قال مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة، إن منافع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية لا تقتصر على ما يقدمه للباحثين والأدباء والكتّاب وحتى للمثقفين عمومًا، مؤكدًا أنه ثمّة فوائد جمة من نصيب الكافة.
كلام بشارة جاء خلال حفل اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في مدينة لوسيل، وذلك بعد اكتمال إعداده الذي انطلق قبل 13 عامًا، وأنتج مشروعًا لغويًا عربيًا ضخمًا وغير مسبوق في مجاله.
والحفل الذي حضره أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني شكل تتويجًا لمسار بحثي شارك فيه عشرات الباحثين والمتخصصين والخبراء، بعدما كان المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قد أطلق مشروع بناء معجم تاريخيّ للغة العربيّة في الخامس والعشرين من شهر مايو/ أيار 2013.
وفي كلمته، لفت الدكتور عزمي بشارة إلى أن الباحثين المشاركين هم من أكثر من خمس عشرة دولة عربية، وقد أتيح لهم الإسهام في مشروع نهضوي تنويري، حيث تكاملت خبراتهم وترافدت أيديهم في إنجازه.
وعن تسميته بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، قال إنها عاصمةُ الدولة التي قامت قيادتها بأوَد هذا المشروع طوال ثلاثة عشر عامًا.
وأردف أن المجلس العلمي والخبراء في المعجم أجمعوا على تسميته "معجم الدوحة" اعترافًا بفضل هذا الاحتضان الواعي.
وأشار بشارة إلى أن الاشتغال على تعقب معاني الألفاظ العربية، اقتضى "التورط" في مشروع آخر لجمع مدونة اللغة العربية والدخول في "درب وعر لم يسبق أن سار عليه أحد من قبل".
وشرح أن الحفل لا يعلن كمال المشروع "بل اكتمال مشروع تأليفه فحسب"، في حين يبقى العمل مفتوحًا للتصويب والتطوير والتحديث المستمر.
كلمة الدكتور عزمي بشارة في حفل معجم الدوحة التاريخي للغة العربية
فيما يلي نص الكلمة التي ألقاها الدكتور عزمي بشارة مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات:
ها نحن قد وفّينا بوعدنا، وأوفينا بعهدنا بتأليف معجم تاريخي للغة العربية؛ يتابع تطوّر دلالات ألفاظها منذ ظهورها مكتوبة حتى عصرنا هذا. ووفقًا لما ينسب إلى الفضل بن سهل: "الأمور بتمامها، والأعمال بخواتيمها، والصنائع باستدامتها". وبما أنّ محيط لغتنا شاسع مترامي الأطراف، ولأن التاريخ لا يقف عند حد، فإن استدامةَ هذه الصناعة محسومة سلفًا، وفي البال مهمات عديدة بانتظارها لن أشغلكم بتفاصيلها.
لقد درجنا على تفسير معنى المعجم التاريخي للمتسائلين بتمييزه من غيره من المعاجم في أنه يرصد تطوّرَ معاني الألفاظ في المراحل الزمنية المختلفة من خلال تعقبها في السياقات. وهي الميزة التي اقتضت التورط في مشروعٍ آخر، وهو جمع ما وصلت إليه أيدينا من مدوّنة اللغة العربية، ورقنُه، وتنقيتُه من الشوائب والأخطاء، ورقمنتُه، ثمّ البحث عن كل لفظ في سياقاته، وإيراد أقدم شاهد مؤرخ على كل معنًى للفظ.
ولم يسبق أن سار على هذا الدرب الوعر أحد من قبل، فكان علينا أن نشق الطريق ونمهد السبيل. نقول ذلك بتواضع العلماء النافر من استخدام عبارات مثل "أول من...". ولا يخفى عليكم أن عراقة اللغة العربية تعني في مراحل زمنية حاسمة من تاريخها قصوَّ التدوين قرونًا عن السياقات. وعلى كل حال، نجم عن هذا الجهد عَرَضٌ من أعراض معجمنا وثمرة من ثمراته، هي مدوّنة ضخمة ودودة لمحرِّكات البحث.
إن صناعة المدونة اللغوية الجديدة والمُنسّقة خصيصًا للمعجم هي إنجاز ضخم ستكون له آثار أخرى، ليس في خدمة أبحاث علميّة وثقافيّة فحسب، بل أيضًا في تطوير التطبيقات العربية لعلم الحاسوب، وما يسمى الذكاء الاصطناعي
ما المغزى من توفير معجم تاريخي للغة العربية؟ الرّد المنطقي والمباشر النابع من خصوصية المشروع هو الحاجة الملحّة إليه لفهم نصوص العربية، وذلك من خلال فهم معاني الألفاظ في زمن استخدامها وسياقاتها، وليس بإسقاط معانيها في العصر الحاضر عليها.
لقد كان غياب هذه الأداة مصدر حسرة كبيرة في نفوس الباحثين العرب وغير العرب. فلغات أقل عراقة واتساعًا، وأنقص طولًا وعرضًا من اللغة العربية تمتلك معاجم تاريخية منذ القرن التاسع عشر أو النصف الأول من القرن العشرين.
