Skip to main content

ضاعت أحلام الهجرة.. قصص مأساوية لمصريين مع مهربي البشر في ليبيا

الأربعاء 18 فبراير 2026
يطالب مهربو بشر من ليبيا أهالي المهاجرين المصريين بأموال مقابل عدم قتل أبنائهم - غيتي

خلال العام المنقضي 2025، كان المصريون في صدارة المهاجرين الأفارقة الذين غامروا خلالها ليصلوا إلى السواحل الأوروبية.

وفي العام ذاته، عبر أكثر من 17000 مصري البحر الأبيض المتوسط، وهو الطريق الأخطر في العالم بالنسبة لرحلات المهاجرين.

وسُجلت 1328 حالة وفاة أو فقدان من مختلف الجنسيات، وفقًا للوكالة الأوروبية لمراقبة حدود لاتحاد الأوروبي بهدف منع الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر (فرونتكس) والأمم المتحدة.

"الأموال مقابل ضمان التهريب"

ومن بين المهاجرين المواطن المصري حمدي إبراهيم، الذي غادر قريته في مصر على أمل الوصول إلى أوروبا، لكن عائلته تلقت بعد فترة وجيزة مكالمة مروِّعة من أحد المهربين في ليبيا مفادها "ادفعوا الآن وإلا سيموت ابنكم".

وطالب المهرّب عائلة حمدي بمبلغ 190 ألف جنيه مصري (نحو 3500 يورو) لضمان تهريب ابنهم عبر البحر في رحلات خطرة.

فُقد حمدي إبراهيم إثر غرق قارب قابلة سواحل جزيرة كريت اليونانية - غيتي

ويقول يوسف شقيق حمدي من قرية كفر عبد الله عزيزة في دلتا النيل بمحافظة الشرقية لوكالة فرانس برس: "أجبته بأننا لا نملك المال الكافي".

وأضاف: "أجابني المهرب: افعلوا مثل فعلت العائلات الأخرى. ادفعوا وإلا سيتم إلقائه في عرض البحر".

وغادر حمدي عائلته وبلده في نوفمبر/ تشرين الثاني، مع 12 شابًا آخرين من القرية، بعد أن تواصلوا مع مهربين في ليبيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد ذلك بوقت قصير، تلقت العائلات مكالمات هاتفية من أشخاص في ليبيا يهددونهم في حال عدم دفع الأموال لإطلاق سراح أبنائهم.

وقال عبد جودة (55 عامًا) الذي كان شقيقه محمد ضمن تلك المجموعة بأن المهربين أبلغوهم بأنه إذا لم يدفعوا الفدية، سيتم "ذبح أبنائهم أو تركهم في الجبال أو إلقائهم في عرض البحر".

وبعد أن أصابتهم حالة من اليأس، ضحى الأهالي بمدخراتهم الضئيلة واقترضوا المال، قبل أن يعلموا بعد بضعة أسابيع أن قاربًا غرق قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

وأسفر غرق القارب عن مقتل 17 شخصًا، بينهم ستة من أبناء القرية، وفقدان 15 آخرين، بينهم حمدي ومحمد.

دوافع الهجرة

وفي قرية عبد الله عزيزة، تنقل قنوات الرّي المتصدعة قطرات الماء إلى الحقول الجافة، فيما تتعثر العربات على الطرقات المتهالكة، وتنتشر المباني غير المكتملة بين قطع الأرض الخصبة القديمة حيث تعيش العائلات على التجارة الصغيرة أو العمل اليومي.

يسلك المصريون طرقًا خطرة من أجل الهجرة من بلدهم المنهك اقتصاديًا إلى أوروبا - غيتي

والتقت فرانس برس بأقارب المفقودين في أحد منازل القرية، حيث كان السكان يعرضون على مجموعات "واتساب" و"فيسبوك" على هواتفهم وجوهًا غير واضحة ومعلومات غير مؤكدة.

ويقول صيدلي القرية رفعت عبد الصمد (40 عامًا) إن "نصف شبابنا يفكرون في الهجرة غير النظامية".

وأدى انخفاض قيمة العملة والتضخم إلى تدمير الأسر المصرية التي كانت تعيش في الأصل في ظل ظروف اقتصادية غير مستقرة، ما أدى إلى تفاقم آفاق المستقبل في بلد نصف سكانه دون 30 عامًا.

