجاوز مساحتها نصف متر في نصف متر، وكان عليّ أن أبقى فيها أيامًا. هناك، يتمزق الجسد بسبب وضعية الجلوس الصعبة، فيما لا يمكنك فعل أي شيء".
ويتابع:
"كنت أتناول يوميًا شذرات قليلة من الطعام والماء كي لا أضطر إلى دخول الحمام، لأن مجرد طلب ذلك كان يعني التعرض للضرب الشديد من قبل السجان. ولا أشعر بالحياء حينما أقول إنني كنت أضطر إلى التبول في ثيابي، إذ لم أكن أستطيع الحركة داخل تلك الغرفة الضيقة، فيما كان طلب الذهاب إلى الحمام مستحيلًا".
ويلفت رمضان إلى أن الطعام الذي كان يُقدم إليه كان يغزوه العفن، فيما كان يستخدم رغيف الخبز ليرفع قدميه قليلًا عن الأرض اتقاءً لبرد الغرفة، ويضيف: "اللحظات التي قضيتها في غرف التعذيب كانت الأصعب، بينما كان المحققون يسعون إلى تحطيم إرادتنا وكسر عزيمتنا، حتى إن التحديق في وجوههم كان من المحرمات".
وخلال حديثه، يقول رمضان إنه "كان لا يعرف ليله من نهاره داخل المعتقل"، موضحًا أنه "كان يعتمد على صوت العصافير ليعرف أن الفجر قد بزغ"، ويضيف:
"لم نكن نرى الشمس إلا نادرًا، وكنا نبقى داخل الغرف المظلمة لأيام طويلة. العصافير وحدها كانت تراسلني بصوتها؛ فعندما أسمع زقزقتها أعلم أن الصباح قد حل، وعندما أسمع عواء الكلاب أتيقن أن الليل قد أقبل".
ويلفت رمضان إلى أن المعاناة داخل المعتقلات لا يمكن وصفها، لأنها تختزن كثيرًا من المآسي، مشيرًا إلى أن ما كان يساعده على الصمود هو وجود معتقلين آخرين إلى جانبه، ويقول: "أذكر أنني خلال فترة الأسر تعرفت إلى سجناء لبنانيين، منهم عمران فوعاني من النبطية، ورفيق علي أحمد من كفررمان، وأبو حماد صفاوي، وعلي حمود، وغيرهم".
ويختم شهادته بالقول:
"كان كل سجين ونيسًا للآخر، إذ كنا نستمد قوتنا من بعضنا البعض، وكان التضامن والمؤازرة اللذان نتبادلهما هما ما يساعداننا على تجاوز مرارة السجون. وحقًا، من يعيش مرارة السجن والاعتقال تهون عليه أي مأساة أخرى، لأن ما يواجهه المعتقل لا يواجهه في حياته أبدًا، خصوصًا أن انتهاك الكرامة هو أصعب ما يمكن أن يتعرض له الإنسان".
حينما قررت "تفجير نفسي" ووقعت أسيرة
تحمل القصة الثالثة أبعادًا إنسانية عميقة وتفاصيل قاسية عن المعتقلات، وترويها كفاح عفيفي، الأسيرة الفلسطينية المحررة التي دخلت معتقل الخيام عام 1988 وخرجت منه عام 1994.
ست سنوات من العذاب عاشتها عفيفي داخل الخيام، بعدما جرى اعتقالها أثناء توجهها للمشاركة في عملية استشهادية في بلدة كفركلا الحدودية جنوب لبنان. وكانت حينها تبلغ من العمر 17 عامًا، رغم أن مظهرها كان يوحي بأنها أصغر من ذلك.
في حديث إلى موقع "التلفزيون العربي"، تروي عفيفي (54 عامًا) اللحظات الأولى لاعتقالها، وتقول:
"كنت مع مجموعة مقاتلة مؤلفة من ستة أشخاص، وخرجنا لتنفيذ عملية على الحدود ضد الجيش الإسرائيلي. كنت قد قررت تفجير نفسي، وكنت على يقين بأن هذه العملية ستكون نهاية حياتي واستشهادي في سبيل فلسطين".