لا تقتصر منافع هذا القاموس الفريد (التي بدأنا نلمسها) على ما يقدمه للباحثين والأدباء والكتّاب وحتى للمثقفين عمومًا. فثمّة فوائد جمة من نصيب الكافة؛ إذ تتغلغل فوائد اكتشاف سيرة حياة اللغة في الثقافة عمومًا، وتتجلى مع الوقت، مثلما بانت الأهمية الحضارية للمعاجم الفرنسية والإنكليزية والألمانية وغيرها؛ وتبدأ بإظهار ثراء اللغة العربية وحيويتها وقدرتها التوليديّة التي أثبتتها حين كانت لغة حضارة مهيمنة ولغة الفكر والعلوم، ولا تنتهي بالاستظهار بهذه المزايا والمقدرات على افتراءاتٍ عن جمود اللغة العربية يدحضها هذا المعجم؛ مثلما يفند مزاعم متهافتةً على غرار الادّعاء بوجود عائق يحول دون تطوّرها وتدريسها للنشء وهو الهوّة بينها وبين اللهجات العربية الدارجة.
فمعجمنا يبيّنُ أنّ غالبية مفردات اللهجات الدارجة العربية عمومًا فصيحة الأصل، وأنّ الفجوة بين ما يسمى العامية والفصحى في لغتنا أضيق من تلك الموجودة في العديد من اللغات المعاصرة.
يحتاج المرء إلى وقت طويل من أجل شرح فضائل ومنافع هذا الصرح الحضاري؛ أعني معجم الدوحة التاريخي للغة العربية. ونحن لا نعلن اليوم كمالَه، بل نعلن اكتمال مشروع تأليفه فحسب، فهو يظل ناقصًا مثل أعمال البشر كافة؛ ما يجعله بحاجة إلى تصويب وتطوير وتحديث مستمر. ولن نَعدَم الهمم القادرة على تأدية هذه المهمة إن شاء الله.
قال الشاعر واصفًا الارتياح الذي يعقب تحقيق الهدف المنشود:
كأنَكَ لم تَنْصَبْ ولم تَلْقَ شِدَّةً.. إذا أنت أدْركتَ الذي كُنت تَطْلُبُ
لكننا لم ننصبْ، ولم نلقَ شدةً في الطريق إلى نيل المرام باكتمال مشروعنا النهضوي، وذلك بسبب الرعاية التي اكتنفته. فدعوني في هذا المقام أن أتوقف قليلًا عند تسميته معجم الدوحة التاريخي للغة العربية. إنها عاصمةُ الدولة التي قامت قيادتها بأوَد هذا المشروع طوال ثلاثة عشر عامًا.
لقد أجمع المجلس العلمي والخبراء في المعجم على تسميته "معجم الدوحة" اعترافًا بفضل هذا الاحتضان الواعي. أشير في هذه المناسبة إلى الأهمية المركزية لوجود مكان كهذا في الوطن العربي.
يستخدم الباحثون في العلوم السياسية مصطلحات مثل "القوة الناعمة" في وصف النفوذ والتأثير المتحققين من الإشعاع العلمي والثقافي والإعلامي والعلاقات الاقتصادية لبلدٍ ما. هذا صحيح ومهم. وقد تناولناه في مناسبات أخرى. ولكنه ليس دافعي، ولا مرماي، من مغالبة الحرج في هذه المناسبة الاحتفالية للحديث عن حاجة أي نهضة إلى مكان وقيادة ذات رؤية.
ما يشغلني في الظروف التي لن يزيدَكم شرحها خردلةً - ولا سيما أنها لا تفهم إلّا بوصفها كلًا واحدًا؛ ابتداءً من الشروخ التي تبلغ حدّ الاحتراب في بعض بلداننا، والطائفية المقيتة، والهوان غير المسبوق المتمثل في التهاون مع توسّع نفوذ الكيان الاستيطاني الاستعماري في منطقتنا بعد ارتكابه حرب إبادة، مرورًا بانتشار منظومات الزبونية السياسية والاجتماعية، وعدم إيلاء الثقافة والعلوم الاهتمام الذي تستحق و/أو تدجينها - إنّ ما يشغلني، وأود إشراككم به، هو لزوم المكان الذي يمكن فيه إنجاز مشاريع على نطاق قومي في أجواء من حرّية الفكر والإبداع؛ مثل المعجم التاريخي للغة العربية وغيره من المشاريع العلمية والثقافية والرياضية والإعلامية المهنية. نحن نتمنّى أن تحتضن عواصم عربية عديدة مثل هذه المشاريع. وإن لم تدعمها، فعلى الأقل أن تقدّرَها.
وتحديدًا في ظل الظروف التي تعيشها المنطقة العربية، لا يمكنني إيفاء لزوم المكان والدولة الحاضنة حقّهما. ومهما ألححتُ لن أكون مبالغًا.
لقد أتاح مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية المجال لمئات الباحثين من أكثر من خمس عشرة دولةً عربية الإسهام في مشروع نهضوي تنويري، حيث تكاملت خبراتهم وترافدت أيديهم في إنجازه.
وهذه مأثرة في حدّ ذاتها؛ وهي تنم عن إدراك أهميّة عنصر أساسي من عناصر تشكّلها، وهو ليس العرق ولا الدم ولا الأيديولوجيا، بل إنه لسانٌ عربيٌ مبين، ولغةٌ تسكن في وجداننا جميعًا، وتاريخ مشترك نأمل أن يسهم معجمنا التاريخي في تدقيق تخيّله، وحلمٌ لا ينفك يراود من لا شفاء لهم من حبهم للعرب والعروبة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.