يطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بوابته الرئيسة "الموسوعة العربية الشاملة: أرابيكا" مطلع عام 2027، وهو مشروعٌ معرفي ضخم.
ويقول المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة إن أول ما يخطر بالبال بشأن مشروع الموسوعة العربية "أرابيكا" هو أنه جاء متأخرًا قليلًا من الناحية الزمنية.
ويشير في حديث إلى برنامج "ضفاف" عبر شاشة "العربي2" إلى محاولات موسوعية عربية غير قليلة في هذا الإطار سابقًا منذ بطرس البستاني في القرن التاسع عشر وحتى اليوم، مرورًا بـ "دائرة المعارف"، فضلاً عن محاولات قُطرية ومحاولة في المغرب وسوريا وغيرها، لكن لم تكن هناك محاولة عربية شاملة.
ويرى أن الأوان آن لذلك؛ "فأمة كبيرة بهذا الحجم، وفي هذا العصر الذي يشهد تشتتًا وتدفقًا هائلًا للمعلومات غير الدقيقة وغير المفحوصة التي تصل إلى الشباب والطلاب عبر وسائل التواصل، أصبحت بحاجة ماسة إلى متن معرفي مُحكَّم وموثوق يشكل مرجعًا في مختلف العلوم الإنسانية والتطبيقية، وبلغة مُتاحة للجميع".
من هم جمهور الموسوعة العربية - أرابيكا؟
ويشير إلى أن الموسوعة تستهدف المبتدئ الذي يحتاج إلى أساس متين ينطلق منه، كما تخدم المتخصص الذي يجد فيها نقطة بداية لبحثه.
ويرى أن هذه التوليفة الديمقراطية القائمة على إتاحة المعرفة للجمهور هي جوهر الفكر النهضوي والتنويري، خاصة أن المنهج المتبع منهجٌ علميٌ يحارب التضليل والكذب والشائعات وما يُعرف بمرحلة "ما بعد الحقيقة".
وينوه إلى أن "القلق والتردد كان سائدًا قبل إطلاق المشروع، فهو ليس بالأمر السهل؛ إذ نتحدث عن مجمل المعارف الإنسانية، فالمعجم التاريخي محصور في اللغة العربية وله متخصصوه، أما الموسوعة فتشمل كل المعارف والمفاهيم والأعلام والنظريات العلمية، لذلك ترددنا نحو ثلاث سنوات قبل البدء، ناهيك عن الجانب الشخصي؛ فعملي الأساسي هو البحث العلمي، وإدارة الموسوعات تأتي على حساب وقتي المخصص للبحث، مما يتطلب اقتطاع ساعات إضافية وتضحية شخصية للقيام بعمل إداري وتنظير تحريري معقد".
كما يتضمن المشروع مراجعة أعمال الآخرين ومتابعتها وتحريرها، وقد استغرقت السنوات الثلاث الأولى بناء البنية التحتية، والتي تشمل السياسة التحريرية، وشكل الاستكتاب ونوعه، وآليات التواصل مع المتخصصين وفق المدير العام للمركز العربي للأبحاث.
ويتابع: "توصلنا إلى هيكلية غير مسبوقة منهجيًا؛ إذ لدينا دائرة للتحرير العلمي، ودائرة للتحرير الموسوعي، ودائرة مستقلة للتحكيم".
ومضى يقول "الآن انطلق المشروع عبر موقع تجريبي، وتراكمت فيه أعداد لا بأس بها من المداخل، ويتم نشر مقالات جديدة يوميًا. ورغم وجود ضغط تحريري نظرًا لأن التدفق الفكري أكبر من قدرة الاستيعاب الحالية، إلا أننا نعمل على تسريع هذه العملية".
ويشير عزمي بشارة إلى أن الطباعة الورقية لم تعد خيارًا، ليس فقط بسبب الكلفة المالية، بل لاختلاف عادات القراءة والبحث لدى الجيل الجديد الذي يبحث عبر الهواتف والحواسيب المحمولة.
ويؤكد أن "القضية الرئيسة اليوم لكل من يقدم المعرفة هي التواجد على محركات البحث. والأهم من ذلك أن هذه المحركات باتت تعتمد بشكل مكثف على أنظمة الذكاء الاصطناعي".
موسوعة في عصر الذكاء الاصطناعي
ويضيف: "قد يتساءل البعض: لماذا تؤسسون موسوعة في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وهذا ينجم عن سوء فهم؛ فالذكاء الاصطناعي لا ينتج معرفة بذاته، بل يعالج البيانات القائمة وينظمها. والسؤال الحقيقي هو: ما هي المعرفة العربية الموثوقة التي نغذّي بها هذه الأنظمة؟".
ويقول إن "المفاجأة السارة هي أننا حين نسأل أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم عن بعض الموضوعات، أصبحت تحيل المستخدمين إلى مقالات موقع "أرابيكا" المتاحة حاليًا، وهو هدف رئيسي بالنسبة لنا".
بشارة يشرح أنه "منذ الجلسة الأولى وضعنا شجرة معرفية تبدأ بـ "المداخل الجذعية" (المفاهيم العامة)، وطلبنا من المتخصصين إدراج جميع المصطلحات المتفرعة عنها في مختلف العلوم. ونتج عن ذلك قائمة تضم نحو 60 ألف مدخل تبحث حالياً عن كتاب متخصصين".
