مساء يوم الثلاثاء، الرابع من أغسطس/ آب 2020، كانت العاصمة اللبنانية بيروت على موعد مع واحدة من أسوأ الكوارث في تاريخها، فقد دوّى فيها انفجار ضخم يُعد من بين أضخم الانفجارات غير النووية التي شهدها العالم.
كانت البداية في نحو السادسة مساءً، حين اندلع حريق في أحد عنابر مرفأ بيروت، وما هي إلا دقائق حتى دوّى انفجار هائل هزّ العاصمة بأسرها، وألحق دمارًا واسعًا في المرفأ والأحياء المجاورة له، وأودى بحياة أكثر من 220 شخصًا، وتسبب في إصابة 6500 آخرين.
وبعد ساعات قليلة على وقوعه، عزت السلطات الانفجار إلى 2750 طنًا من مادة نيترات الأمونيوم كانت مخزّنة بشكل عشوائي في العنبر ذاته منذ عام 2014. وتبيّن لاحقًا، من خلال مستندات وتقارير أمنية، أن عددًا كبيرًا من المسؤولين الأمنيين والإداريين والسياسيين كانوا على علم بوجود هذه المواد، لكنهم لم يتحركوا لإزالتها أو تأمينها.
طارق البيطار: شاب من خارج "النادي السياسي"
منذ اللحظات الأولى، طالب أهالي الضحايا والرأي العام اللبناني والدولي بتحقيق شفاف ومستقل لكشف أسباب الكارثة ومحاسبة المسؤولين عنها. وبسبب انعدام الثقة بالقضاء اللبناني، برزت دعوات لتشكيل لجنة تحقيق دولية أو عربية، إلا أن السلطات اللبنانية رفضت هذا المسار، وأصرّت على التحقيق المحلي.
غير أن التحقيق سرعان ما غرق في الفوضى السياسية التي تميّز أداء النخب اللبنانية، إذ نجحت الضغوط والتجاذبات في تنحية القاضي فادي صوّان، أول محقق عدلي كُلّف بالملف، بعد أن ادّعى على سياسيين مقربين من قوى نافذة. وفي 19 فبراير/ شباط 2021، تولّى القاضي طارق البيطار المهمة، وتحول سريعًا إلى كابوس للطبقة السياسية اللبنانية.
والبيطار شاب عنيد، قليل الابتسام، يتجنّب الظهور في المناسبات العامة أو المشاركة في الحفلات السياسية، وفق المقربين منه. وباستثناء الأوساط القضائية، لم يكن معروفًا على الإطلاق، إلى درجة أن المؤسسات السياسية الكبرى ووسائل الإعلام واجهت صعوبة بالغة في إيجاد أي صورة له عند تعيينه في القضية.
تعهّد رئاسي ومؤازرة مستجدة
في الذكرى الخامسة للانفجار، تعهّد الرئيس اللبناني جوزيف عون بتحقيق العدالة للضحايا، مؤكدًا أن "الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، ملتزمة بكشف الحقيقة كاملة، مهما كانت المعوّقات ومهما علت المناصب".
واعتبر عون أن "العدالة لا تعرف الاستثناءات، والقانون يطال الجميع من دون تمييز"، مضيفًا: "دماء أحبائكم لن تذهب سدى، وآلامكم لن تبقى بلا جواب. العدالة قادمة، والحساب آتٍ".
وخاطب عون عائلات الضحايا بالقول "دماء أحبائكم لن تذهب سدى، وآلامكم لن تبقى بلا جواب. العدالة قادمة، والحساب آت".
وقد تلقّى البيطار دفعة قوية مع وصول عون إلى قصر بعبدا في يناير/ كانون الثاني الماضي، وتكليف نواف سلام برئاسة الحكومة، بعد تغييرات عاصفة في المشهد السياسي كان أبرزها خروج حزب الله من معادلات القوة والنفوذ التي كان يتمتع بها، بعد العدوان الإسرائيلي الأخير الذي دمّر بنيته العسكرية واغتال أبرز قادته.
واستأنف البيطار تحقيقاته مطلع العام الجاري، ووفقًا لمصادر قضائية، فقد أنهى فعليًا استجواب جميع المدعى عليهم من سياسيين وقادة عسكريين وأمنيين، في مقدّمتهم رئيس الوزراء السابق حسان دياب، في حين امتنع، بحسب المصادر، أربعة مسؤولين سابقين عن المثول أمامه، هم ثلاثة وزراء سابقين، أحدهم نائب حالي، إضافة إلى النائب العام التمييزي السابق غسان عويدات.
