السبت 24 كانون الثاني / يناير 2026
Close

"طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة": تحوّلات البراغماتية وحسابات الحكم

"طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة": تحوّلات البراغماتية وحسابات الحكم محدث 08 كانون الأول 2025

شارك القصة

مقاتلو هيئة تحرير الشام يسيرون في ساحة الأمويين بدمشق بعد سقوط نظام الأسد في لحظة تعكس بداية فصل جديد من السلطة - غيتي
مقاتلو هيئة تحرير الشام يسيرون في ساحة الأمويين بدمشق بعد سقوط نظام الأسد في لحظة تعكس بداية فصل جديد من السلطة - غيتي
الخط
تحوّلت هيئة تحرير الشام من تنظيم جهادي إلى سلطة حاكمة في سوريا بعد سقوط الأسد، مستفيدة من البراغماتية والتحالفات المحلية والتفاهمات مع قوى خارجية.

في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وقبل أيام من سقوط نظام بشار الأسد وفراره، وصف أحمد الشرع عمليات هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها بـ"البليتزكريغ" (ترجمتها الحرفية "حرب البرق"، وهو مصطلح ألماني من الحرب العالمية الثانية)، أو الحرب الخاطفة.

لم يكن الشرع والمحيطون به يتوقعون السرعة التي تهاوى فيها النظام السوري، وفق ما أكّده وزير دفاعه مرهف أبو قصرة أيضًا، لكاتبي كتاب "تحوّل بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا" (دار هيرست، 320 صفحة)، اللذين التقيا الشرع والمقرّبين منه في تلك الأيام المفصلية التي سبقت سقوط دمشق.

لحظة تاريخية.. إعلان سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في 8 ديسمبر 2024 - من أرشيف التلفزيون العربي

الكتاب، الصادر في صيف 2025، هو نتيجة عمل بحثي استمر 5 سنوات للباحثَين باتريك هيني (باحث في العلوم السياسية) وجيروم دريفون (خبير في الحركات الجهادية). خلال هذه السنوات، قاما بعشرات الزيارات إلى شمال سوريا، التقيا فيها بالشرع وقيادات الهيئة والمعارضين لها، وعائلات من إدلب، ومسؤولين في حركات إسلامية مناوئة لها.

كان الهدف من هذا الجهد البحثي الواسع فهم كيف تحوّلت جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام، ورصد التحوّلات التي خاضتها الحركة بعد المراجعات الفكرية والأيديولوجية للشرع ومريديه في تنظيم "الدولة" (المعروف إعلاميًا بـ"داعش"). لكنّ عملية "ردع العدوان"، التي تزامنت مع وضع اللمسات الأخيرة على الكتاب، أجّلت صدوره بعض الوقت، وفرضت إضافة فصل جديد وإدخال تعديلات من هنا وهناك على بعض الأجزاء، ليتلاءم مع الواقع الجديد في دمشق.

أحمد الشرع: شخصية محورية لا الفاعل الأساسي

قد يكون أحمد الشرع شخصية محورية في الكتاب، لكنه ليس الفاعل الأساسي، خصوصًا في نظر الكاتبين اللذين يرتكز عملهما على العامل المجتمعي ومركزيته في التحوّلات من النصرة إلى الهيئة. ويربط الرجلان نجاح عملية "ردع العدوان" بذلك التحوّل الأيديولوجي الذي مكّن الحركة من عقد تحالفات مناطقية، وترسيخ شرعية محلية لها، ونسج روابط دولية أساسية.

لا يغوص الكتاب في تفاصيل العمليات العسكرية، بل يعالج بعمق التحوّلات الأيديولوجية التي مرّت بها الحركة، ويرى أنها تجلّت في أربعة أشكال: الواقع السياسي، والتحوّل الذي لا عودة عنه، والتحوّل الموجَّه، وأخيرًا التحوّل الثابت. غير أنّ النظرية الأبرز التي يرتكز عليها الباحثان هي "ردّة الفعل الترميدورية"، وهو مصطلح يحبّذه الباحثون في الحركات الثورية، إذ يشير إلى انقلاب الثورة الفرنسية على نفسها بعد 5 سنوات على نجاحها في التخلص من الملكية، عندما أعدم ثوريون قائدهم روبسبيير والمقرّبين منه، لإنهاء ما يسمى تاريخيًا "عهد الإرهاب" (في شهر ترميدور، وهو شهر فرنسي قديم في فصل الصيف يتقاطع مع نهاية شهر يوليو/ تموز).

