الجمعة 13 مارس / مارس 2026
Close

عز الدين القسام.. السوريّ "الثائر" الذي دافع عن فلسطين

عز الدين القسام.. السوريّ "الثائر" الذي دافع عن فلسطين محدث 08 أكتوبر 2025

شارك القصة

أسّس الشيخ عز الدين القسام حركة الجهاد ضدّ الانتداب البريطاني، قبل أن يُستشهد عام 1935 ويصبح رمزًا للمقاومة الفلسطينية - ويكيبيديا
أسّس الشيخ عز الدين القسام حركة الجهاد ضدّ الانتداب البريطاني، قبل أن يُستشهد عام 1935 ويصبح رمزًا للمقاومة الفلسطينية - ويكيبيديا
الخط
عز الدين القسام.. الثائر السوري الذي وحّد ميادين النضال من جبلة إلى حيفا، فصار رمزًا خالدًا للمقاومة الفلسطينية والعربية.

"عز الدين القسام".. اسمٌ أشهر من نارٍ على علم في العالمين العربي والإسلامي، ومن رسّخه في سجلات التاريخ الحديث هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي اختارت اسمه عنوانًا لجناحها العسكري الذي يخوض حربًا تاريخية ضد إسرائيل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى اليوم.

فقد رسّخت حرب غزة الحالية، وما سبقها من حروب خاضتها "حماس" منذ تأسيسها في ثمانينيات القرن الماضي، اسم "القسّام" في الوعي العربي. فمن يسمع اللفظة، تتبادر إلى ذهنه صور المقاومة الفلسطينية ومقاتليها في غزة، وتستحضر ذاكرته فورًا عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها الحركة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وقلبت كيان إسرائيل رأسًا على عقب.

فعليًا، يحمل اسم عز الدين القسام في طيّاته تاريخًا حافلًا بالنضال. فـ"الشيخ الجليل" لم يكن شخصية عادية في التاريخ العربي، خصوصًا في بلاد الشام، بل كان مناضلًا وثائرًا ضد الاحتلالات والانتدابات الأجنبية، وخلّد اسمه عندما سقط شهيدًا في مواجهة الانتداب البريطاني مع مجموعته الثورية.

فمن هو عز الدين القسام؟ وما أبرز محطات مسيرته ونضالاته الثورية على صعيد المقاومة؟

بين سوريا والأزهر.. قصة النشأة

يعتقد كثيرون أن عز الدين القسام فلسطيني الجنسية، نظرًا لارتباط اسمه بحركة "حماس" في غزة، لكن الحقيقة أنه سوريّ من مواليد بلدة جبلة – قضاء اللاذقية.

تشير مراجع تاريخية إلى أنه وُلد عام 1883، إذ تُظهر السجلات المدنية الرسمية في جبلة أن مولده كان سنة 1301 هجرية، أي ما يوافق 1883 ميلادية【1】. في المقابل، تذكر مراجع أخرى أنه وُلد عام 1882، واسمه الكامل محمد عز الدين القسام. أما والده فهو عبد القادر مصطفى القسام، مرشد الطريقة القادرية الصوفية في جبلة وأستاذ مدرستها الإسلامية التي تُعنى بتعليم الأطفال القراءة وحفظ القرآن【2】.

يذكر كتاب الشيخ الشهيد عز الدين القسام ومعركة الجهادية أن القسام نشأ نشأة إسلامية محافظة في أسرة اشتهرت بالفقه والشريعة. وفي بلدته تلقى علومه الأولى في "كُتّاب جبلة"، وتحديدًا في زاوية الإمام الغزالي.

عام 1896، غادر القسام سوريا إلى القاهرة ليدرس الشريعة الإسلامية في الأزهر الشريف، حيث مكث نحو ثماني سنوات نال خلالها الشهادة الأهلية. وقد تزامنت دراسته مع مرحلة التجديد الفكري التي قادها الشيخ محمد عبده، ويُقال إن القسام تتلمذ على يده.

رافقه في رحلته إلى الأزهر عدد من طلاب العلم الشرعي، بينهم شقيقه فخر الدين القسام، وعز الدين التنوخي الذي كان منخرطًا في حلقات السلفية بدمشق. وبعد عودته من الأزهر، جاهر التنوخي بآرائه الإصلاحية والعروبية، وأصبح من المقربين من القسام.

