يطمح الشباب، أينما عاشوا، إلى تعليم جيد وعمل لائق وصحة مستقرة وصوت مسموع في القرارات التي تمس حياتهم.
ويصادف الثاني عشر من أغسطس/ آب اليوم الدولي للشباب، الذي يحمل هذا العام شعار "سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة"، في وقت لا يبدأ فيه الجميع من النقطة نفسها.
خط بداية ترسمه الخريطة
يحمل اليوم الدولي للشباب لعام 2026 شعار "سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة"، ويطرح سؤالًا يتجاوز الاحتفاء السنوي:
إذا كانت التطلعات متقاربة، فلماذا تتباعد فرص تحقيقها إلى هذا الحد؟
وتضع الأمم المتحدة هذا العام الشباب في الدول الأقل نموًا، والدول النامية غير الساحلية، والدول الجزرية الصغيرة النامية في قلب النقاش، لأن الموقع الجغرافي والموارد المتاحة قد يضاعفان كلفة التعليم والعمل والصحة والمشاركة العامة.
لا تعني الجغرافيا هنا خطوط الطول والعرض وحدها، بل شبكة من المسافات والبنية التحتية وحجم السوق والقدرة المالية للدولة ومدى تعرضها للصدمات.
حين تصبح المسافة جزءًا من الفرصة
في الدول النامية غير الساحلية، لا يوجد منفذ مباشر إلى البحر المفتوح، فتنتقل السلع عبر دولة أو أكثر قبل بلوغ الموانئ والأسواق. وتشير الأمم المتحدة إلى أن هذه الدول تتحمل تكاليف نقل مرتفعة بسبب موقعها وارتباطها بممرات العبور.
ولا يبقى هذا العبء في دفاتر التجارة؛ فهو يضغط على أسعار السلع وقدرة الشركات المحلية على المنافسة وحجم الاستثمار الذي يستطيع الاقتصاد جذبه.
بالنسبة إلى الشباب، قد يعني ذلك سوقًا أضيق ووظائف أقل تنوعًا. وقد يتخرج مهندس أو مصمم أو باحث في بلد يحتاج إلى مهاراته، لكن الشركات القادرة على تشغيله قليلة، والوصول إلى العملاء والتمويل أكثر كلفة. عندها تصبح الهجرة إلى العاصمة أو الخارج خيارًا أكثر إغراءً، فيما يفقد الإقليم جزءًا من الكفاءات القادرة على إنشاء فرص جديدة.
وتظهر المشكلة أيضًا داخل البلد الواحد. فالمسافة بين قرية ومدرسة، أو بين بلدة ومستشفى، أو بين إقليم ومركز تدريب، قد تحسم استمرار الشاب في التعليم قبل دخوله سوق العمل.
جزيرة صغيرة أمام مخاطر كبيرة
تواجه الدول الجزرية الصغيرة النامية معادلة مختلفة.
وتصف الأمم المتحدة هذه الاقتصادات بأنها شديدة التأثر بالصدمات بسبب صغر الحجم والتباعد الجغرافي وضيق القاعدة الإنتاجية والتعرض للكوارث وتغير المناخ.
وقد لا تتوافر بعض مسارات التعليم أو العمل المتخصص داخل الجزيرة، ما يدفع الشباب إلى الخارج.
وتتيح الهجرة دخلًا وخبرة وتحويلات مالية للأسر، لكنها قد تستنزف بعض القطاعات الحيوية من أصحاب المهارات التي تحتاج إليها المجتمعات الصغيرة.
ومع ذلك، لا تعني الجغرافيا عجزًا كاملًا. ففي جزر عدة، يقود الشباب مشروعات في الطاقة المتجددة والاقتصاد الأزرق والسياحة المستدامة والإنذار المبكر والخدمات الرقمية، مستفيدين من حلول تتناسب مع محدودية الموارد.
موارد أقل لعدد أكبر من الاحتياجات
تضم فئة الدول الأقل نموًا 44 بلدًا تواجه قيودًا بنيوية في الدخل والقدرات البشرية والقدرة على مقاومة الصدمات. وفي المنطقة العربية تشمل القائمة جزر القمر وجيبوتي وموريتانيا والصومال والسودان واليمن.
