الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2026
Close

شهادات من عاملين وناجين.. كيف حسمت "هجمات الكيميائي" مصير الأسد؟

شهادات من عاملين وناجين.. كيف حسمت "هجمات الكيميائي" مصير الأسد؟

شارك القصة

توفي ما لا يقلّ عن 1400 سوري في أسوأ هجوم بالأسلحة الكيميائية على الغوطة
توفي ما لا يقلّ عن 1400 سوري في أسوأ هجوم بالأسلحة الكيميائية على الغوطة- رويترز
الخط
ارتكب جيش النظام السوري مجازر في الغوطة الشرقية مستخدمًا الأسلحة الكيماوية، ما أدى إلى مقتل الآلاف من السوريين.

سلّطت صحيفة "تايمز" البريطانية الضوء على الهجمات الكيميائية التي شنّها النظام السوري على شعبه خلال الثورة السورية عام 2011، ونقلت شهادات أحد العاملين في البرنامج الكيميائي للأسد تؤكد أنّ نظام الأسد كان وراء هذه الهجمات.

وذكرت الصحيفة أنّه بجوار قريتي برزة وجمرايا، يوجد مجمّعان لبرنامج الأسلحة الكيميائية التابع للنظام السوري يُديرهما "المركز السوري للدراسات والأبحاث العلمية".

ولسنوات عديدة، وبموجب تعليمات خبراء من الاتحاد السوفييتي السابق في كثير من الأحيان، قام الآلاف من موظفيها ببناء مخزونات من سلائف السارين والكلور وغاز الخردل. كما قاموا بتطوير صواريخ محلية الصنع لإيصال هذه المواد إلى وجهتها.

اعتقد الأشخاص الذين عملوا في هذين المجمّعين أنّ الهدف سيكون إسرائيل، إلى أنّ جاءت لحظة الحقيقة حين استخدمها جيش النظام في الغوطة الشرقية، التي تتكون من ضواحي دمشق زملكا وعين ترما وجوبر.

لقد مرّ أكثر من عقد من الزمان، لكن ذكريات العديد من الناجين مشوشة بسبب التأثيرات المستمرة للسمّ، وليس الوقت.

"استيقظت على الصراخ"

مستذكرًا أحداث 21 أغسطس/ آب 2013، قال الطبيب نبيل غرة: "لقد استيقظت على صراخ الأهالي، وهم يقولون كيميائي".

سحبته زوجة من السرير وأخرجوا أطفالهم من المنزل، وقال: "كنت أول من انهار وفقد الوعي".

وعندما تمّ العثور عليهم في المستشفى، كان خمسة من أطفال غرة قد قضوا، وابنته الكبرى (14 عامًا) على أجهزة دعم الحياة (تعافت لاحقًا)، بينما كانت زوجته تستعيد وعيها.

وعندما استعاد وعيه الكامل، كان أطفاله قد دُفنوا في مقبرة جماعية في زملكا.

ولاحقًا، تبيّن أنّ أطفاله كانوا من بين ما لا يقلّ عن 1400 شخص توفوا، في أسوأ هجوم بالأسلحة الكيميائية في القرن الحادي والعشرين، حيث سقط ما لا يقل عن ثمانية صواريخ تحتوي على غاز السارين على زملكا وعين ترما، وسبعة أخرى على ضاحية الجنوبية الغربية للمعضمية.

من جهته، قال محمد ناجي النداف (63 عامًا) الذي أيقظه ابنه وعيناه تدمعان: "كان الأمر أشبه بالضباب الكثيف. ركضنا في الشارع ولم نتمكّن من رؤية وجهتنا".

ماتت عائلات بأكملها معًا، من بينها عائلة حصرومة التي قُتل 35 من أفرادها.

وقد أخطأ الكثير من الناس ورجال الإنقاذ، عندما نزلوا إلى الشارع، فواجهوا البخار الذي قتلهم.

وبحلول الصباح، اصطفت صفوف من الجثث في المستشفى، وبدأت الصور الشنيعة تنتشر في جميع أنحاء العالم.

"لا يُمكن لفصائل المعارضة تطوير برنامج كيميائي"

وعلى الفور، بدأت وسائل الإعلام التابعة للنظام السوري بالترويج لنظريات تستبعد مسؤولية النظام، زاعمة بالتناوب أنّ الهجوم لم يحدث، أو أنّ فصائل المعارضة هم المسؤولون.

لكنّ الأشخاص المقرّبون من القصة، لديهم رأيهم. حيث قال مهندس إلكترونيات يبلغ من العمر 64 عامًا كان يعمل في مصنع جمرايا للصحيفة، إنّه "لا يُمكن لفصائل المعارضة تطوير برنامج كيميائي كهذا".

وقال: "لم يُسمح إلا للأشخاص المنخرطين بشكل مباشر بالاقتراب من منشآت إنتاج المواد الكيميائية".