خلال دراسته، برز القسام بذكائه وتأثره بأفكار التحرر ومقاومة الاستعمار. وفي عام 1904 عاد إلى جبلة، قبل أن ينتقل إلى تركيا لتدريس العقيدة في المساجد، ثم عاد مجددًا إلى بلدته ليدرّس الأطفال نهارًا ويعلّم الكبار ليلًا. كما أصبح إمامًا لمسجد المنصوري في جبلة، حيث أثّر في الناس بخطبه الحماسية التي كانت تُلقى في جو من الإصغاء الكامل.

جامع الأزهر سنة 1906م، وهي السنة التي تخرج فيها عز الدين القسام منه - ويكيبيديا
جامع الأزهر سنة 1906م، وهي السنة التي تخرج فيها عز الدين القسام منه - ويكيبيديا

حركة جهادية.. من سوريا إلى ليبيا

في بلدته، أطلق القسام حملة توعوية تدعو إلى السلوك القويم والالتزام الأخلاقي. لكن الحدث الذي شكّل منعطفًا حاسمًا في مسيرته كان في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1911، حين حاصر الأسطول الإيطالي مدينة طرابلس الغرب في ليبيا، إذ أشعل هذا العدوان بداخله روح الثورة.

احتجاجًا على الاحتلال الإيطالي، نظّم القسام تظاهرة كبيرة في جبلة، هتف خلالها المتظاهرون: "يا رحيم يا رحمن، انصر مولانا السلطان واكسر أعداءنا الطليان".

لم يكتف القسام بالتظاهر نصرة لليبيا، بل قرر الانتقال إلى القتال والجهاد في سبيل الله في طرابلس الغرب. ففي عام 1912 شكّل مجموعة من 250 متطوعًا للقتال، وجمع التبرعات لتأمين رواتب لهؤلاء المتطوعين وعائلاتهم. تواصل مع السلطات العثمانية لتسهيل انتقالهم إلى طرابلس عبر ميناء الإسكندرونة، لكنهم مكثوا هناك 40 يومًا دون التمكن من السفر، ثم طلبت السلطات منهم العودة إلى جبلة. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1912، وقّعت الدولة العثمانية معاهدة سلام مع إيطاليا، فعاد القسام إلى بلدته.

بقي في جبلة، وخصص المال الذي جُمع للجهاد لبناء مدرسة لتعليم الأميين، لكن الاحتلال الإيطالي ترك أثرًا عميقًا في نفسه، فازداد إصراره على مقاومة الاستعمار والظلم أينما وجد.

المنزل مقابل البنادق لمواجهة فرنسا

شكّل الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان نقطة تحوّل في مسيرة القسام. فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى ووفق اتفاقية سايكس-بيكو (1916)، وُضعت بلاد الشام تحت الاحتلالين البريطاني والفرنسي.

في أكتوبر/ تشرين الأول 1918، كان الساحل السوري، بما فيه جبلة، قد سقط بيد الفرنسيين، ما دفع القسام لحمل السلاح ومقاومتهم في الشمال السوري.

باع منزله الوحيد واشترى بثمنه 24 بندقية، وانتقل مع عائلته إلى قرية الحفة، حيث بدأ بإشعال روح الثورة في نفوس السكان.

وفي أواخر عام 1918 اندلعت ثورة جبال صهيون نتيجة دعواته، واتخذ من قرية زنقوفة قاعدة له، وشارك في قيادتها إلى جانب عمر البيطارـ وهو أحد الأعيان السوريين البارزين في جبال صهيون.

لكن مع سقوط حكومة الأمير فيصل في يوليو/ تموز 1920، تراجعت الثورات في سوريا، فشنّ الفرنسيون حملة عسكرية لإخمادها.

وقبيل سقوط الحكومة العربية في دمشق، طلب القسام دعم الأمير فيصل، فوافق الأخير، لكن سقوط دمشق وضع حدًا لتلك الجهود، ووجد القسام نفسه ملاحقًا ومحكومًا بالإعدام.

صورة للقوات الفرنسية أثناء غزو الساحل السوري عام 1918 - ويكيبيديا
صورة للقوات الفرنسية أثناء غزو الساحل السوري عام 1918 - ويكيبيديا

رحلة سرية إلى بيروت

عام 1920، وبعد سقوط الحكومة العربية، قرر القسام مغادرة سوريا سرًا نحو فلسطين. وتقول المراجع إنه وصل إليها في شهر أغسطس/ آب من العام المذكور، أي سنة 1920.

عبر من جسر الشغور سيرًا على الأقدام إلى بيروت برفقة مجموعة من رفاقه، هم الشيخ أحمد إدريس، الحاج علي عبيد، الشيخ محمد الحنفي، الحاج خالد وظافر القسام، عبد الملك القسام.