تظهر الفجوة منذ التعليم. وتفيد أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) بأن 272 مليون طفل وشاب كانوا خارج المدرسة وفق بيانات 2025، بينهم 130 مليونًا في سن المرحلة الثانوية العليا.
لا تفسر الجغرافيا الرقم كله، لكنها تؤثر في بناء المدارس وتوزيع المعلمين واستمرار الدراسة خلال النزاعات والكوارث، وفي قدرة الأسر على تحمل كلفة النقل والسكن والأجهزة.
وفي السودان واليمن والصومال، تتداخل محدودية الموارد مع النزاع والنزوح وتضرر الخدمات. فيتحول السؤال من اختيار الدراسة أو العمل إلى الحفاظ على المسار نفسه من الانقطاع.
الاتصال الرقمي لا يلغي أثر المكان
قد يبدو الإنترنت طريقًا مختصرًا يتجاوز الحدود: جامعة عن بعد، وظيفة مع شركة في بلد آخر، متجر يصل إلى زبائن بعيدين، أو مساحة للمشاركة العامة.
لكن المتوسط العالمي يخفي خريطة غير متساوية. وفي 2025 بلغ استخدام الإنترنت 85% في المناطق الحضرية عالميًا، مقابل 58% في المناطق الريفية.
سوق العمل لا يقرأ الشهادة وحدها
يكشف مؤشر الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب اتساع الفجوة بين الطموح والمسار المتاح. وقدرت منظمة العمل الدولية أن نحو 262 مليون شاب بين 15 و24 عامًا، أي قرابة واحد من كل أربعة، كانوا خارج التعليم والعمل والتدريب عام 2025. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بلغت النسبة 31.5% عام 2023، أي ما يقارب واحدًا من كل ثلاثة شباب.
ولا تعني هذه النسبة أن ربع الشباب لا يريدون العمل أو التعلم. تضم الفئة من توقف عن البحث بسبب غياب الفرص، ومن يتحمل مسؤوليات رعاية غير مدفوعة، ومن أعاقه المرض أو النزوح أو المواصلات أو ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة. لذلك يصبح سؤال "أين يعيش الشاب؟" مرتبطًا أيضًا بدخله ونوعه الاجتماعي ووضعه وظروفه، لا منفصلًا عنها.
الهجرة: بداية فردية أم خسارة للمكان؟
قد تنجح الهجرة في تصحيح تفاوت جغرافي لا يستطيع الشاب تغييره؛ فتفتح له جامعة أو سوقًا أوسع، وتمنح أسرته دخلًا وخبرة وشبكة علاقات.
لكن تحويلها إلى الحل الوحيد قد يترك المجتمعات الأبعد والأصغر في حلقة صعبة، إذا فقدت قطاعات الصحة والتعليم والهندسة بعض أصحاب المهارات التي تحتاج إليها.
كيف نقرّب خط البداية؟
يبدأ تقليص أثر الجغرافيا بربط السياسات التي تُدار عادة في ملفات منفصلة. فالطريق الآمن إلى المدرسة سياسة تعليم، والنقل الموثوق إلى المدينة سياسة عمل، والإنترنت الميسور أداة للتعليم والصحة والمشاركة أيضًا.
وينبغي أن تُبنى برامج المهارات حول اقتصاد قابل للنمو محليًا، مثل الزراعة الذكية مناخيًا والطاقة المتجددة والخدمات الصحية والتعليمية والصناعات الإبداعية والاقتصاد الأزرق والخدمات الرقمية القابلة للتصدير.
وتحتاج الحلول كذلك إلى إشراك الشباب في تحديد المشكلة؛ لأن صانع القرار في العاصمة قد لا يعرف أي رحلة تمنع طالبة من متابعة الجامعة، أو أي انقطاع يفسد عملًا مستقلًا، أو أي وثيقة تحول دون فتح مشروع.
الجغرافيا ليست قدرًا، لكنها ليست تفصيلًا يمكن تجاهله.
ويذكّر اليوم الدولي للشباب بأن تشابه الطموحات لا يبرر تقديم الوصفة نفسها للجميع؛ فالعدالة تبدأ بفهم الطريق المختلف إلى الهدف المشترك.