وينتظر البيطار، وفقًا للمصدر ذاته، "استكمال بعض الإجراءات لختم التحقيق وإحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها بالأساس، تمهيدًا لإصدار القرار الظني".
ويمثّل ذلك بالنسبة للبيطار انتصارًا للعدالة، وردّ اعتبار شخصيًا له بعد سنوات من العواصف التي واجهها، وتعرّضه لحملات تشويه، ورفع عشرات الدعاوى ضده، وصولاً إلى خروج مظاهرات تطالب بسحب الملف من يده.
البيطار.. المحارب العنيد
وُلد طارق البيطار عام 1974 في قرية عيدمون في منطقة عكار شمالي لبنان. درس القانون في الجامعة اللبنانية، وبدأ مسيرته المهنية في شمال البلاد، قبل أن يترأس محكمة جنايات بيروت.
وقد عُرف البيطار بعناده ونزاهته، وتولّى قضايا معقّدة أثبت فيهما هاتين الصفتين، أبرزها قضية الطفلة إيلا طنوس التي أثارت ضجة في البلاد، حيث أصدر عام 2020 حكمًا بإدانة مستشفيين خاصين وطبيبين، وفرض عليهم دفع تعويضات مالية ضخمة لعائلة الطفلة، التي أدّى خطأ طبي إلى بتر أطرافها الأربعة.
ومنذ توليه ملف انفجار المرفأ، وُضع عناده ونزاهته في اختبار جديد، فواجه اعتراضات سياسية شديدة، أبرزها من حزب الله، الذي اتّهمه بـ"تسييس" الملف، وطالب بتنحيه. ورفع مدعى عليهم عشرات الدعاوى لكفّ يده، ما أدى إلى تعليق التحقيقات أربع مرّات حتى ديسمبر/ كانون الأول 2021.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، تظاهر العشرات من مناصري حزب الله وحركة أمل مطالبين بتنحية البيطار، وأحرقوا صوره، واتهموه بالعمالة لصالح الولايات المتحدة، وتطوّر الأمر إلى اشتباكات في منطقة الطيونة أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص.
وقبل تعليق التحقيق للمرة الأخيرة عام 2023، نشرت وسائل إعلام محلية رسالة شديدة اللهجة تتضمن تهديدًا مبطنًا، قيل إن مسؤولًا رفيعًا في الحزب وجّهها للبيطار مهددًا بإزاحته من منصبه.
لكن البيطار، الذي يوصف بالهادئ للغاية، بقي ثابتًا في موقفه، ورفض التخلي عن الملف لأي قاضٍ آخر، خشية العبث به أو تكييفه سياسيًا. وبالرغم من الضغوط، استعان بحماية عسكرية في تنقلاته، وتمسّك بمتابعة التحقيق حتى النهاية.
ويؤكد مقربون منه أن مصدر قوته يكمن في كونه غير مرتبط بأي تيار سياسي أو طائفة، ولا يُحسب على أي حزب، ما جعله عصيًّا على الضغوط السياسية والتدخلات.
انتقادات حقوقية دولية
في الذكرى الخامسة للكارثة، أصدرت منظمتا "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" بيانًا مشتركًا، اعتبرتا فيه أن السلطات اللبنانية لم تكشف حتى الآن الحقيقة، ولم تحقّق العدالة لعائلات الضحايا، داعيتين إلى "تحقيق شامل بدون عراقيل، يحدّد التسلسل الكامل للمسؤولية".
وأشار البيان إلى ما وصفه بـ"تقاعس السلطات اللبنانية عن استكمال تحقيق فعّال ومستقل ونزيه في الانفجار"، رغم الدعوات المتكررة محليًا ودوليًا إلى المحاسبة.
وأضافت المنظمتان أن استئناف التحقيق المحلي عام 2025، بعد توقف دام عامين، لم يُسفر عن نتائج حاسمة بعد، وقد شابته "عرقلة وتدخل متماديان من جانب الزعماء السياسيين والمسؤولين في الدولة المصممين على التملّص من العدالة". واعتبر البيان أن الغياب المطوّل للمساءلة يُشكّل عبئًا لا يُطاق بالنسبة لأسر الضحايا.