وأوضح أنّه "لا يتم تخزين السارين كغاز، حيث تصل درجة تطايره إلى درجة أنّه يتمّ تخزين سلائفه الكيميائية، ثم يتمّ إعدادها للاستخدام قبل تحميلها في صواريخ معدلة خصيصًا. لقد كان عملاً خطيرًا".

ووفقًا لأحد التقارير، تُوفي عدد من الرجال المُلحقين بوحدة الأسلحة الكيميائية التابعة للنظام في ظروف غامضة في الأيام التي سبقت الهجوم، وربما أثناء الإعداد له.

وتمّ العثور على نوعين من الصواريخ المخصّصة لهذه الغاية في مكان الحادث، صاروخ "M-14" سوفيتي الإنتاج وصاروخ محلي الصنع يعرف باسم "بركان" واللذين يمتلكهما النظام السوري فقط، إذ لم يكن لدى فصائل المعارضة سوى بنادق "كلاشينكوف" وقاذفات الصواريخ.

البرنامج الكيميائي استمرّ

وحتى تلك اللحظة، لم يعلن النظام قط عن ملكيته لأي من أسلحة الدمار الشامل، حتى أنّ البعض استشهدوا بما حصل مع الاتهامات الموجّهة لنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لتبرير أنّ الاتهامات للنظام السوري "ملفقّة".

واستمّرت هذه الادعاءات حتى بعد أن تفاوض وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على اتفاق تمتنع بموجبه الولايات المتحدة عن معاقبة سوريا، إذا تخلت دمشق عن مخزونها من الأسلحة الكيميائية.

لكنّ المهندس الذي لم تذكر الصحيفة اسمه أكد أنّ برنامج الأسد الكيميائي استمرّ، وكذلك الهجمات.

ففي عام 2017، قتل صاروخ من السارين عشرات الأشخاص في خان شيخون بالقرب من حماة. وبعد مرور عام، سقطت عبوتان من غاز الكلور في دوما، في الغوطة الشرقية أيضًا.

وقال ماجد دياب (51 عامًا): "أصوات القصف كانت مستمرة طوال اليوم، ركضت إلى مكان القصف الذي كانت تفوح منه رائحة الكلور، فوجدت جثث أبناء وبنات أخوتي مشوّهة وبعضهم يسيل القيء منهم".

وقال: "نجا شقيقي، لكنّ شقيقي الآخر وزوجتيهما والأطفال التسعة من العائلتين ماتوا جميعًا. عندما أمسكت بأخي راتب، كان جلده يتفتت بين يدي".

نقطة تحوّل

كانت هجمات الغوطة ودوما، بمثابة نقاط تحول في الحرب، أدت مباشرة إلى سقوط رئيس النظام بشار الأسد هذا الشهر.

إن انسحاب إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وبريطانيا، التي صوّت برلمانها ضد التدخل في سوريا، سمح للنظام وروسيا باستعادة زمام المبادرة.

وبعد ثلاث سنوات، عندما انسحبت المعارضة من حلب، بدا أن الصراع قد انتهى.

لكنّ إدراك الفصائل السورية المعارضة أنّ الغرب لن يأتي لمساعدتهم، أدى إلى تقويتهم وتمكينهم من إسقاط النظام.

ومع عودة الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترمب إلى الرئاسة الأميركية في يناير/ كانون الثاني المقبل، وجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان يعرف بالطبع ما فعله الأسد في عام 2013، نفسه في مواجهة إدارة ترمب التي لا يمكن التنبؤ بها، إلى جانب تراخٍ عسكري في دمشق.

ويبدو أن بوتين قد أدرك هذا الشهر، أنّ الأسد لم يعد قادرًا على الاستمرار وأن نظامه سيسقط. وكانت سوريا بمثابة ثقب أسود، ولا تزال دوما وزملكا وعين ترما حطامًا قاتمًا، بينما قام الأسد بنقل كميات كبيرة من أموال النظام إلى موسكو.

والآن، يتساءل الضحايا والعاملون في جمرايا وبرزة الذين قصفتهم إسرائيل مؤخرًا، عمّا سيحدث لهم بعد ذلك.

وأوضح مهندس الإلكترونيات في جمرايا أنّه كان سيترك عمله عام 2013 مع معظم زملائه، لكنّهم كانوا يخشون انتقام النظام. وقال: "كانوا سيضعونني تحت الأرض".

وأوضح أنّه وزملاءه يشعرون الآن بالرعب، لكنّه يؤكد أنّ أيًا منهم لم يكن شريكًا فيما حدث.

وقال: "كنا نعتقد دائمًا أنّ هذه الأسلحة ستستخدم ضد إسرائيل، لم نعتقد أبدًا أنّه سيتمّ استخدامها ضد شعبنا".

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي - ترجمات
تغطية خاصة