الأحد 15 شباط / فبراير 2026
Close

صندوق النقد الدولي.. بين إنقاذ الاقتصادات وتعميق الأزمات

صندوق النقد الدولي.. بين إنقاذ الاقتصادات وتعميق الأزمات محدث 03 تشرين الأول 2025

شارك القصة

قُدِّم إنشاء صندوق النقد الدولي على أنه جهد غير سياسي لإعادة بناء الاقتصاد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية- غيتي
قُدِّم إنشاء صندوق النقد الدولي على أنه جهد غير سياسي لإعادة بناء الاقتصاد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية- غيتي
الخط
يعمل صندوق النقد الدولي لتعزيز الاستقرار الاقتصادي العالمي بقروض مشروطة لكنه يواجه انتقادات بأن سياساته قد تزيد من الأعباء الاجتماعية وتُعزز سيطرة الدول الغنية.

يلعب صندوق النقد الدولي دورًا محوريًا في رصد الاتجاهات الاقتصادية العالمية، وتقديم المشورة في مجال السياسات، وتوفير المساعدة المالية للدول التي تواجه مشاكل في ميزان المدفوعات.

غير أن هذا الدور يرافقه جدل دائم، إذ يفرض الصندوق شروطًا تُتهم بأنها تربط الدعم المالي بإصلاحات قاسية يدفع ثمنها الشعوب، فيما يعتبره البعض أداةً للهيمنة الغربية.

تأسس الصندوق عام 1944 في أعقاب الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، بمشاركة 44 دولة هدفت إلى بناء إطار للتعاون الاقتصادي. واليوم يخضع لإدارة ومساءلة 191 دولة عضو، أي ما يشكّل تقريبًا العضوية العالمية الكاملة.

ويمتلك الصندوق قدرة إقراض تصل إلى نحو تريليون دولار وفق موقعه الإلكتروني، ويقدم دعمه المالي لتمكين الدول المتضررة من الأزمات من تطبيق سياسات التكيّف الاقتصادي واستعادة الاستقرار والنمو. كما يوفر تمويلًا احترازيًا للمساعدة في منع الأزمات والتأمين ضدها، ويطوّر أدوات الإقراض بشكل مستمر لتلبية الاحتياجات المتغيّرة للدول.

إلى جانب ذلك، يمثل الصندوق منتدى للحوار والتعاون بين الدول الأعضاء، إذ يقدّم من خلال تحليل البيانات والاتجاهات الاقتصادية رؤى تساعد على صياغة سياسات اقتصادية أكثر فاعلية.

يوفر صندوق النقد تمويلًا احترازيًا للمساعدة في منع الأزمات والتأمين ضدها- غيتي
يوفر صندوق النقد تمويلًا احترازيًا للمساعدة في منع الأزمات والتأمين ضدها- غيتي

وتُعدّ مراقبة السياسات الاقتصادية والمالية للدول الأعضاء وتقديم المشورة لها من المسؤوليات الأساسية لصندوق النقد، وهي عملية تُعرف بـ"المراقبة". وتتم هذه العملية على المستويين العالمي والإقليمي لتحديد المخاطر المحتملة والتوصية بالتعديلات اللازمة لدعم النمو وتعزيز الاستقرار المالي.

نظام الحصص

بحسب "فاند فور أن جي أوز"، يعتمد الصندوق على نظام الحصص (Quotas) لتحديد التزامات الدول الأعضاء وحقوقها. وتحدد الحصة مقدار مساهمة الدولة في رأسمال الصندوق، وتُستخدم هذه المساهمات لتمويل القروض التي يمنحها الصندوق للدول الأعضاء التي تعاني من مشاكل في ميزان المدفوعات.

وبحسب موقع "أتلانتك كاونسل"، فإن الحصة هي الأساس لحساب مساهمات الأعضاء في رأس المال، ولتحديد إمكانية وصولهم إلى موارد الصندوق، أي اقتراض ما يصل إلى 200% من قيمة الحصة سنويًا، و600% بشكل تراكمي، مع إمكانية تجاوز هذه الحدود في حالات استثنائية.