وبات هذا المصطلح يعني، ضمن ما يعنيه، مواجهة القوى الثورية للواقع السياسي، ومساومتها على مبادئها ووعودها الأصلية، بعد اصطدامها بعدم تَقبّل المجتمع لكل طروحاتها، وإصرار هذا المجتمع على حالة من القصور الذاتي الاجتماعي، وتمسّكه بالوضع الموروث من دون رغبة كبيرة في التغيير، إذا أردنا استعارة مصطلح من علم الفيزياء.

قد يكون أحمد الشرع شخصية محورية في الكتاب، لكنه ليس الفاعل الأساسي في نظر الكاتبين - غيتي
قد يكون أحمد الشرع شخصية محورية في الكتاب، لكنه ليس الفاعل الأساسي في نظر الكاتبين - غيتي
قد يكون أحمد الشرع شخصية محورية في الكتاب، لكنه ليس الفاعل الأساسي في نظر الكاتبين - غيتي

ترميدور سوري: تأقلم لا يعني نهاية الثورة

اللحظة الترميدورية لا تعني انتهاء الحالة الثورية، بل تعني تأقلمها. وفي الحالة السورية، تتقاطع مع الطموح التوسّعي العسكري، واصطدام أيديولوجيا الجبهة بالواقع على الأرض، والضغوط التي أدّت إلى قطع علاقتها مع تنظيم القاعدة، وتحوّلها إلى هيئة تحرير الشام، وفق ما يراه الباحثان. ويعتبران أنّ العامل الأهم في هذا التحوّل هو تجربة الحكم الفعلي التي مارستها الهيئة في إدلب، واضطرارها إلى توكيل جزء من هذا الحكم إلى فاعلين محليين ومنظمات دولية (في التعليم والصحة وغيرها من القطاعات التي لم يكن بإمكانها إدارتها أو تحمّل كلفتها)، وترقية جيل جديد داخلها، أغلبه من التكنوقراط، لإدارة شؤون السكان، وأخيرًا التأقلم مع المصالح الاستراتيجية التركية، وأهمها علاقة أنقرة بروسيا.

📦 ما هي اللحظة الترميدورية؟

  • مصطلح من الثورة الفرنسية يشير إلى انقلاب الداخل على أكثر مراحله تطرفًا، والانتقال إلى تسوية أقل راديكالية.
  • سُمّي نسبة إلى شهر "ترميدور" في التقويم الثوري الفرنسي (يوليو/ تموز – أغسطس/ آب).
  • يستخدم الباحثان المفهوم لوصف انتقال الهيئة من خط الجهاد العالمي إلى براغماتية الحكم المحلي.

يراجع الكتاب كيف أنّ الهيئة، وبعد قطع كل العلاقات مع القاعدة وتهميش المتشدّدين داخلها، عمدت إلى النأي بنفسها عن السلفية الجهادية. هذا الأمر أسهم في إعادة تعريفها لدور الإسلام كدين في الحكم، عبر اعتماد مقاربة مبنية على الشريعة بدل فرض أسلمة على المجتمع، وذلك بهدف شرعنة حكمها والسيطرة على الفتاوى ومضامينها، وفق ما يورد الباحثان.

ويحاجج الكتاب بأنّ المقاربة الترميدورية تقف وراء تغيّر علاقة الهيئة بالأقليات في إدلب وانفتاحها النسبي عليها، كما تقف وراء تبدّل أسلوبها في التعامل مع الأغلبية المسلمة. فالهيئة كانت تسعى إلى الهيمنة، وإلى ترسيخ صورتها بوصفها فاعلًا وطنيًا يريد بناء دولة. وقد تطوّرت سلطويتها بين عامَي 2016 و2024، واستطاعت إعادة تبنّي الثورة، لا بل احتكارها، وفي الوقت نفسه خفّفت تدريجيًا من استخدام القوة ضد الناشطين الذين لا يوالونها.

