في أواخر القرن العشرين، احتلت شخصية "النيرد" موقعًا مهمشًا في الثقافة الغربية، وخصوصًا الأميركية. غالبًا ما كانت تُجسَّد كشخص غير اجتماعي، مهووس بالتكنولوجيا أو العلوم، ضعيف البنية الجسدية ومحدود المهارات الاجتماعية.
ومع ذلك، وبحلول أوائل القرن الحادي والعشرين، أصبح أشخاص يحملون كثيرًا من سمات هذا النموذج في قلب بعض أقوى الشركات في الاقتصاد العالمي. فقد أعاد قادة شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون وآبل تشكيل الأسواق وأنظمة الاتصال، وامتد تأثير بعضهم لاحقًا إلى المجال العام والخطاب السياسي.
ولكن كيف انتقلت صفات ارتبطت طويلًا بصورة ثقافية هامشية إلى موقع يحظى بقيمة اقتصادية واجتماعية مرتفعة؟
حدث ذلك بالتزامن مع تشكل نظام بيئي للابتكار كان وادي السيليكون أبرز نماذجه في أواخر القرن العشرين، وبفعل ظروف ثقافية واقتصادية ومؤسسية رفعت قيمة الخبرة التقنية وحولتها إلى مصدر متزايد للثروة والنفوذ.
وجاءت ثورة الحاسوب الشخصي ثم الإنترنت لتسرّع التحول. خرجت البرمجيات من المختبرات والمؤسسات الكبرى وأصبحت منتجًا استهلاكيًا شاملًا، فيما سمحت خيارات الأسهم في شركات التكنولوجيا لعدد من المهندسين والمبرمجين والموظفين الأوائل بتحقيق ثروات لم تكن متاحة عادة للعامل المتخصص.
شيئًا فشيئًا، لم يعد الانكباب على الدراسة والتجريب والابتكار المعلوماتي علامة على الهامش الاجتماعي وحده. ففي اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على المعرفة التقنية والشبكات والبيانات، أصبحت هذه السمات قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية هائلة.
من هو "النيرد"؟
لا تقدم العربية مقابلًا واحدًا لكلمة nerd يحمل كل دلالاتها الثقافية في الإنجليزية. فهي تُترجم أحيانًا إلى "المهووس" أو الشخص المنكب بصورة استثنائية على مجال معرفي محدد، لكنها حملت تاريخيًا أيضًا معنى ساخرًا يرتبط بالشخص غير الاجتماعي أو غير الأنيق والمنغمس في موضوعات علمية وتقنية.
ويشرح قاموس كامبريدج المصطلح من خلال الاهتمام الشديد بموضوع معين، ولا سيما المجالات الفكرية والتقنية، مع الإشارة إلى الحمولة السلبية التي ارتبطت به تاريخيًا قبل أن يصبح استخدامه في بعض السياقات أقل ازدراء وأكثر ارتباطًا بالخبرة والشغف.[1]
وبين الدلالتين تكمن قصة التحول. فالصفات نفسها التي قُدمت طويلًا بوصفها مصدرًا للهامشية، مثل الانغماس في مجال معرفي ضيق وقضاء ساعات أمام الحواسيب والاهتمام بالتفاصيل التقنية، أصبحت أكثر قيمة عندما تغير الاقتصاد نفسه وأصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من الإنتاج والاستهلاك والاتصال.
لا يعني ذلك أن "النيردز" تحولوا إلى طبقة اجتماعية متجانسة، أو أن كل مبرمج أصبح صاحب ثروة ونفوذ. الأدق أن القيمة الاجتماعية والاقتصادية للمهارات المرتبطة بهذا النموذج تغيرت عندما أصبح الاقتصاد قادرًا على تحويل المعرفة التقنية المتخصصة إلى منتجات وشركات وأصول تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
وادي السيليكون والأسس المؤسسية للقوة الرقمية
على الرغم من أن جذور وادي السيليكون تمتد إلى عقود منتصف القرن العشرين، مع عقود الدفاع وتطور صناعة أشباه الموصلات، فإن النموذج الذي سيُعرف لاحقًا بثقافة الوادي تبلور تدريجيًا عبر شبكة من الشركات والجامعات والمهندسين ورأس المال المغامر.
فقد كانت شركة فيرتشايلد لأشباه الموصلات واحدة من أهم نقاط الانطلاق، إذ خرج من دائرتها عدد كبير من المؤسسين والشركات الجديدة إلى درجة أن متحف تاريخ الحاسوب يستخدم تعبير "عائلة فيرتشايلد" لوصف السلسلة الطويلة من الشركات التي انبثقت عنها. وأسهم قرب ستانفورد وبيركلي وتراكم الخبرة التقنية في منطقة خليج سان فرانسيسكو في خلق قاعدة محلية فريدة للابتكار.[2]
وتطور داخل هذه البيئة أسلوب إداري أقل صرامة من النموذج الهرمي التقليدي، مع تركيز أكبر على المهارات التقنية وحركة العاملين بين المؤسسات وتعويضات قائمة على الأسهم. وعززت المنطقة المحيطة بجامعة ستانفورد نموذجًا يجمع الجامعات البحثية ورأس المال المغامر والشركات الناشئة في مساحة جغرافية محدودة.
ويضع عالم الاجتماع مانويل كاستيلز هذا التحول في إطار أوسع من خلال مفهوم "مجتمع الشبكات"، حيث تتولد القيمة الاقتصادية بصورة متزايدة من تدفقات المعلومات والشبكات إلى جانب أنماط الإنتاج التقليدية.[3]
وازدهر في هذه البيئة المهندسون والمبرمجون ذوو التخصصات الدقيقة. وتلقى كثيرون منهم تدريبهم في الرياضيات وعلوم الحاسوب والهندسة الكهربائية، وأصبحت الكفاءة التقنية قادرة على منح صاحبها رأس مال اجتماعيًا واقتصاديًا لم تكن تمنحه إياه بالدرجة نفسها في اقتصاد سابق.
وتوضح آنا لي ساكسينيان في دراستها عن وادي السيليكون أن الشبكات المهنية المفتوحة نسبيًا وحركة الموظفين والأفكار بين الشركات تمايزت عن ثقافة الشركات الأكثر هرمية وانغلاقًا في مناطق أميركية أخرى، وأسهمت في تسريع الابتكار.[4]
وبحلول التسعينيات، أصبح وادي السيليكون مرادفًا للحدود الجديدة للرأسمالية التكنولوجية. والهوية التي كانت الثقافة الشعبية تحصرها في المختبر وغرفة الحاسوب بدأت تكتسب قيمة اقتصادية مختلفة تمامًا.
ثورة الحاسوب الشخصي.. حين خرجت البرمجيات إلى الجمهور
كان تحول الحوسبة من أجهزة ضخمة تستخدمها الحكومات والمؤسسات البحثية والشركات إلى أجهزة موجودة في المنازل والمكاتب أمرًا حاسمًا.
ففي مراحلها الأولى، كانت الحوسبة عالمًا متخصصًا ومغلقًا نسبيًا، لا يدخله سوى المهندسين والعلماء والمؤسسات القادرة على تحمل كلفة الأجهزة. لكن انتشار الحواسيب الشخصية والأنظمة الموجهة إلى المستهلكين خلال الثمانينيات والتسعينيات وسع قاعدة المستخدمين بصورة هائلة.
وشكل انتشار الواجهات الرسومية نقطة مهمة في جعل الحاسوب أكثر سهولة لغير المتخصصين. أطلقت آبل Macintosh عام 1984 بواجهة رسومية وأيقونات وفأرة، قبل أن يسهم الانتشار الواسع لنظام ويندوز في جعل هذا النمط من التعامل مع الحاسوب مألوفًا لملايين المستخدمين.
وتحولت البرمجيات بدورها من أدوات تقنية متخصصة إلى ضرورة يومية. حلت معالجات النصوص تدريجيًا محل الآلات الكاتبة، وغيرت جداول البيانات أساليب المحاسبة والإدارة، ثم أعاد البريد الإلكتروني تشكيل المراسلات.
ومع اتساع السوق خرج المبرمج والمهندس من المساحة التقنية المغلقة. أصبح ما ينتجه مرتبطًا مباشرة بحياة ملايين المستخدمين، وخلق ذلك حلقة متواصلة بين الاستخدام والإنتاج. فكلما ازداد عدد مستخدمي الحواسيب، ارتفع الطلب على البرمجيات، وازدادت القيمة الاقتصادية للمهارات القادرة على إنتاجها وتطويرها.
وعزز نظام خيارات الأسهم هذا التحول. فبدلًا من الاعتماد على الرواتب وحدها، منحت شركات تكنولوجية موظفيها الأوائل حصصًا وخيارات أسهم، ما جعل نجاح الشركة قادرًا على تحويل بعض العاملين فيها إلى أصحاب ثروات كبيرة.