كما تحدد الحصص قوة كل عضو التصويتية داخل المنظمة. فالحصة الأكبر تعني مشاركة أوسع في عمليات صنع القرار، ولا سيما عند انتخاب المدير العام أو عند التصويت على تغييرات جوهرية في السياسات.

ولكل عضو 250 صوتًا أساسيًا (تشكل نسبتها 5.502% من إجمالي الأصوات)، فيما تحدد بقية الأصوات استنادًا إلى الحصص الفعلية (AQSs) والمقوَّمة بحقوق السحب الخاصة (SDR)، إذ يمنح لكل 100 ألف وحدة سحب خاصة من الحصة صوت واحد.

ووفق ما ينقله موقع "أتلانتك كاونسل"، فإن تحديد الحصص يخضع لعدة متغيرات:

  • الناتج المحلي الإجمالي: 60% منه بأسعار السوق و40% وفقًا لتعادل القوة الشرائية.

  • الانفتاح: ويشمل مجموع المدفوعات الجارية السنوية والإيرادات الجارية من السلع والخدمات والدخل والتحويلات.

  • التباين: أي الانحراف المعياري للإيرادات الجارية وصافي تدفقات رأس المال.

  • الاحتياطيات: وهي متوسطات مستمرة لاثني عشر شهرًا لاحتياطيات النقد الأجنبي والذهب.

وتُراجع الحصص بشكل دوري لتعكس التغيرات في الاقتصاد العالمي، بما يضمن استمرار دور الصندوق واستجابته للتحديات الناشئة. وكانت آخر مراجعة رئيسية قد جرت عام 2010، وأسفرت عن زيادة حصص العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة، ما عزز من تمثيلها داخل المؤسسة.

 الاقتراض والإقراض

يقدم صندوق النقد الدولي دعمًا ماليًا قصير الأجل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي واستعادة ثقة المستثمرين والأسواق في الدول التي تعاني من أزمات في ميزان المدفوعات. ويستخدم الصندوق أدوات إقراض متنوعة، مصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات المحددة لأعضائه، من بينها اتفاقات الاستعداد الائتماني، وتسهيل الصندوق الممدد، وبرامج التكيف الهيكلي.

ويهدف كل برنامج من هذه البرامج إلى معالجة التحديات الاقتصادية المختلفة، مع تعزيز السياسات المالية السليمة والإصلاحات الهيكلية. وإلى جانب توفير الموارد المالية، يلعب صندوق النقد الدولي دورًا مهمًا في تقديم المشورة للدول حول التعديلات المطلوبة على سياساتها الاقتصادية.

وعندما تطلب دولة ما المساعدة، فإنها عادةً ما تنضم إلى برنامج محدد يضع إصلاحات اقتصادية واضحة تهدف إلى استعادة الاستقرار وتعزيز النمو. وقد تشمل هذه الإصلاحات تدابير مثل ضبط أوضاع المالية العامة، وتشديد السياسة النقدية، أو إدخال تغييرات هيكلية في قطاعات رئيسية كقطاعي الطاقة والزراعة.

ومن خلال ربط الدعم المالي بهذه الالتزامات، يسعى صندوق النقد الدولي إلى ضمان قدرة الدول الأعضاء على تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام، يوازن بين حاجتها إلى التمويل الفوري وبين متطلبات الإصلاح طويلة الأمد.

حقوق السحب الخاصة 

تُعد حقوق السحب الخاصة (SDRs) أداة مالية أنشأها صندوق النقد الدولي لتكملة الاحتياطيات الرسمية للدول الأعضاء. وهي ليست عملة بالمعنى التقليدي، بل تمثل حقًا محتمَلًا في استخدام العملات القابلة للتحويل التي تحتفظ بها الدول الأعضاء في الصندوق.

يمثل صندوق النقد الدولي منتدى للحوار والتعاون بين الدول الأعضاء- غيتي
يمثل صندوق النقد الدولي منتدى للحوار والتعاون بين الدول الأعضاء- غيتي

ويعتمد تخصيص حقوق السحب الخاصة على حصة كل عضو في صندوق النقد الدولي، بما يضمن توزيعًا عادلًا لهذا المورد بين جميع الأعضاء. ويمكن تبادل هذه الحقوق بين الدول لتلبية احتياجات ميزان المدفوعات أو لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، مما يوفر شبكة أمان حيوية في أوقات الأزمات الاقتصادية.