حتى ردّة فعلها على تظاهرات عام 2024 كانت مدروسة، وجعلتها أقرب إلى الأنظمة السلطوية في العالم العربي (التي تسمح بهوامش محدودة من المعارضة ضدها)، وصولًا إلى ذروة التحوّل برفضها بعض المطالب الشعبية بإنشاء شرطة شبيهة بـ"الحسبة" أو "الأمر بالمعروف".

الاقتصاد الاستهلاكي والنسيج المجتمعي في سوريا الجديدة

جزء أساسي من التحوّل، وفق الباحثين، يقف وراءه العامل الاقتصادي، والانفتاح على النمط الاستهلاكي الذي ترغب به الفئة السائدة والأكبر في المجتمع: مجمّعات تجارية، مقاهٍ، ومطاعم فيها قدر محدود من الاختلاط يتقبّله المجتمع. لم يكن بإمكان الهيئة أن ترفض هذه المتطلبات؛ إذ دخل كثير من رجالاتها في شراكات تجارية محلية، تحوّلت عبرها الهيئة إلى صاحبة مصلحة مباشرة في نجاح هذه المشاريع.

يحاول كتاب "تحوّل بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا" رصد التحولات التي خاضتها الحركة
يحاول كتاب "تحوّل بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا" رصد التحولات التي خاضتها الحركة

في المقابل، يرى الكاتبان أنّ الهيئة كانت مضطرة إلى مواجهة حقيقة ساطعة: الفصائل المختلفة على الأرض، والتي انضمّت إليها، جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي السوري، الذي كان تاريخيًا ميّالًا إلى الأشعرية والصوفية. فالمقاتلون الذين يشكّلون عديدها يحملون هويات مختلفة، وأغلبهم لديهم علاقات محلية قوية لم يكن ممكنًا تجاوزها أو تهميشها. وبالتالي لم يكن واردًا أن تفرض الهيئة سلطتها على المجتمعات المحلية من دون الإضرار بموقعها ومركزها بوصفها القوة الأبرز المناهضة للنظام.

يخلص الباحثان إلى أنّ الهيئة تخلّت عن تشدّدها وراديكاليتها عبر البراغماتية وهي في موقع قوة، خلافًا لحركات متشددة مماثلة اضطرت إلى ذلك في لحظات ضعف. ويعتقدان أنّه لا يمكن مقارنة مسارها بحركات إسلامية مشابهة، وأنّ المقارنة الأنسب هي مع اليمين المتطرف في أوروبا، الذي خاض عملية تحوّل انتهت بانضمامه إلى متن المشهد السياسي بدل البقاء على هامشه (كما في فرنسا وإيطاليا). ومع ذلك، لا يخفيان أنّه من الأسهل تحديد ما ليست عليه الهيئة من الجزم بما تؤمن به وتضمره.

📦 محطات في تحوّل هيئة تحرير الشام

  • 2016: ترسيخ السيطرة على إدلب كمركز أساسي للهيئة.
  • 2017–2019: قطع العلاقة مع القاعدة وتهميش التيار الأكثر تشددًا.
  • 2020–2023: توسّع إدارة "حكومة الأمر الواقع" في الشمال، وتصاعد الدور التكنوقراطي.
  • 2024: عملية "ردع العدوان" والهجوم الخاطف الذي انتهى بسقوط نظام الأسد.
  • 2025: تثبيت موقع الهيئة كسلطة حاكمة في دمشق، مع استمرار الجدل حولها.

بين علم الاجتماع السياسي ودور القوى الخارجية

يرتكز الكتاب على مقابلات أجراها الباحثان في إدلب على فترات طويلة، مع الشرع نفسه والمقرّبين منه والمناوئين له. يروي الشرع لهما، مثلًا، كيف اتُّخذ قرار الانفصال عن "تنظيم الدولة" بسبب المنافسة على السيطرة على الأرض، والخلاف حول مقدار العنف الواجب استخدامه، وكذلك قراره إعلان الولاء للقاعدة خوفًا من فقدان مناصريه لحساب "تنظيم الدولة".