وأصبح اكتتاب مايكروسوفت عام 1986 أحد أشهر رموز هذه المرحلة. طُرح السهم بسعر 21 دولارًا، وارتفع في يوم التداول الأول، فيما احتفظ بيل غيتس بعد الاكتتاب بحصة بلغت 45% وقُدّرت يومها بنحو 350 مليون دولار.
ومع الارتفاع الهائل اللاحق لقيمة الشركة، أصبح نجاح مايكروسوفت نموذجًا لقوة البرمجيات بوصفها أصلًا اقتصاديًا.
وزادت فقاعة الدوت كوم في أواخر التسعينيات من حدة العملية. ارتفعت استثمارات رأس المال المغامر، وحصلت شركات ذات أصول مادية محدودة على تقييمات ضخمة. وترى كارلوتا بيريز أن الثورات التكنولوجية كثيرًا ما ترافقها مراحل مضاربة مالية تساعد، رغم اختلالاتها، في تمويل البنية التحتية للتكنولوجيا الجديدة.[5]
الإنترنت واقتصاد المنصات
وسّع انتشار الإنترنت التجاري منذ منتصف التسعينيات نطاق الرأسمالية الرقمية إلى ما يتجاوز الحاسوب الشخصي.
ظهرت غوغل وأمازون، ثم لاحقًا منصات التواصل الاجتماعي، بنماذج أعمال تعتمد على إنشاء شبكات واسعة تربط أعدادًا ضخمة من المستخدمين والمعلنين والبائعين ومقدمي الخدمات.
ويحلل نيك سرنتشك هذا التحول من خلال مفهوم "رأسمالية المنصات"، حيث تصبح المنصة الرقمية وسيطًا للبنية الاقتصادية وقادرة في الوقت نفسه على جمع كميات هائلة من البيانات واستخدامها في تطوير خدماتها وتعزيز موقعها في السوق.[6]
وعلى خلاف الرأسمالي الصناعي الذي ارتبطت قوته أساسًا بملكية المصنع والآلات، اكتسبت شركات المنصات جانبًا كبيرًا من قوتها من السيطرة على الشبكات والبرمجيات والبنية الرقمية.
ويلعب "تأثير الشبكة" دورًا أساسيًا في هذا النموذج، إذ يمكن أن ترتفع قيمة خدمة ما كلما ازداد عدد مستخدميها، فتتحول قاعدة المستخدمين نفسها إلى عنصر يعزز موقع الشركة أمام المنافسين.
يبدو الحاسوب الأول الذي استخدمه مشروع غوغل في ستانفورد بدائيًا ومركبًا يدويًا مقارنة بالبنية العالمية التي ستنشأ منه لاحقًا
وفي هذه البيئة تطورت صورة "النيرد" نفسها. لم تعد المسألة تتعلق بالمبرمج المنعزل القادر على كتابة الشيفرة فقط، وإنما بظهور نخب تجمع المعرفة التقنية بالخبرة الإدارية والمالية والقدرة على إدارة شركات ومنصات ذات انتشار عالمي.
وهكذا أصبح فهم الشيفرة والشبكات قادرًا، في ظروف محددة، على التحول إلى سلطة اقتصادية واجتماعية واسعة.
من "ثأر النيردز" إلى "نظرية الانفجار الكبير"
واكبت الثقافة الشعبية هذا التحول، وإن لم يكن بصورة خطية. ففي بعض الأعمال ظل "النيرد" شخصية هزلية أو اجتماعية محرجة، فيما بدأت أعمال أخرى تمنحه ذكاءً وقوة وقدرة على النجاح لم تكن جزءًا من صورته التقليدية.
في فيلم Revenge of the Nerds الصادر عام 1984، يظهر "النيردز" كطلاب مهمشين اجتماعيًا في مواجهة الرياضيين الأكثر شعبية ونفوذًا. لكنهم ينجحون بفضل المعرفة والبراعة التقنية أكثر مما ينجحون بالقوة الجسدية.
جاء الفيلم قبل اكتمال الصعود الاقتصادي للرأسمالية الرقمية، ولذلك تبدو شخصياته عالقة بين موقعين. ما زالت مهمشة داخل التسلسل الاجتماعي التقليدي، لكنها تمتلك نوعًا من المهارات التي ستصبح بعد سنوات أكثر قيمة بكثير.
وبحلول بدء عرض مسلسل The Big Bang Theory عام 2007، كانت الصورة قد تغيرت. شخصيات المسلسل علماء وفيزيائيون ومهندسون يعملون في مؤسسات بحثية مرموقة. لا تختفي غرابتهم الاجتماعية التي تقوم عليها مساحة واسعة من الكوميديا، لكنهم ليسوا مهمشين فكريًا أو اقتصاديًا.