وقد برزت أهمية هذه الأداة بشكل خاص خلال الأزمات العالمية، وعلى رأسها جائحة كوفيد-19. ففي أغسطس/ آب 2021، خصص صندوق النقد الدولي حقوق سحب خاصة بقيمة 650 مليار دولار أميركي لأعضائه، في خطوة مثّلت أكبر عملية تخصيص في تاريخ المؤسسة.

وكان الهدف من هذه الخطوة توفير السيولة للدول التي تأثرت بتداعيات الجائحة، بما يساعدها على تحقيق الاستقرار الاقتصادي من دون الاضطرار إلى اللجوء للاقتراض المكلف أو الاستدانة الثقيلة.

احتياطيات صندوق النقد الدولي من الذهب

تُمثل احتياطيات صندوق النقد الدولي من الذهب أحد أهم أصوله وأكثرها استراتيجية، وتلعب دورًا حيويًا في عملياته المالية. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بلغ إجمالي هذه الاحتياطيات حوالي 2814 طنًا متريًا، ما يجعل الصندوق واحدًا من أكبر حائزي الذهب في العالم.

ولا يُقدَّر هذا الذهب لقيمته الجوهرية فحسب، بل أيضًا لدوره في توفير الأمن والاستقرار الماليين خلال الأزمات. إذ تشكل هذه الاحتياطيات ضمانة أساسية ضد تقلبات أسعار العملات، ويمكن استخدامها لتعزيز قدرة الصندوق على الإقراض أو لتسهيل معاملاته مع الدول الأعضاء.

ولا يُعتبر الذهب الذي يحتفظ به الصندوق مجرد أصل خامِل، بل يُوظَّف بفاعلية في تعزيز قوته المالية ومصداقيته. ففي أوقات الاضطرابات الاقتصادية أو الأزمات الحادة في ميزان المدفوعات، يمكن للصندوق الاستفادة من احتياطياته الذهبية لزيادة قدرته على الإقراض أو لدعم برامجه المالية المختلفة.

علاوة على ذلك، يمكن توظيف مبيعات الذهب أو مقايضاته بشكل استراتيجي لتوفير موارد إضافية لتمويل البرامج أو لتلبية احتياجات السيولة في اللحظات الحرجة.

مصادر أخرى لموارد صندوق النقد الدولي

إلى جانب احتياطياته الذهبية ونظام الحصص، يمتلك صندوق النقد الدولي مصادر أخرى مهمة لتمويل موارده، من أبرزها:

1. اتفاقيات الاقتراض الثنائية

تتيح هذه الاتفاقيات للصندوق الحصول على أموال إضافية خلال فترات تزايد الطلب على المساعدة المالية. وتمنح الصندوق مرونة عالية وقدرة أكبر على الاستجابة السريعة للأزمات، بما يضمن تلبية احتياجات أعضائه في الوقت المناسب.

2. ترتيبات الاقتراض الجديدة (NAB)

أُنشئت عام 1997 كآلية تمويل إضافية، وتُعد أداة مهمة في أوقات الطلب الاستثنائي على موارد الصندوق. وتسمح لدول أعضاء مختارة بتقديم التزامات مالية إضافية يمكن للصندوق السحب منها عند الحاجة، ما يعزز من قدرته على مواجهة الأزمات الكبرى.

وبحسب موقع صندوق النقد الدولي، فعندما تقترض الدول الأعضاء من الصندوق، تحصل الدول الدائنة على تعويض عادل عن الموارد التي وفرتها للإقراض، أي ما يعادل الفائدة السوقية المتوقعة على قرض يُعتبر في العادة خاليًا من المخاطر.

وتشمل قائمة الدائنين الدول الأعضاء التي تتمتع أوضاعها الاقتصادية، ولا سيما حساباتها الخارجية، بقدرة كافية لدعم غيرها. ففي عام 2024 مثلًا، تلقت حوالي 50 دولة دائنة ما مجموعه نحو 5 مليارات دولار كفوائد على الموارد التي قدمتها لقروض الصندوق غير الميسرة.

