قد تبدو الصورة التي تلتقطها بهاتفك عادية ولا تحمل أي معلومات حساسة، لكن التفاصيل الصغيرة الموجودة في الخلفية قد تكشف الكثير عن مكانك.
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم تعد مخاطر مشاركة الصور تقتصر على بيانات الموقع الجغرافي المخزنة داخل الملف، بل أصبح بالإمكان تحليل محتوى الصورة نفسه للوصول إلى مؤشرات عن مكان التقاطها.
وتشبه هذه القدرة إلى حد كبير ما يفعله لاعبو لعبة "GeoGuessr"، التي تعتمد على صور من خدمة "Google Street View"، حيث يحاول اللاعبون تحديد الموقع الجغرافي اعتمادًا على تفاصيل دقيقة مثل إشارات المرور، وتصميم المباني، والسيارات، ولافتات المحلات، وأنواع الأشجار والأرصفة.
الذكاء الاصطناعي يتفوق في قراءة التفاصيل الصغيرة
لم يعد تحليل هذه التفاصيل مقتصرًا على اللاعبين المحترفين. فبعض روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل الصور والبحث عن مؤشرات تساعدها في تقدير المكان الذي التُقطت فيه.
وتزداد دقة هذه الأنظمة عندما تكون الصورة ملتقطة في شارع أو معلم معروف، أو عندما تحتوي على عناصر مميزة يمكن ربطها بمكان محدد.
فقد تساعد واجهة مبنى، أو نوع سيارة، أو لافتة متجر، أو حتى شكل الطريق والأشجار، في تضييق نطاق الموقع الجغرافي.
أما الصور التي لا تحتوي على مؤشرات واضحة، فقد يتمكن الذكاء الاصطناعي من تحديد الدولة أو المنطقة فقط، بدلًا من الوصول إلى موقع أكثر دقة.
لماذا أصبحت بيانات الموقع وحدها غير كافية؟
لطالما حذر خبراء الخصوصية من مشاركة الصور التي تحتوي على بيانات الموقع الجغرافي، والمعروفة باسم بيانات EXIF، لأنها قد تتضمن إحداثيات المكان الذي التُقطت فيه الصورة. لكن حذف هذه البيانات لم يعد بالضرورة كافيًا لحماية الخصوصية.
فحتى بعد إزالة بيانات الموقع، قد تحتوي الصورة نفسها على معلومات بصرية تكشف المكان بصورة غير مباشرة. ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل هذه العناصر وربطها بمعلومات متاحة على الإنترنت، ما قد يساعد في تحديد المنطقة أو المدينة، خصوصًا عندما تكون الصورة غنية بالتفاصيل.
وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالملف الرقمي للصورة فقط، وإنما بما يظهر داخلها أيضًا.
قد تبدو معرفة موقع التقاط صورة أمرًا غير مهم، لكن تراكم هذه المعلومات قد يكشف نمط تحركات الشخص أو الأماكن التي يرتادها بصورة متكررة.
وقد يستغل أشخاص سيئو النية هذه المعلومات في محاولات انتحال الشخصية أو الاحتيال أو استهداف الضحية في مكان معين. كما أن نشر صورة من المنزل أو مكان العمل قد يكشف تفاصيل تساعد على تحديد الموقع، خصوصًا إذا ظهرت في الخلفية معالم مميزة أو لافتات أو أسماء شوارع.
لهذا السبب، من الأفضل التعامل مع الصور المنشورة على الإنترنت باعتبارها مصدرًا محتملًا للمعلومات، وليس مجرد محتوى بصري.
كيف تحمي نفسك قبل نشر الصور؟
أفضل وسيلة للحفاظ على الخصوصية هي التفكير في محتوى الصورة قبل مشاركتها، وليس الاعتماد فقط على حذف بيانات الموقع.
وإذا كانت الصورة تحتوي على تفاصيل تكشف المكان، يمكنك اقتصاصها أو طمس العناصر الحساسة، مثل أسماء الشوارع والمطاعم والمقاهي وأرقام المنازل واللافتات وأي معلومات شخصية تظهر في الخلفية.
لكن في كثير من الحالات، يكون الحل الأبسط هو عدم نشر الصورة علنًا إذا لم تكن هناك حاجة لذلك.
وتلعب إعدادات الخصوصية دورًا مهمًا في تقليل عدد الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى صورك. فعلى "فيسبوك"، يمكنك تحديد الجمهور الذي يستطيع رؤية منشوراتك، واختيار مشاركتها مع الأصدقاء بدلًا من جعلها متاحة للعامة.
أما "إنستغرام"، فيتيح جعل الحساب خاصًا، بحيث لا يتمكن الأشخاص غير الموافق عليهم من الوصول إلى المنشورات والصور الموجودة على الحساب.
وفي تطبيقات المراسلة مثل "واتساب"، يمكنك التحكم في الأشخاص الذين يستطيعون رؤية تحديثات الحالة، مع ضرورة الانتباه إلى أن الأشخاص الذين يحصلون على الصورة قد يتمكنون من إعادة مشاركتها.
ماذا لو اضطررت إلى نشر الصور بشكل علني؟
في بعض الحالات، قد يكون النشر العلني ضروريًا، خصوصًا بالنسبة إلى أصحاب الأعمال أو صناع المحتوى أو الأشخاص الذين يستخدمون الصور للترويج لنشاط مهني أو شخصي.
في هذه الحالة، حاول تقليل التفاصيل التي يمكن أن تكشف مكانك. تجنب إظهار أرقام المنازل، وأسماء الشوارع، واللافتات الواضحة، والمعالم شديدة التميز، وكذلك أي مستندات أو شاشات تحتوي على معلومات شخصية.
ومن المفيد أيضًا مراجعة الصورة كاملة قبل نشرها، بدلًا من التركيز على العنصر الرئيسي فيها فقط؛ فقد تكون المعلومة الأكثر حساسية موجودة في زاوية صغيرة من الخلفية.
إلى ذلك، أصبحت تقنيات تحليل الصور أكثر تطورًا، وهذا يجعل الخصوصية الرقمية مرتبطة بما يظهر في الصور، وليس فقط بالبيانات المخفية داخلها.
ولا يعني ذلك أن كل صورة منشورة ستكشف عنوان منزلك أو موقعك بدقة، لكن تقليل المعلومات المتاحة للعلن يظل خطوة مهمة لحماية الخصوصية.
لذلك، قبل الضغط على زر النشر، ألقِ نظرة ثانية على الصورة واسأل نفسك: هل توجد في هذه الصورة أي تفاصيل يمكن أن تكشف أين أنا؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فمن الأفضل حذف هذه التفاصيل أو طمسها أو اختيار صورة أخرى.