لم يبقَ القسام طويلاً في بيروت، حيث انتقل إلى صيدا في جنوب لبنان، ومنها بحرًا إلى عكا، قبل أن يستقر في حيفا، بينما التحقت به عائلته لاحقًا.

حيفا.. ميدان القسام الجديد

في مدينة حيفا، استقر الشيخ عز الدين القسام، وفيها بدأ عمله مدرّسًا في مدرسة الإناث الإسلامية أولًا، ثم في مدرسة البرج الثانوية. وللعلم، فإن هاتين المدرستين كانتا تتبعان للجمعية الإسلامية في حيفا التي تأسست عام 1919، وكان راتب القسام الشهري يتراوح بين أربعة وخمسة جنيهات.

وفي عام 1924، غادر القسام المدرسة قبل أن يُعيَّن إمامًا لمسجد الاستقلال المشيَّد حديثًا في حيفا عام 1925، وقد سُمِّي المسجد بهذا الاسم تيمّنًا بـ"استقلال فلسطين". كذلك، في عام 1930، جرى تعيين القسام مأذونًا شرعيًا من قبل المحكمة الشرعية في حيفا.

تعزّزت شعبية القسام من خلال منبر مسجد الاستقلال الذي كان إمامه، إذ كانت خطبه رنّانة وجريئة في نقد الوجود البريطاني. كما أسّس مدرسةً مسائية لتعليم الأميين، وساهم في دعم العاطلين عن العمل عبر جمع التبرعات لهم ومساعدتهم ماديًا.

وفي عام 1928، أسّس القسام جمعية "الشبّان المسلمين" في حيفا وتولّى رئاستها، وسرعان ما توسّعت الجمعية في مختلف المدن الفلسطينية. كانت عضويتها تضم أبناء الطبقة الوسطى والعاملة، فيما ضمّت قيادتها شخصيات وطنية بارزة مثل رشيد الحاج إبراهيم.

جماعة القسام الجهادية.. مسيرة سرية

في عام 1925، أسّس الشيخ عز الدين القسام في حيفا تنظيمًا سرّيًا اعتبر أن الجهاد هو السبيل الأوحد لتحرير فلسطين. حمل التنظيم اسم "المنظمة الجهادية"، واتخذ شعارًا له عبارة "هذا جهاد.. نصر أو استشهاد".

تشكّلت القيادة الأولى للتنظيم عام 1928، وضمت القسام رئيسًا، إلى جانب القادة: العبد قاسم، محمود زعرورة، محمد الصالح الحمد، وخليل العيسى. ولاحقًا، أُعيد تشكيل القيادة لتضمّ القسام، وخليل محمد عيسى، وسليمان عبد القادر حمام، وسرور برهم العودة، وعطية أحمد عوض، ومحمود زعرورة، وتوفيق الإبراهيم، وحسن حمادة، ومحمود غزلان.

حرص القسام على بناء تنظيمه بسرّية تامّة بعيدًا عن أعين السلطات البريطانية والعصابات الصهيونية المنتشرة في فلسطين. وكان التنظيم يرى في الانتداب البريطاني ومشروع "الوطن القومي اليهودي" اعتداءً على أرض المسلمين المقدّسة.

من هنا، جعل القسام من "الجهاد" محور عمل التنظيم، وسعى لإثبات شرعية فكرته بالحصول على فتوى من قاضي دمشق الشرعي بدر الدين التاجي الحسيني، أجازت القتال ضدّ الإنكليز واليهود لمنع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وكان الهدف المركزي للتنظيم هو مواجهة الانتداب البريطاني وطرده من البلاد، وإفشال المخطط الصهيوني لإقامة وطن قومي على الأرض الفلسطينية.

لم يكن الانضمام إلى التنظيم أمرًا يسيرًا؛ إذ كان كل من يرغب بالانخراط فيه يخضع لفترة من التجربة والمراقبة، ولا يُقبل في صفوفه إلا من كان "مؤمنًا مستعدًّا أن يموت في سبيل بلاده".

وبحلول عام 1935، بلغ عدد المجاهدين المنضوين في التنظيم نحو 200 مقاتل منظَّم، إضافة إلى 800 آخرين من الأنصار والمؤيدين.

أنشأ القسام خمس وحدات متخصّصة داخل التنظيم:

  1. وحدة شراء الأسلحة، وكان يقودها الشيخ حسن الباير ونمر السعدي.

  2. وحدة التدريب، وكان يشرف عليها ضباط خدموا سابقًا في الجيش التركي.