ومنذ 2022، فقد الجنيه المصري أكثر من ثلثي قيمته، وزاد سعر الخبز ثلاث مرات، وسعر الوقود أربع مرات.

وفي تلك السنة، كان المصريون من بين أكبر المجموعات التي اندفعت نحو الهجرة غير النظامية، حيث سجلت الأمم المتحدة وصول أكثر من 21 ألف مهاجر مصري إلى سواحل أوروبا.

يأس وانهيار اقتصادي

وفي حديثه لوكالة فرانس برس، يوضح نائب مدير معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط (تي آي إم إي بي" تيموثي كلدس أن "اليأس والانهيار الاقتصادي يلعبان دورًا حاسمًا".

ويؤكد شقيق حمدي بأنه كان يعمل سباكًا، ويكسب نحو 500 جنيه مصري (10 دولارات) في الأسبوع، لذلك "كان يريد تحسين مستوى معيشتنا"، ودائمًا ما "كان يكرر القول: أريد مساعدتك في تزويج أختنا".

وبحسب المدير التنفيذي لمنصة "اللاجئون المصريون" نور خليل، فإنه منذ أن شددت مصر في 2016 الرقابة على سواحلها، يغادر المهاجرون من الغرب عبر ليبيا بعد عبور الصحراء في حافلات أو شاحنات صغيرة في رحلات تعد "أكثر خطورة".

وتفيد منظمة الإغاثة "إس أو إس ميديتيرانيه" أن الناجين يؤكدون تعرضهم "لاعتقالات تعسفية وتعذيب واغتصاب واستعباد جنسي وحرمان من الطعام وأعمال قسرية".

وفي 2024، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقية للتنمية الاقتصادية بقيمة 7.4 مليار يورو مع مصر للحد من تدفق المهاجرين. لكن كلدس يقول إنه لكي يكون للرقابة على الحدود معنى، "يجب أن يشعر الناس بالأمان في وطنهم".

ويؤكد خليل أنه في جميع أنحاء مصر، صارت الهجرة تمثل "هدفًا"، حتى بين الخريجين. "أولئك الذين يمكنهم المغادرة بشكل قانوني يفعلون ذلك، أما الباقون فيضطرون إلى اللجوء للطرق غير الشرعية، حتى لو كانت الرحلة تنطوي على مخاطر شديدة".

"سأفعل ذلك مرة أخرى"

وفي قرية كفر مصطفى أفندي، وهي قرية أخرى في محافظة الشرقية، ما زالت العائلات تبكي أبناءها الذين قضى العشرات منهم إثر غرق سفينة الصيد المتهالكة أدريانا قبالة سواحل اليونان في يونيو/ حزيران 2023.

ومن بين نحو 750 راكبًا كانوا على متن السفينة، نجا 104 فقط، وفق الأمم المتحدة. وهناك دعاوى قضائية ضد خفر السواحل اليوناني بتهمة الإهمال.

وكان إسلام وسيّد، وهما أبناء عم يبلغان من العمر 18 عامًا، على متن ذلك الرحلة. وجمعت عائلتاهما 140 ألف جنيه (2500 يورو) للمهربين، حسبما أفاد ابن عمهما عبد الله غانم وكالة فرانس برس.

ويقول عبد الله: إنه "في ذلك الوقت، كان الناس يستقلون الحافلات الصغيرة إلى ليبيا بنفس السهولة التي يستقلونها للذهاب إلى أي مدينة مصرية أخرى".

ومع ذلك ورغم المخاطر ينجح البعض في الوصول إلى الضفة الأخرى مثل حسن درويش، العامل الذي يبلغ من العمر 24 عامًا، والذي غادر الشرقية في 2023، بعد أن "ضاقت في وجهه الدنيا".

ويعيش حسن اليوم في روما، ويقول إنه يكسب نحو 580 يورو شهريًا، ويوفر بذلك احتياجات والدته وشقيقه المريض، وهو ما "لم يكن ممكنًا أبدا في مصر".

ويقول حسن لوكالة فرانس برس: "لقد قاسيت الأهوال. ولكنني رغم ذلك على استعداد لأن أفعل ذلك مرة أخرى".

المصادر:
أ ف ب
شارك القصة