كما يستفيد الأعضاء من قوة الموارد المجمعة. فلكل دولار تساهم به الولايات المتحدة مثلًا، يحصل الصندوق على أربعة دولارات إضافية من دول أخرى. وتبقى الولايات المتحدة، مع ذلك، أكبر مساهم منفرد في صندوق النقد الدولي.

يقدم الصندوق دعمًا ماليًا قصير الأجل للدول لتحقيق الاستقرار الاقتصادي واستعادة ثقة المستثمرين والأسواق فيها- غيتي
يقدم الصندوق دعمًا ماليًا قصير الأجل للدول لتحقيق الاستقرار الاقتصادي واستعادة ثقة المستثمرين والأسواق فيها- غيتي

وتشمل قائمة الدائنين الدول الأعضاء التي تتمتع أوضاعها الاقتصادية، ولا سيما حساباتها الخارجية، بقدرة كافية لدعم غيرها. ففي عام 2024 مثلًا، تلقت حوالي 50 دولة دائنة ما مجموعه نحو 5 مليارات دولار كفوائد على الموارد التي قدمتها لقروض الصندوق غير الميسرة.

كما يستفيد الأعضاء من قوة الموارد المجمعة. فلكل دولار تساهم به الولايات المتحدة مثلًا، يحصل الصندوق على أربعة دولارات إضافية من دول أخرى. وتبقى الولايات المتحدة، مع ذلك، أكبر مساهم منفرد في صندوق النقد الدولي.

الرأسمالية الغربية وصندوق النقد

رغم أن إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قُدِّم عام 1944 على أنه جهد غير سياسي يهدف إلى إعادة بناء الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، فإن العديد من التفسيرات رأت في المؤسستين أداةً لتعزيز الرأسمالية الغربية وتوسيع نفوذها في مواجهة التحديات المحتملة من الاتحاد السوفيتي آنذاك، ولخدمة المصالح الأميركية خصوصًا، وفق موقع "بريتون وودس بروجيكت".

وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، استندت السياسات التي تبنّتها مؤسسات بريتون وودس إلى ما يُعرف بـ "إجماع واشنطن"، وهو إطار فكري ركّز على تعزيز سياسات السوق الحرة، مثل تحرير التجارة، والخصخصة، والانفتاح الكامل أمام رأس المال الأجنبي، إضافة إلى استهداف النمو الاقتصادي غير المحدود. وقد طُبِّقت هذه التوجهات بشكل رئيسي من خلال برامج التكيف الهيكلي.

ويشير العديد من الباحثين إلى الآثار السلبية لهذه البرامج، حيث ارتبطت مباشرةً بإضعاف الأنظمة الصحية والتعليمية في دول عديدة. فعلى سبيل المثال، ساهمت هذه السياسات في تدمير أنظمة الرعاية الصحية الإفريقية، ما انعكس لاحقًا على ضعف الاستجابة لأزمة إيبولا عام 2014. وبذلك، يظل الإرث المدمّر لبرامج التكيف الهيكلي حاضرًا حتى اليوم.

تاريخيًا، اعتُبرت مؤسسات بريتون وودس أداةً للقوة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى. غير أن هذا الدور ظل موضع نقاش متواصل، وقد استعاد النقاش زخمه بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، إذ رأى البعض أن صعود الصين يشكل تحديًا مباشرًا للهيمنة التقليدية لهذه المؤسسات، ويمثل بداية لعالم أكثر تعددية أقطاب.

في المقابل، يرى آخرون أن هذا التحليل مبسّط، إذ لا يمكن دائمًا تفسير سياسات البنك والصندوق فقط في ضوء المنافسة الجيوسياسية، فهناك تعاون وثيق بين المؤسستين وبين مؤسسات مالية متعددة الأطراف أخرى، بما فيها تلك التي أنشأتها الصين ودول نامية أخرى، كما يوضح موقع "بريتون وودس بروجيكت".

كما أثرت الأزمات المالية المتكررة منذ سبعينيات القرن الماضي –خصوصًا أزمة 2008– على عمل الصندوق، الذي اضطر إلى تجاوز التدخلات الوطنية المباشرة، والتركيز بشكل أكبر على متابعة الاقتصاد العالمي واستشراف الأزمات المحتملة قبل وقوعها، أو التعامل معها سريعًا لتفادي انتشارها إقليميًا أو عالميًا.

انتقادات تواجه سياسات الصندوق

استعرضت دراسة بعنوان "داخل المؤسسات" جملة من أبرز الانتقادات الموجهة إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مركِّزة على ثلاث زوايا أساسية: الحكم الديمقراطي، وحقوق الإنسان، والبيئة.

وبحسب الدراسة، يطبّق صندوق النقد الدولي مجموعة شبه ثابتة من سياسات الاقتصاد الكلي في معظم الدول الأعضاء. وغالبًا ما تتمثل هذه السياسات في إجراءات ضبط أوضاع المالية العامة (أو التقشف)، والتي تشمل:

  • خفض فاتورة أجور القطاع العام.

  • فرض أو زيادة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الضرائب غير المباشرة ذات الطابع التراجعي.

  • اعتماد مرونة أكبر في سوق العمل.

  • ترشيد أو خفض وخصخصة الخدمات الاجتماعية.

  • إعادة توجيه الدعم والحماية الاجتماعية.

  • الحفاظ على معدلات منخفضة من التضخم، والضرائب على الشركات، والتعريفات الجمركية.

ويُتَّهم الصندوق بالتركيز المفرط على المؤشرات الاقتصادية الكلية، مثل عجز الموازنة وميزان المدفوعات، مع إهمال الآثار الاجتماعية والإنسانية لهذه السياسات، بما فيها انعكاساتها على معدلات الفقر والتعليم والصحة العامة.

ويرى النقاد أن الصندوق يعتمد نموذجًا موحدًا للإصلاحات يُطبَّق على الدول كافة تقريبًا، بغض النظر عن اختلاف ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إلى جانب ذلك، يشير البعض إلى أن الصندوق لا يعمل كمنظمة دولية محايدة، بل كأداة لفرض أجندة الدول الكبرى على الدول الأضعف، مدفوعًا بواقع أن عددًا قليلًا من الدول المتقدمة –وفي مقدمتها الولايات المتحدة– يتمتع بحقوق تصويت وسيطرة أكبر داخل المؤسسة.

كما تُوجَّه انتقادات للصندوق تتعلق بضعف الشفافية وصعوبة مساءلة قراراته، ما يجعله عرضة لتأثير المصالح السياسية والاقتصادية للقوى المهيمنة عليه.

يحاول لبنان التوصل لاتفاق مع صندوق النقد يتيح له الحصول على دعم مادي - غيتي
يحاول لبنان التوصل لاتفاق مع صندوق النقد يتيح له الحصول على دعم مادي - غيتي

ومنذ الأزمة المالية العالمية في 2008، أعلن صندوق النقد الدولي عن مراجعة لسياساته، مؤكدًا أهمية السياسات المضادة للدورات الاقتصادية، مثل الإنفاق التوسعي وتعزيز دور الدولة في التحفيز الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية. إلا أن التجربة العملية في الدول العربية لم تُظهر سوى تغييرات محدودة، حيث حافظ الصندوق على نهجه التقليدي، كما يتضح من حالات مصر وتونس والأردن، التي خضعت لإجراءات تقشفية شملت رفع أسعار الطاقة والضرائب، ما فاقم معدلات الفقر والبطالة، وفق شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية

وبحسب الشبكة فإن المؤسسات المالية الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، باتت بحاجة إلى إصلاح جذري يعيد ضبط دورها ضمن منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية. 

برامج صندوق النقد في العالم العربي

لعب صندوق النقد الدولي دورًا بارزًا في الاقتصادات العربية خلال العقود الماضية، وغالبًا ما ارتبط هذا الدور ببرامج إصلاحية مشروطة أثارت جدلًا واسعًا بسبب آثارها الاجتماعية والاقتصادية.

