حصل التلفزيون العربي على مشاهد خاصة من داخل مخيم جباليا المحاصر منذ ثلاثة أشهر، حيث تظهر الصور حجم الدمار الهائل الذي تسببت به عمليات القصف والنسف والتجريف.
يأتي هذا بينما أعلن الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، أن 15 فلسطينيًا، بينهم أطفال، استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية فجر اليوم الأربعاء في بلدة جباليا شمال قطاع غزة.
دمار هائل في مخيم جباليا
وفي مشهد يكشف حجم الدمار المهول في مخيم جباليا تنطوي مأساة سكانه الذين كانوا آمنين في منازلهم فيه، ليتحوّلوا إلى نازحين داخله وفي جواره، داخل مراكز تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".
وقبل الحرب كان مخيم جباليا واحدًا من أكثر الأماكن كثافة سكانية في العالم، وجاء توغل جيش الاحتلال فيه قبل ثلاثة أشهر ليقلب حياة سكانه رأسًا على عقب. فتحت تهديدات نيران القصف، أجبر سكان جباليا على الانتقال إلى مناطق أخرى، وكثيرون منهم رحلوا إلى الأبد، قبل أن يجدوا مكانًا آمنًا.
وتظهر الصور الخاصة بالتلفزيون العربي كيف أصبح مخيم جباليا، حيث أكوام من الأنقاض ودمار على مد البصر، وأهوال قاس منها آلاف النازحين وهم يحاولون الهروب من واحدة من أكثر العمليات العسكرية الإسرائيلية شراسة وتدميرًا، جرت في المخيم وعلى حساب حياة سكانه.
فقد نفذ الاحتلال مئات الغارات الجوية، إضافة إلى القصف المدفعي والرشقات الرشاشة وعمليات النسف بالروبوتات المتفجرة، مجربًا مختلف أنواع الأسلحة، وكانت خسارته عدة جنود وآليات ما جعله يوغل في الانتقام من مبان خلت من سكانها، وملاجئ أحرقها حتى لا يعود إليها النازحون.
أوامر جديدة بالإخلاء
وأنذر الجيش الإسرائيلي اليوم الأربعاء سكان جباليا وشمال غربي محافظة مدينة غزة (شمال) بإخلاء منازلهم والانتقال إلى وسط المدينة، تمهيدًا لهجوم عسكري.
وجاء ذلك في منشور هو الثاني من نوعه خلال اليوم الأول من عام 2025 للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي، عبر منصة "إكس".
وكانت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قالت قبل نحو أسبوعين إن الجيش الإسرائيلي دمر بالكامل نحو 70% من المنازل والمباني في مخيم جباليا، مشبهة إياه بـ"مدينة الأشباح"، بعد أن كان حتى الحرب "أحد أكثر الأماكن ازدحامًا في العالم".
وقال عاموس هرئيل، محلل الشؤون العسكرية بالصحيفة، إن الجيش دمر نحو 70% من المباني في مخيم جباليا بالكامل، خلال عمليته العسكرية التي بدأت هناك في 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2024.
وهذه هي المرة الثالثة التي يجتاح فيها الجيش الإسرائيلي مخيم جباليا، وكانت الأولى في ديسمبر/ كانون الأول 2023، والثانية في مايو/ أيار الماضي، وفق المصدر ذاته.
وتابع هرئيل: "خلال زيارة قصيرة للمخيم، كان من الممكن رؤية أنه حتى في المباني القليلة المتبقية، لحقت بها أضرار ملحوظة".
"مدينة أشباح"
وذكر المحلل أنه من الصعب مقارنة مواقع حزب الله "العملاقة" التي فجرها الجيش الإسرائيلي في قرى جنوب لبنان، ومحور (صلاح الدين) الموسع في رفح (جنوب غزة) بما حدث خلال الشهرين ونصف الشهر الماضيين في مخيم جباليا، "من حيث شدة ونطاق الدمار".
وشبه هرئيل جباليا بـ"مدينة أشباح"، قائلًا: "في الخارج يمكنك رؤية مجموعات من الكلاب تتجول بحثًا عن بقايا الطعام".
وتدير الفرقة 162 مدرعات أربعة ألوية قتالية في جباليا وفي مدينتي بيت حانون وبيت لاهيا (شمال) المجاورتين، وفق "هآرتس"، وبحسب هرئيل، يتولى عز الدين حداد، قائد الجناح العسكري لحركة حماس في شمال قطاع غزة، تنسيق جهود مواجهة القوات الإسرائيلية في المخيم.
وقال إن حماس تخوض معاركها هناك عبر مجموعات صغيرة مكونة من أربعة أو خمسة أفراد مسلحين بأسلحة خفيفة وصواريخ آر بي جي ومتفجرات وعبوات ناسفة.
وأوضح محلل هآرتس العسكري إنه في الأسبوعين الأولين من العملية، تردد السكان بشأن مغادرة مخيم جباليا لكن الجيش الإسرائيلي زاد من الضغط، بما في ذلك إطلاق النار بكثافة بالقرب من المدنيين لإجبارهم على المغادرة بسرعة.
وأشار إلى أن ما يحدث في مخيم جباليا، يأتي على خلفية "خطة الجنرالات"، والتي تهدف إلى إخراج جميع السكان المدنيين الفلسطينيين من شمال القطاع وجنوبه حتى ممر نتساريم في مدينة غزة.
و"خطة الجنرالات" اقترحها مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي اللواء احتياط "غيورا أيلاند"، ودعمها العشرات من كبار الضباط الحاليين والسابقين بالجيش الإسرائيلي، وتهدف إلى سيطرة إسرائيل على توزيع المساعدات الإنسانية من خلال فرض حصار على شمال قطاع غزة وتهجير سكانه، وفق صحيفة "يديعوت أحرونوت".
ووفق الخطة، فإن كامل المنطقة الواقعة شمال ممر نتساريم الذي أقامه الجيش الإسرائيلي وسط قطاع غزة لفصل شماله عن جنوبه، وتحديدًا مدينة غزة وجميع أحيائها، ستصبح منطقة عسكرية مغلقة.
وبعبارة أخرى، فإن جميع السكان في المنطقة، والذين يقدر الجيش عددهم بنحو 300 ألف شخص، سيضطرون إلى المغادرة فورًا عبر ممرات يزعم الجيش أنها "آمنة"، وفق ذات المصدر.