وتضيف: "اكتشف الجيش الإسرائيلي أفراد المجموعة واعتقلهم جميعًا قبل التنفيذ. وعندما علموا بوجودي مع المجموعة، سألوا رفاقي عني، فخرجت أمامهم وقلت: أنا الفتاة التي تبحثون عنها. عندها تم اعتقالي فورًا، وأخبرتهم أنني لن أتحدث قبل أن أدخل إلى فلسطين".
وتكشف عفيفي أنها أمضت ثلاثة أيام في الأحراج والوديان جنوب لبنان قبل اعتقالها، مشيرة إلى أنها تنقلت من صيدا نحو الجنوب مرورًا بزوطر ودير ميماس وصولًا إلى كفركلا، وتقول:
"كنت أحمل سلاحًا وصاروخ لاو، وكنت أؤمن أن طريق تحرير فلسطين لا يكون إلا بالمقاومة".
وعند اعتقالها، تقول إن الجنود الإسرائيليين وضعوا كيسًا أسود على رأسها واقتادوها إلى الداخل الفلسطيني، وتضيف: "عرفت أنني دخلت فلسطين من رائحة زهر الليمون. شعرت بقوة كبيرة لأنني دخلت أرضي وأنا حية، ولم أعد أبالي بما سيحدث لي".
وتتابع: "انهالوا عليّ بالضرب ومزقوا ثيابي، وكنت أرتدي بزة عسكرية. ثم نقلوني إلى التحقيق داخل فلسطين المحتلة، وهناك كان بانتظاري ضابط يدعى دانيال. كان أصلع الرأس وذو عينين زرقاوين وشكله مخيف جدًا. وعندما وقفت أمامه قالوا إنهم يريدون اغتصابي. عندها شعرت بقوة كبيرة، فمزقت ثيابي وصرخت: تعالوا واغتصبوني! فخرج مسرعًا من الغرفة، وتعثر أثناء ركضه وسقط أرضًا. لا أنسى هذا المشهد حتى اليوم".
- صورة تعبيرية للأسيرة المحررة كفاح عفيفي - اعتقلت 6 سنوات في سجون الاحتلال
ومن داخل فلسطين، أعيدت عفيفي إلى لبنان ونُقلت إلى معتقل الخيام، وتقول: "وُضعت داخل قفص حديدي وأنا مكبلة، ورُشّت عليّ مادة البنزين. كانوا يحاولون إيهامي بأنهم سيحرقونني، لكنني لم أكن أعبأ بذلك، وبدأت أغني بصوت عالٍ حتى وصولي إلى الخيام، وهناك بدأت فصول القهر".
وتكشف أنها عند وصولها إلى المعتقل وُضعت أربعة أيام تحت المغسلة في الحمام، ثم نُقلت إلى غرفة استمر فيها التعذيب، وتضيف:
"كان المحققون يختارون أيام الدورة الشهرية للتحقيق معي، كي يكون الألم مضاعفًا. وأثناء الاعتقال أصبت بالتهاب في الكلية نتيجة جرح عميق بسبب الضرب والتعذيب، حتى بات جسدي منهكًا. وعندما اكتشف الأمر أحد السجانين، نُقلت للعلاج، لكن بطريقة مهينة وقاسية قبل إعادتي إلى الغرفة".
وتروي عفيفي أن العميل اللبناني عامر الفاخوري زارها في غرفتها داخل المعتقل برفقة شخص يُدعى جان الحمصي "أبو نبيل"، وتقول: "سألني عن حالتي، فتظاهرت أنني بخير. ثم طلب مني أن أريه الجرح، فأطفأ سيجارته عليه. كانت لحظة مميتة جدًا".
وتضيف أنها شاركت السجن مع الأسيرة المحررة سهى بشارة، وتقول: "كانت سهى تحبني جدًا وتعتبرني مثل ابنتها. كلما تعرضت للتعذيب كانت تنتظر عودتي لتطمئن عليّ".