مصر:

تُنفذ مصر برنامج إصلاح اقتصادي منذ ديسمبر/ كانون الأول 2022 بقيمة 3 مليارات دولار، قبل أن يتم توسيعه إلى 8 مليارات دولار في مارس/ آذار 2024، نتيجة تأثر الاقتصاد المصري بتوترات الشرق الأوسط. وفي مارس نفسه، حررت مصر سعر صرف الجنيه أمام الدولار، كما رفعت أسعار الوقود والكهرباء والخبز المدعوم، ما انعكس بحدة على حياة المواطنين.

لبنان:

يحاول لبنان التوصل إلى اتفاق مع الصندوق يتيح له الحصول على دعم مالي والمضي في عملية إعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة. غير أن الصندوق يربط برنامجه بإصلاحات أساسية في القطاع المصرفي والإدارات العامة، لم ينجح لبنان حتى الآن في إنجازها. ويعاني البلد من أزمة ديون خارجية تقدر بنحو 30 مليار دولار، ما يضاعف هشاشته الاقتصادية.

المغرب:

في عام 2023، حصل المغرب على قرض بقيمة 1.3 مليار دولار من الصندوق، لتعزيز قدراته على تمويل التحول البيئي ولمواجهة تداعيات الكوارث الطبيعية والمناخية. وجاء القرض بعد شهر واحد فقط من الزلزال المدمر الذي ضرب المملكة، وامتد على فترة 18 شهرًا.

تونس:

المفاوضات بين تونس وصندوق النقد متوقفة منذ نحو ثلاث سنوات، رغم توقيع اتفاق مبدئي عام 2022 يقضي بحصول البلاد على قرض بقيمة 1.9 مليار دولار عبر "تسهيل الصندوق الممدد"، وكان مشروطًا بإصلاحات اقتصادية قاسية. هذه الشروط واجهت اعتراضًا صريحًا من الرئيس قيس سعيّد، ما أدى إلى تجميد الاتفاق عمليًا.

الأردن:

في يونيو/ حزيران 2024، أعلن الصندوق أنه سيوفر للأردن إمكانية الحصول على حقوق سحب خاصة بقيمة 611.78 مليون وحدة، أي نحو 834 مليون دولار، ضمن إطار تسهيلين ماليين. ويهدف ذلك إلى دعم الإصلاحات الهيكلية في قطاعي المياه والطاقة، إضافة إلى تعزيز قدرة الحكومة على التعامل مع الطوارئ الصحية العامة بما فيها الأوبئة المستقبلية.

موريتانيا:

في مايو/ أيار 2024، توصلت السلطات الموريتانية وخبراء صندوق النقد إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن التدابير اللازمة لإتمام المراجعة الرابعة لبرنامج موريتانيا المدعوم بآلية "تسهيل الصندوق الممدد" و"التسهيل الائتماني الممدد" الذي يمتد لـ42 شهرًا، وكذلك المراجعة الثالثة بموجب "تسهيل الصلابة والاستدامة". وبعد موافقة مجلس إدارة الصندوق، ستحصل موريتانيا على دفعة مالية قدرها 8.6 ملايين دولار، تليها دفعة أخرى بقيمة 20 مليون دولار. ويأتي ذلك بعد إحراز البلاد تقدمًا في الإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك إصدار قوانين جديدة تخص البنك المركزي والقطاع المصرفي والاستثمار.

في الخلاصة..

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، أعلن صندوق النقد الدولي عن مراجعة لسياساته، مؤكدًا أهمية السياسات المضادة للدورات الاقتصادية، مثل الإنفاق التوسعي، وتعزيز دور الدولة في التحفيز الاقتصادي، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

لكن التجربة العملية في الدول العربية لم تُظهر سوى تغييرات محدودة، إذ حافظ الصندوق على نهجه التقليدي. ويتضح ذلك من حالات مصر وتونس والأردن، التي خضعت لإجراءات تقشفية شملت رفع أسعار الطاقة والضرائب، ما فاقم معدلات الفقر والبطالة، بحسب شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية.

وترى الشبكة أن المؤسسات المالية الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، باتت بحاجة إلى إصلاح جذري يعيد ضبط أدوارها ضمن منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية، بحيث لا تقتصر على حماية الاستقرار المالي، بل تراعي أيضًا حاجات المجتمعات وتحديات التنمية المستدامة.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي/ ترجمات
المزيد من