  3. وحدة التجسّس على اليهود والإنكليز، وضمت الشيخ ناجي أبو زيد وعددًا من العاملين في الدوائر الحكومية، ولا سيما في الشرطة، وبعض المتعاونين مع اليهود لكشف أنشطتهم.

  4. وحدة الدعاية للثورة، وكانت تضم شيوخًا وعلماء، وتمحور نشاطها حول الدعوة إلى الجهاد في المساجد، بإشراف الشيخ كامل القصّاب كموجّه ومستشار.

  5. وحدة الاتصالات السياسية، وكان من أبرز أفرادها محمود سالم المخزومي.

أما التمويل، فكان يتم عبر اشتراكات ذاتية لأعضاء التنظيم، مع قبول التبرعات من مصادر موثوقة فقط. وقد تمكّن القسام من الحصول على كميات محدودة من السلاح من ضباط أتراك، وأخرى من رفاق له في سوريا، إضافة إلى شراء مئات البنادق الحربية من حصيلة التبرعات.

كان الأساس في خطط التنظيم ألّا تُعلن الثورة قبل امتلاك ما لا يقلّ عن ألف قطعة سلاح. ومع أواخر عام 1928، بدأ القسام مرحلة التدريب والتسليح الفعلي، بعد أحداث البراق في آب/أغسطس 1929، حين انتقل من الدعوة الفكرية إلى الإعداد العسكري المنظّم.

مثّلت ثورة البراق انتفاضة فلسطينية كبرى ضدّ أول محاولة لتهويد القدس في ظلّ الانتداب البريطاني، واندلعت اشتباكات عنيفة بين العرب واليهود عند حائط البراق في المسجد الأقصى. كانت تلك الأحداث حافزًا مباشرًا للقسام على تسريع التحضيرات للثورة، فقام بنفسه بتدريب العناصر على الرماية ومهام الاستطلاع والعمل الميداني.

عام 1935.. منظمة القسام "تعلن الجهاد"

في نوفمبر/ تشرين الثاني 1935، أعلنت جماعة القسام "الجهاد"، إثر تصاعد الاستيطان وازدياد عمليات تهريب السلاح إلى اليهود. وقبيل هذا التاريخ، توارى القسام عن الأنظار في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، بعدما باع منزله الوحيد في حيفا، بينما باع أصحابه حليّ زوجاتهم وبعض أثاث منازلهم لتوفير ثمن الرصاص والسلاح.【3】

لكن قبل تلك اللحظة، كانت المنظمة قد نفّذت عمليات عسكرية عديدة بين عامي 1929 و1935. ورغم أن هذه العمليات بدت للعلن كأنها أعمال فردية، فإنها في الواقع كانت جزءًا من خطة القسام السرّية، وهدفها كسر حاجز الخوف لدى أفراده وجسّ نبض الشارع العربي وردّ فعل سلطات الانتداب.

تركّزت العمليات في حيفا ومحيطها، ما دفع السلطات إلى التحقيق مع القسام، إلا أنها لم تتمكن من إدانته لغياب الأدلة. من أبرز تلك العمليات:

  • الهجوم على مستعمرة الياجور قرب حيفا في 5 أبريل/ نيسان 1931، وأسفر عن مقتل ثلاثة مستوطنين.

  • إطلاق النار على يهودي في مستعمرة نهلال في 7 أبريل من العام نفسه.

  • عملية في مستعمرة بلفوريا عام 1932، أُصيب خلالها مستوطن آخر.

  • عملية استهدفت يهوديًا يُدعى شموئيل جوترمان في مستعمرة كفار حاسديم.

وفي ديسبمر/ كانون الأول 1932، نفّذت مجموعة القسام عملية نوعية تمثّلت في صناعة قنابل ألغام على يد المجاهد أحمد الغلاييني في معمله بحيفا، وزرعها مصطفى علي الأحمد في منزل حرس مستوطنة نهلال، ما أسفر عن مقتل يهوديين وإصابة اثنين آخرين بجروح.

أثارت العملية غضب السلطات البريطانية التي رصدت مكافأة قدرها 500 جنيه فلسطيني لمن يدلي بمعلومات عن المنفذين. وبعد ستة أشهر، اكتُشف الأمر خلال مداهمة لقرية صفورية، حيث وُجدت قنبلة مشابهة في منزل مصطفى علي الأحمد. فاعتُقل الأخير وتعرّض للتعذيب، فيما حكم على الغلاييني بالسجن خمس عشرة سنة، واعتُقل عدد من رفاقهم مثل صالح أحمد طه وأحمد التوبة وأبو إبراهيم الكبير، قبل أن يُفرج عن بعضهم لعدم كفاية الأدلة.