الفارق بين العملين لافت. في فيلم الثمانينيات كان السؤال كيف يستطيع "النيرد" إثبات نفسه داخل عالم يضعه في مرتبة أدنى. بعد أكثر من عقدين، صار من الممكن بناء واحد من أشهر المسلسلات الجماهيرية حول مجموعة من العلماء والمهندسين، فيما أصبحت هويتهم العلمية نفسها جزءًا من جاذبية الشخصيات.
وجوه من النخبة الرقمية
تبرز في قصة الاقتصاد الرقمي أسماء حققت صعودًا استثنائيًا في الثروة والنفوذ، وإن لم تنطبق على جميعها صورة "النيرد" التقليدية. أهميتها لا تكمن في إثبات أن أصحاب التكنولوجيا ينتمون إلى نمط شخصي واحد، وإنما في إظهار الطرق المختلفة التي أمكن من خلالها تحويل المعرفة التقنية أو إدراك إمكاناتها مبكرًا إلى قوة اقتصادية.
بيل غيتس
ستيف جوبز
جيف بيزوس
لاري بيج وسيرجي برين
لاري بيج وسيرجي برين عام 2003، بعد سنوات قليلة من تأسيس غوغل، حين كانت الشركة لا تزال في مرحلة الصعود قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر منصات المعلومات والإعلان الرقمي في العالم
مارك زوكربيرغ
بدأ مارك زوكربيرغ، طالب علوم الحاسوب في هارفارد، فيسبوك كموقع جامعي قبل أن يتحول إلى شبكة عالمية تضم مليارات المستخدمين. ومع هذا التوسع لم يعد تأثير المنصة اقتصاديًا فقط، إذ أصبحت منصات التواصل جزءًا من النقاش حول الانتخابات والخطاب العام والمعلومات المضللة.
أظهر هذا التحول أن النفوذ الناتج عن السيطرة على البنى الرقمية يمكن أن يتجاوز السوق إلى السياسة والمجتمع. ومع ذلك، سيكون من المضلل اختزال الاقتصاد الرقمي كله في قصص هؤلاء المؤسسين. فخلفهم تقف جامعات ومؤسسات بحثية وتمويل حكومي ورأس مال مغامر ومئات آلاف المهندسين والعاملين وشبكات عالمية من الموردين.
وهكذا لم يكن صعود "النيرد" انقلابًا كاملًا في الطبقات الاجتماعية بقدر ما كان علامة على تغير مصدر مهم من مصادر القوة داخل الاقتصاد. فعندما تتغير التكنولوجيا المسيطرة على الإنتاج والاتصال، تتغير معها قيمة المهارات القادرة على بنائها وإدارتها.
في المجتمعات الزراعية ارتبط جانب كبير من القوة بملكية الأرض. ومع الرأسمالية الصناعية ارتفعت قيمة المصانع ورأس المال الصناعي. أما الرأسمالية الرقمية فأضافت إلى هذه المصادر السيطرة على البرمجيات والشبكات والبيانات والبنى التحتية الرقمية.
بهذا المعنى، لم يكن "ثأر النيردز" عنيفًا ولا مسرحيًا كما توحي أفلام الثمانينيات. حدث الانقلاب الحقيقي ببطء، من خلال أنظمة التشغيل والخوارزميات والشبكات والشركات التي جعلت مهارات كانت تبدو يومًا هامشية في الثقافة الشعبية جزءًا من مركز الاقتصاد العالمي.
لم تصبح الشيفرة البرمجية رأس المال الوحيد في القرن الحادي والعشرين، لكنها أصبحت بلا شك أحد الأصول القادرة على إنتاج قدر هائل من الثروة والنفوذ.
وهذا ربما هو التحول الأعمق في قصة "النيرد". لم يتغير الشخص وحده، وإنما تغير العالم من حوله، حتى أصبحت بعض الصفات التي كانت تضعه يومًا على الهامش من بين الصفات القادرة على فتح الطريق إلى المركز.
المصادر والمراجع
1-Cambridge Dictionary “Nerd”
2-Computer history museum : Fairchild and the family tree of Silicon Valley.2022
3-Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. 1996.
4- Saxenian, AnnaLee. Regional Advantage. 1994.
5- Microsoft News. Microsoft goes public 1986
6- Perez, Carlota. Technological Revolutions and Financial Capital. 2002.
7-Srnicek,Nick. PlatformCapitalism.2017.