غير أنّ التركيز على علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع، وعلى اللحظة الترميدورية في الكتاب، يُفقده عنصرًا أساسيًا من دون شك:

أين هي القوى الأجنبية من التحوّل الذي يصفه البعض بـ"التاريخي" في مسار "الرئيس السوري المؤقت" من أبو محمد الجولاني إلى أحمد الشرع؟

المهتمون والمتابعون للشأن السوري سيسألون عن موقع تركيا وبريطانيا تحديدًا من كل هذه التحوّلات، خصوصًا في ظلّ الكم الكبير مما كُتب ونُشر عن دور أجهزة الاستخبارات في البلدين في تحضير الهيئة والشرع ليصبحا مقبولَين من المجتمع الدولي.

دريفون: تحوّل الهيئة نتاج قرارات داخلية لا إملاءات استخباراتية

يصرّ جيروم دريفون، في تصريحات خاصة لموقع التلفزيون العربي حول هذا الأمر، على أنّ أغلب التغييرات داخل الهيئة كانت نتيجة قرارات داخلية، بغضّ النظر عن الضغط الخارجي. ويضيف أنّه يعتقد أنّ دور تركيا وبريطانيا مبالَغ فيه، وأنه قبل عام 2019 كان الخلاف الأكبر بين الهيئة والفصائل المختلفة في المنطقة يدور حول دعم تركيا لهذه الفصائل:

عندما سيطرت الهيئة على إدلب، اكتشفت أنّ لا إمكان للاستمرار من دون تركيا ودعمها، خصوصًا أنّ أنقرة كانت لديها مصالح مماثلة لما تريده الهيئة. فتركيا كانت تريد أن تكون إدلب تحت سيطرة معارضة تحمي حدودها، كي لا تنشغل بمسألتي اللاجئين والحدود، أي إنّ هناك مصالح مشتركة بين الطرفين منذ عام 2019، وبدأ الطرفان بالتفاهم من دون أن يكونا حليفَين رسميين. وتوالت بعدها المشاورات، وتحديدًا بين رجال الاستخبارات والعسكر، من دون أن تضطر تركيا إلى إجبار الهيئة على تبنّي أفكار لم تكن ترغب فيها.

ماذا عن بريطانيا وما يُقال عن تحضيرها للشرع؟

يقول دريفون لموقع التلفزيون العربي إنّ وتيرة اللقاءات والاجتماعات بين الهيئة والبريطانيين لم تكن بالقدر الذي تحدّث عنه الإعلام. ويضيف أنّ الهيئة التقت بالكثيرين، من منظمات دولية ومراكز أبحاث (ومنها "مجموعة الأزمات الدولية" التي يعمل معها)، ولا يعتقد أنّ اللقاءات كانت بهدف تحضير الشرع ليقدّم وجهًا جديدًا مقبولًا من المجتمع الدولي.

ما خلص إليه من لقاءاته في إدلب في السنوات الماضية هو أنّ الهدف كان رغبة الهيئة في التواصل مع الدول الغربية لتوضيح موقفها من قضايا عدّة، والتأكيد على وجود مصالح مشتركة بينها وبين هذه الدول، مثل معارضة إيران وروسيا، وعدم رغبتها في تقويض أمن المنطقة، والتشديد على عدم إيمانها بـ"الجهاد المعولم".

ويشدد دريفون على أنه يعتقد، بعد كل هذه السنوات من الأبحاث والمقابلات الميدانية، أنّ الهيئة اتّخذت قراراتها بنفسها فعليًّا، ولم تكن بحاجة إلى "الغرباء" أو إلى البريطانيين ليملوا عليها ما يجب أن تفعله. ويضيف:

الشرع كان يمارس السياسة منذ أكثر من عقد، ومعظم من أحاط نفسه بهم كذلك، كما أنّ من مستشاري الهيئة كثيرين من السوريين الذين لديهم علاقات خارجية، وممّن عاشوا في الغرب سنوات. ولذلك، لم تكن الهيئة بحاجة إلى مستشارين أجانب لنصحها.

رواية بريطانية موازية: قنوات سرّية مع الشرع

هذا الكلام يناقض بالطبع ما كشفته صحيفة "ذا تلغراف" منذ بضعة أسابيع عن أنّ مستشار الأمن القومي البريطاني الحالي جوناثان باول كُلّف، منذ عام 2023، بالتواصل مع الشرع من قبل جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية، عبر مؤسسة خيرية كان يترأسها وتعمل في سوريا.