وتؤكد أن ما تعرضت له كان شديدًا، من الصعق بالكهرباء إلى الإغراق بالماء البارد ووضعها تحت المطر، لكنها تقول إن إرادتها لم تنكسر. وتضيف:
"وسط الاعتقال، صنعت قلمًا من الورقة الحديدية التي تُلف بها مثلثات الجبن، وكنت أكتب على كرتون الجبن وأمرر الرسائل إلى سهى بشارة عبر المرحاض".
وتتابع: "اكتشفت سهى الأمر بالصدفة، ومنذ ذلك الوقت استمرت المراسلات بشكل سري لتجنب اكتشافها من السجانين". كما توضح أن التواصل بينهما كان يتم عبر السعال كإشارة متفق عليها، بحيث يدل الصوت على وجود رسالة في الحمام.
وتشير إلى أن إحدى المعتقلات وتدعى "سُكنة.س" من بلدة حولا في جنوب لبنان كانت تعاني من مرض الأكزيما، وتقول: "عندما وصلت إلى الغرفة أعطيناها ملابس لحماية جلدها، لكننا أصبنا بالمرض بسبب احتكاكنا بها أثناء التعذيب".
وتضيف: "انتقل المرض إليّ وأصبح جسدي يتدهور، ولم يقدم لي السجانون أي علاج. فجمعت المعتقلات ما لديهن من مال واشترين لي الدواء، كما عاينني طبيب بعد انتشار المرض بين الرجال أيضًا".
وتسرد تفاصيل أخرى قاسية، قائلة:
"مرت أيام كان فيها المرحاض مجرد وعاء، وكانوا يجبروننا على شرب الماء من إبريق يستخدم للحمام. وعندما سمعنا بانتفاضة داخل المعتقل، شاركنا فيها للمطالبة بوعاء للمرحاض، لكن ذلك أدى إلى سقوط شهيد وعدد من الجرحى نتيجة القمع".
كما تروي طرق التواصل بين المعتقلات داخل السجن، وتقول: "كان لكل غرفة نافذة، وكنا نربط مناديل ببعضها لتمرير الرسائل بين الغرف. واستمر ذلك لفترة قبل أن يكتشفه السجانون ويغلقوا النوافذ بلوحات معدنية".
- الأسيرة اللبنانية المحررة سهى بشارة - غيتي/ أرشيف
وفي عام 1994، أُفرج عن عفيفي ضمن صفقة تبادل نفذتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل، بطلب من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، باعتبارها الفلسطينية الوحيدة المعتقلة في الخيام.
وبعد الإفراج عنها، نُقلت إلى ثكنة مرجعيون حيث تسلمها مسؤول من الصليب الأحمر الدولي يُدعى حنا، وتقول: "أمّن لي الحماية ونقلني إلى منزله وأعطاني طعامًا وملابس، ثم أوصلني إلى بيروت حيث عادت عائلتي".
وتختم بقولها إنها كانت ترغب في الخروج مع سهى بشارة، لكن طلبها رُفض حفاظًا على حياتها، وتضيف:
"عندما وصلت إلى بيروت كان اللقاء لا يوصف، دموع الفرح اختلطت بالصدمة، حين اكتشفت أن عائلتي ما زالت على قيد الحياة بعد أن أخبروني أنهم قتلوا بقصف إسرائيلي".
خلاصة:
ما عرضته شهادات المعتقلين السابقين تؤكد فظائع السجون الإسرائيلية، وتكشفُ عن تاريخ أسود عاشه أشخاص ذاقوا الويلات، وشهدوا على انعدام الإنسانية بحقهم.
وفي الواقع، تمثل هذه الشهادات توثيقًا تاريخيًا لحقبة سوداء شهدها لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما التفاصيل الدقيقة التي نُقلت وكشفت عن سوداوية أقبية المعتقلات، تمثل دليلًا ثابتًا على ما يفعله العدو بالأسرى والمعتقلين داخل سجونه.