ويقول إن هذا حجم ضخم، فالوصول إلى كتابة 10 آلاف مدخل مُحكَّم سنويًا أمر شبه مستحيل، خاصة مع معاييرنا التحريرية، وخاصة أن المداخل تبدأ بموجز يستفيد منه القارئ العام، ثم يتوسع المدخل ليصل إلى مقال تحليلي شامل يخدم الباحث المتخصص.
نقاط تميز موسوعة أرابيكا
أما عن روح موسوعة أرابيكا، فيلفت الدكتور عزمي بشارة إلى أن هناك نقاطًا تميزها وهي:
- اللغة والهوية: صياغة المعارف باللغة العربية ومن منظور ثقافي وحضاري عربي.
- التركيز على القضايا العربية: لدينا "هيئة البلدان العربية" تعنى بالتفاصيل التاريخية والجغرافية الدقيقة لكل قُطر عربي، مما يجعل "أرابيكا" مرجعًا لا غنى عنه حتى للباحث الأجنبي عند دراسته للمنطقة.
- الموضوعية لا الحياد المطلق: لا توجد موسوعة محايدة 100% في العالم، لكننا نلتزم بأعلى درجات الموضوعية العلمية ونقل الحقائق، مع التعبير عن شخصيتنا الثقافية وتقليل السجالات واللغة الاستعارية المجازية.
ويشدد على أن الأسلوب يعتمد على "المنظور". فنحن نكتب عن الاستعمار من منظور الشعوب التي خضعت له، وليس من منظور القوى الاستعمارية، ومع ذلك، نلتزم بالموضوعية العلمية من خلال تتبع التاريخ المفهومي للمصطلح وتطور استخداماته، وعرض الوقائع التاريخية بدقة وتجرد، مع مراعاة التحكيم والتحرير العلمي لضبط أي انحياز أيديولوجي فج.
ويتابع أنه في حال وجود إسهامات عربية في مجال نظري أو علمي معين، يفرض علينا الواجب المعرفي إبرازها، وهو ما تفعله جميع الموسوعات العالمية بالإشارة إلى إسهامات بلدانها.
أما بالنسبة للمساهمين، فيقول الدكتور عزمي بشارة إن الموسوعة تختلف عن منصات مثل "ويكيبيديا" بنقطتين أساسيتين:
- الأولى تتمثل بتوقيع المقال باسم الكاتب لضمان المسؤولية العلمية وتوفير مرجع موثوق للمصادر، إضافة إلى تقديم التقدير المستحق للباحث المتخصص.
- والثانية شرط الاختصاص، فالأساس لدينا هو كفاءة الكاتب في تخصصه والتزامه بسياسات النشر والتحرير، ولا نشترط انتماءه لتيار فكري أو سياسي معين؛ فالموسوعة ليست حزبًا، بل مشروع معرفي يتسع لكل الكفاءات العلمية.
ويعتبر أن "وجود مؤسسة موجهة تقود العمل المعرفي في عالمنا العربي أمر ضروري؛ فهو يضمن كفاءة الكاتب، ومراجعة المقال وتحكيمه، ومتابعته مستقبلاً، ولذا نحن نجمع بين "ديمقراطية المعرفة" عبر إتاحتها للجميع، وبين "المركزية المنهجية" التي تضمن الموثوقية والمصداقية والمرجعية العلمية".
الموسوعات مشاريع تنويرية
ويتحدث عن "محاولة لتجميع للمصطلحات باللغات الأربع (العربية، الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية)، نعتمد عليه لتوحيد المصطلحات وضمان عدم تضارب الترجمات في الموسوعة، مع إرفاق اللفظ الأصلي بلغة المصدر، كما نستفيد بشكل كبير من قاعدة البيانات الضخمة التي وفرها "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية".
ويشير إلى الموسوعات بوصفها مشاريع تنويرية تهدف إلى رفع المستوى الثقافي العام للجمهور وتنقيتها من الشعوذة والغيبيات، وتوفير حد أدنى من المعرفة الدقيقة المفحوصة، حيث أن الموسوعات تحمل نوعًا من "إنكار الذات"؛ فالناس يلجؤون إليها كمرجع موثوق مستمر دون الحاجة للوقوف عند اسم مؤلفها في كل مرة، وهي أداة رئيسة لا غنى عنها لبناء المعرفة والتطوير الثقافي.
ويؤكد أن "الموسوعات تحتاج إلى دعم وإسناد مؤسسي؛ إما عبر حركة نشر تجارية كبرى وسوق كتب مزدهر كما حدث في أوروبا، أو عبر دعم مستمر من الدولة، وفي العالم العربي، سوق النشر يعاني من أزمات مادية، والدول لم تجعل من الثقافة المستدامة أولوية ممتدة عبر العقود بسبب تقلب الأولويات السياسية".
ويرى أن هذا "ما يفسر تعثر المشاريع القومية السابقة أو انحصارها في أطر إقليمية محدودة، وما نقوم به في المركز العربي للأبحاث برعاية دولة قطر هو استغلال فرصة توافر الإمكانيات لبناء مشروع عربي شامل يخدم كافة أبناء اللغة العربية".
المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة يشير إلى "مرحلة تراجع وانحطاط سياسي وتشظٍ في المنطقة"، مشددًا على أن "أقصى ما يمكننا تقديم في هذه الظروف العصيبة هو الإسهام في نهضة ثقافية متينة تؤسس للأجيال القادمة؛ فالمعرفة والمؤسسات العلمية هي التي تبقى وتحدث الأثر المستدام".