كل تلك العمليات شكّلت مقدمات مباشرة لثورة القسام الكبرى. فمع اشتداد الهجرة اليهودية عام 1935 ودخول أكثر من 61 ألف يهودي إلى فلسطين، واكتشاف شحنات ضخمة من الأسلحة في ميناء يافا، قرّر القسام إعلان الثورة. كانت السلطات البريطانية تلاحقه عن كثب، فأسرع إلى التحرك قبل أن يُعتقل هو أو قادة منظمته.

خرج القسام إلى الجبال، وحثّ سكان القرى على شراء السلاح والاستعداد للجهاد، وجعل من منطقة جنين مركزًا لحشد الدعم والتعبئة، فيما خطّطت القيادة لاحتلال مدينة حيفا ثلاثة أيام لتوجيه رسالة قوية إلى سلطات الانتداب وتحفيز الفلسطينيين على الثورة.

حادثة كشفت منظمة "القسام"

في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1935، كانت جماعة القسام تتحصن في كهف قرب مستعمرة عين حارود. وبينما كانت دورية عسكرية تطارد بعض اللصوص في المنطقة، ظنّ الحارس محمود سالم المخزومي أن الشرطة اكتشفت مكانهم، فأطلق النار وقتل عنصرًا يهوديًا في الدورية. كان ضمنها عنصر عربي لم يُصب بأذى، فأبلغ مركز شرطة الجلمة بالحادثة.

كشفت هذه الواقعة أمر الجماعة، فقرّر القسام مغادرة الموقع فورًا إلى كفردان، ومنها إلى كهف قرب قرية برقين، ثم إلى جبال قرية البارد.

وفي اليوم التالي، 15 نوفمبر، طوّقت قوة كبيرة من الشرطة عدة قرى بحثًا عن "قاتل الشاويس". واندلع اشتباك بين الشرطة وجماعة القسام قرب قرية البارد، انسحب إثره المقاتلون نحو أحراش يعبد متجهين إلى بيت صديقه الشيخ سعيد الحسان في قرية الطرم. هناك، انقسم المجاهدون إلى مجموعتين: بقيت إحداهما مع القسام وعدد أفرادها عشرة، بينما توزعت الأخرى شمالًا لتنفيذ عمليات فدائية ضد مواقع الجنود البريطانيين.

تحصّن القسام ورفاقه في منزل الحسان ليلتين، فيما كانت القوات البريطانية تطوق المنطقة بأكثر من 400 جندي. وعلى الرغم من قلّة عدد رجاله، رفض القسام الاستسلام، فاندلع اشتباك عنيف استمر نحو ست ساعات. أمر القسام رجاله بتحريك المعركة من موقع لآخر لإطالة أمدها حتى حلول الظلام، لكن القوات البريطانية استخدمت الشرطة العربية كـ"درع بشري"، فطلب القسام عدم إطلاق النار عليهم. ومع احتدام المعركة، قرر التصعيد والمواجهة حتى النهاية، فاستُشهد مع رفيقيه يوسف الزيباوي ومحمد حنفي المصري، فيما اعتُقل عدد من رفاقه، بينهم محمد يوسف وأحمد جابر وحسن الباير ونمر السعدي الذي أُصيب بجروح.

أحدثت الواقعة صدمة كبرى في فلسطين، وخرجت جنازة القسام ورفاقه في 21 نوفمبر 1935 بعد ضغط شعبي كبير على سلطات الانتداب لتسليم الجثامين. شارك في التشييع نحو 30 ألف فلسطيني في حيفا، وفي اليوم التالي، نعته مساجد فلسطين كافة وأقيمت صلاة الغائب عليه وعلى رفاقه في 22 نوفمبر.

تُعدّ سيرة الشيخ عز الدين القسام نموذجًا ثوريًا متفرّدًا، إذ شكّلت الأحداث التي خاضها سلسلة من المحطات التي أكدت تمسّكه بمبدأ مقاومة الظلم والاحتلال أينما وُجد. لقد كان القسام رجلًا عابرًا للحدود، يرى في قضيته قضية عربية جامعة، وجعل من فلسطين أرضًا مقدّسة تستحق الدفاع عنها حتى الشهادة.

المراجع:

(1): الشيخ عز الدين القسام: مصلح وقائد ثورة، بشير موسى نافع، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
(2): كتاب "الشيخ الشهيد عز الدين القسام، ومعركة الجهادية"، محسن صالح، 1988
(3): كتاب الطريق إلى القدس، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت
** مراجع عن سيرة الشيخ عز الدين القسام عبر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من