وزراء ومسؤولون تحت الشبهات
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد زار بيروت في السادس من أغسطس/آب 2020، بعد يومين على الانفجار، ودعا من هناك إلى إجراء تحقيق دولي، إلا أن السلطات اللبنانية رفضت ذلك.
كما تظاهر آلاف اللبنانيين في الثامن من الشهر نفسه ضد المسؤولين السياسيين بعدما حمّلوهم مسؤولية المأساة، وإثر ذلك أعلن عدد من الوزراء استقالاتهم، كما أعلن رئيس الوزراء حينها حسان دياب في العاشر من آب/أغسطس استقالة حكومته.
وفي الثامن من الشهر ذاته، خرج آلاف اللبنانيين إلى الشوارع في تظاهرات غاضبة ضد السياسيين الذين حمّلوهم مسؤولية المأساة، وأعقبت ذلك استقالات وزراء، ثم استقالة حكومة حسان دياب في العاشر من أغسطس/آب.
وفي اليوم نفسه، ادّعى المحقق العدلي فادي صوّان على دياب وثلاثة وزراء سابقين بتهمة "الإهمال والتقصير والتسبب بوفاة وجرح مئات الأشخاص"، لكن سرعان ما تمت تنحيته في 18 فبراير/ شباط 2021، ليُعيّن القاضي طارق البيطار خلفًا له.
وفي عهد البيطار، امتنع البرلمان عن رفع الحصانة عن نواب شغلوا مناصب وزارية، ورفضت وزارة الداخلية السماح له باستجواب قادة أمنيين، كما امتنعت قوى الأمن عن تنفيذ مذكرات توقيف صدرت عنه.
ومن بين من ادّعى عليهم البيطار: رئيس الحكومة السابق حسان دياب، ووزيرا الأشغال السابقان يوسف فنيانوس وغازي زعيتر، ووزير المالية السابق علي حسن خليل.
استهداف البيطار وتعليق تحقيقاته
أثارت تحقيقات البيطار حفيظة الطبقة السياسية، إذ تجاوزت خطوطها الحمراء، وبلغ التصعيد ذروته حين ندد الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصر الله، في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، بما وصفه بـ"الاستنسابية" في عمل البيطار، مطالبًا بقاضٍ "صادق وشفاف" يتولى التحقيق.
وبعد أيام فقط، خرجت مظاهرة في محلة الطيونة نظمها مناصرو حزب الله وحركة أمل ضد القاضي البيطار، شهدت إطلاق نار أسفر عن سقوط سبعة قتلى.
وفي ظل هذه الأجواء، تم تعليق التحقيق في القضية أربع مرّات، نتيجة دعاوى "كفّ يد" قُدّمت ضد البيطار، كان آخرها في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2021.
وبعد مرور 13 شهرًا على تعليق التحقيق، استأنف القاضي طارق البيطار التحقيق في يناير/ كانون الثاني 2023 بشكل مفاجئ، وقرّر الادعاء على ثمانية أشخاص جدد في القضية، بينهم النائب العام التمييزي غسان عويدات، والمدير العام للأمن العام عباس إبراهيم، الذي يرتبط بعلاقات جيدة مع حزب الله، ومدير جهاز أمن الدولة طوني صليبا المقرّب من الرئيس السابق ميشال عون.
لكن محاولة البيطار هذه لم تكلّل بالنجاح، إذ في اليوم التالي لإصداره قرار استدعاء هؤلاء، أعلن النائب العام التمييزي عويدات رفضه لكل قرارات البيطار، وادّعى عليه "على خلفية التمرد على القضاء واغتصاب السلطة"، وأصدر قرارًا بمنع سفره، كما قرّر إطلاق سراح جميع الموقوفين في القضية.
ومع انتخاب قائد الجيش السابق جوزيف عون رئيسًا جديدًا للبلاد في يناير/كانون الثاني الماضي وتشكيل حكومة جديدة، وتغيّر معادلات القوة والنفوذ في لبنان، يعود القاضي طارق البيطار، المعروف بعناده ونزاهته وعدم اكتراثه بالأثمان التي قد يدفعها، إلى صدارة المشهد، ويظل هاجسه تحقيق العدالة للضحايا.