نافذة إخبارية تتناول الانفتاح الدولي على سوريا الجديدة بعد رفع بريطانيا هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية - من "الأخيرة"

وبحسب ما ورد في الصحيفة، فقد وجدوا له ثغرة في القانون تحميه من أي تداعيات قد تطاله بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

جهاز الاستخبارات كان يريد فتح قنوات مع هيئة تحرير الشام، وباول، الذي سبق أن عمل في حكومة توني بلير ولديه خبرة في ملف إيرلندا الشمالية الشائك، كان الخيار الأمثل، نظرًا إلى ما نسجه من علاقات في سوريا منذ عام 2012 عندما بدأت مؤسسته الخيرية العمل هناك.

وقبل مقال "التلغراف"، قال السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، في محاضرة ألقاها في مايو/ أيار 2025، إنّ منظمة بريطانية غير حكومية دبّرت له لقاءً مع الشرع في عام 2023، كي يقوم (أي فورد) بـ"سحب الشرع من عالم الإرهاب إلى السياسة العادية"، في إشارة على الأرجح إلى مؤسسة باول المذكورة في مقال "تلغراف".

من "الجهاد السوري" إلى الواقعية السياسية

"تحوّل بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا" ليس الكتاب الأول لهيني ودريفون حول "الجهاد السوري". فهيني متخصص في الحركات الاجتماعية والدول في الشرق الأوسط، ونفّذ الكثير من العمل الميداني في سوريا، أما دريفون فمجال بحثه "الجهاد" والصراعات الحديثة في "مجموعة الأزمات الدولية"، ولديه أيضًا خبرة ميدانية واسعة في سوريا. وقد نتج عن هذه الخبرة كتاب نشره في عام 2024 بعنوان "من الجهاد إلى السياسة: كيف تبنّى الجهاديون السوريون السياسة"، يركّز على مسار التحوّل لدى أحرار الشام وجبهة النصرة من العمل الجهادي المسلّح إلى العمل السياسي اليومي.

تحوّلت هيئة تحرير الشام من تنظيم جهادي عابر للحدود إلى سلطة حاكمة تُساوم على مبادئها تحت ضغط المجتمع. لكنّ الأهم في نظر هيني ودريفون أنّ التحوّل لم يفرضه الضعف، بل جاءت براغماتية الهيئة وهي في موقع قوة

ويأتي هذا الكتاب بعد بحث مشترك مع هيني صدر في عام 2022 بعنوان "كيف أضحى الجهاد العالمي محليًا مرة أخرى" حول الموضوع نفسه. وكان قد سبقهما الباحث الأميركي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى آرون زيلين إلى كتاب عن هيئة تحرير الشام صدر في عام 2022 بعنوان "عصر الجهاد السياسي: دراسة عن هيئة تحرير الشام"، يحضّ الغرب وأميركا على عدم الاستجابة للمطالب بسحب الهيئة من لوائح الإرهاب.

قد يكون مجحفًا بحق هيني ودريفون اعتبارهما مبهورَين بتجربة هيئة تحرير الشام وأحمد الشرع، لكنّ الكتاب، في تركيزه على العامل الاجتماعي والثوري النظري، يُغفل الكثير من الواقع. تركيز الكاتبين على تفسير الواقع والحاضر عبر نظريات علم الاجتماع والسياسة مفهوم، كونهما باحثَين وهذا صميم عملهما، إلى جانب الجهد البحثي الميداني عبر مقابلات ولقاءات أُجريت في شمال سوريا على مدى سنوات، نتج عنها كتابان. لكن هذا العمل، على أهميته، لا يكتمل ما لم تُوضع هذه النظريات في سياق قراءة سياسية تُدرجها في الواقع المعاش، وتنتقل، لتفسير ما يحصل، من النظرية الترميدورية إلى نظرية الواقعية السياسية (Realpolitik).


المراجع

 

  • كتاب "تحوّل بفعل الشعب: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا" (دار هيرست، 320 صفحة).
  • مقابلة خاصة مع جيروم دريفون لموقع "التلفزيون العربي".
  • مقال صحيفة "ذا تلغراف" البريطانية (نوفمبر/ تشرين الثاني 2025).
  • محاضرة روبرت فورد في مايو/ أيار 2025، منشورة على منصة Viory.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي