فحزب "البديل من أجل ألمانيا"، الذي يمثله الرجل، حقق فوزًا في انتخابات الولاية، في تحول تاريخي لن تقتصر تداعياته على ألمانيا، لكنه يدق ناقوس الخطر في عموم أوروبا ويهز أسس السياسة الأوروبية.
وقد يكون الفوز إيذانًا ببدء حقبة جديدة، من أبرز معالمها هيمنة اليمين المتطرف في القارة العجوز، وإحداث أول شرخ في البنية السياسية التي حفظت استقرار أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فقد حقق الحزب فوزًا تاريخيًا في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، بعدما حصد نحو 44% من الأصوات، في نتيجة تعزز حضور اليمين المتطرف في المشهد السياسي الألماني وتضع الأحزاب التقليدية أمام اختبار جديد.
ولم يحقق الحزب الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا، لكن إعلان تحالف سارة فاغنكنخت في الولاية استعداده للمساعدة في تنصيب رئيس حكومة من "البديل" فتح الباب أمام احتمال وصول الحزب إلى قيادة حكومة ولاية ألمانية للمرة الأولى.
فماذا تعني هذه النتيجة لألمانيا؟ وكيف يمكن أن تنعكس على المشهد السياسي الأوروبي؟
"البديل" يحقق فوزًا تاريخيًا
اكتسح حزب "البديل من أجل ألمانيا" انتخابات ساكسونيا أنهالت، متقدمًا بفارق واسع على الأحزاب التقليدية، في نتيجة تعد الأفضل لحزب سياسي في الولاية منذ عام 1990. لكن الفوز الانتخابي لا يعني تلقائيًا تشكيل الحكومة، إذ يحتاج "البديل" إلى شريك لتأمين الأغلبية داخل برلمان الولاية.
وقال أولريش زيغموند، مرشح الحزب لرئاسة حكومة الولاية، إن النتيجة تستحق تكليف "البديل" بتشكيل الحكومة، مؤكدًا أن الحزب لن يتخلى عن قيمه أو يتحول إلى نسخة من الأحزاب الأخرى.
وفي برلين، تضع النتيجة الأحزاب التقليدية أمام ضغوط متزايدة، خصوصًا في ملفات الهجرة والاقتصاد وتكاليف المعيشة، وهي قضايا استفاد منها "البديل" خلال حملته الانتخابية.
كما تمثل النتيجة اختبارًا صعبًا للاتحاد المسيحي الديمقراطي والمستشار فريدريش ميرس، مع اقتراب استحقاقات انتخابية في ولايات أخرى.
وتفتح النتيجة في الوقت نفسه نقاشًا داخل ألمانيا حول قدرة الأحزاب التقليدية على استعادة الناخبين الذين اتجهوا نحو اليمين المتطرف.
من ألمانيا إلى أوروبا
لا تقتصر تداعيات فوز "البديل" على السياسة الألمانية، إذ أثارت النتيجة ردود فعل متباينة في أوروبا.
ورأى رئيس الوزراء الإسباني أن النتيجة تمثل هزيمة لليمين التقليدي، محذرًا من تمدد التطرف في أوروبا والعالم.
من جهته، وصف وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور النتيجة بأنها "إشارة مثيرة جدًا للقلق"، معتبرًا أنها تعكس تمدد موجة شعبوية في أنحاء العالم.
في المقابل، رحب قادة أحزاب يمينية متطرفة في إسبانيا والبرتغال بالنتيجة. ووصف زعيم حزب "فوكس" الإسباني الفوز بأنه "رائع" ويمثل "أملًا كبيرًا لألمانيا وأوروبا"، فيما اعتبر رئيس حزب "شيغا" البرتغالي النتيجة "تاريخية".
كما رحب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بالنتيجة، واصفًا إياها بأنها "ليلة مهمة لألمانيا وأوروبا".
وتأتي هذه التطورات قبل سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية الأوروبية، وسط تصاعد حضور الأحزاب اليمينية والشعبوية في عدد من دول القارة.
ويرى مراقبون أن صعود "البديل" قد يزيد الضغوط على الأحزاب التقليدية الأوروبية، لكنه لا يعني بالضرورة تحولًا فوريًا في موازين الحكم على مستوى القارة.
دعم من ترمب وماسك
حظيت نتيجة "البديل" أيضًا باهتمام في الولايات المتحدة، إذ نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطة شاشة لنتائج الانتخابات على منصته "تروث سوشال"، من دون تعليق.
كما رحب رجل الأعمال إيلون ماسك بفوز الحزب، وكتب على منصة "إكس" تعليقًا مقتضبًا ردًا على منشور للرئيسة المشاركة للحزب أليس فايدل.
ويأتي ذلك في سياق مواقف سابقة لماسك أبدى خلالها دعمًا لـ"البديل"، بينها مشاركته في حوار مع فايدل عبر منصة "إكس" خلال حملتها الانتخابية.
مخاوف اقتصادية من صعود "البديل"
وامتدت تداعيات الانتخابات إلى الأوساط الاقتصادية الألمانية، إذ حذر ممثلو قطاع الأعمال من مخاطر ما وصفوه بـ"الانغلاق"، في إشارة إلى السياسات التي قد تضعف الانفتاح الاقتصادي لألمانيا.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل مواقف "البديل" من الاتحاد الأوروبي واليورو والهجرة.
فالحزب، الذي تأسس عام 2013 في سياق معارضة سياسات إنقاذ منطقة اليورو، تحول تدريجيًا إلى قوة يمينية شعبوية تركز على قضايا الهجرة وتنتقد سياسات الاتحاد الأوروبي.
وبذلك، لا يمثل فوز "البديل" في ساكسونيا أنهالت مجرد نتيجة انتخابية على مستوى ولاية ألمانية، بل يعكس تحولًا في موازين القوى السياسية، ويضع الأحزاب التقليدية أمام سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تواجه صعود اليمين المتطرف وتستعيد ثقة الناخبين؟