يُعدّ عسر القراءة "الديسلكسيا"، أحد أكثر اضطرابات التعلّم انتشارًا، وهو حالة عصبية تؤثّر في قدرة الفرد على معالجة الكلمات المكتوبة وفهمها، من دون أن ترتبط بضعف بصري أو سمعي، بل بطريقة عمل الدماغ في تفسير الرموز اللغوية.
ومع تزايد الوعي بأهمية الكشف المبكر، بات فهم عسر القراءة ضرورة تربوية ومجتمعية لضمان بيئة تعليمية عادلة تُتيح للأطفال والبالغين المصابين به فرصًا متكافئة للنجاح والتطور.
وبحسب موقع "كليفلاند كلينك"، فإن عسر القراءة إعاقة تعلّم تُعطّل معالجة الدماغ للغة المكتوبة، إذ يعاني المصابون به من صعوبات في القراءة والمهارات المرتبطة بها.
وتعرّف "مؤسسة الديسليكسيا" البريطانية عسر القراءة بأنه صعوبة تعلم محددة تؤثر بشكل رئيسي على مهارات القراءة والكتابة، بالإضافة إلى معالجة المعلومات. فقد يواجه المصابون بعسر القراءة صعوبة في معالجة وتذكّر المعلومات التي يرونها ويسمعونها، مما قد يؤثر على التعلم واكتساب مهارات القراءة والكتابة. كما يمكن أن يؤثر عسر القراءة على مجالات أخرى، مثل المهارات التنظيمية.
"عسر القراءة النمائي"
كيف يؤثر عُسر القراءة على فهم اللغة؟
تبدأ القراءة باللغة المنطوقة. ففي مرحلة الطفولة المبكرة، يبدأ الكلام بإصدار أصوات بسيطة. ومع تعلّم المزيد من الأصوات، يتعلم الفرد أيضًا كيفية استخدامها لتكوين الكلمات والعبارات والجمل. ويتضمن تعلّم القراءة ربط الأصوات برموز مكتوبة مختلفة، وهي الحروف.
وهنا يأتي عسر القراءة ليتداخل مع كيفية استخدام الدماغ للغة المنطوقة "لفك رموز" الكتابة. ويواجه الدماغ صعوبة في معالجة ما يُقرأ، وخصوصًا في تقسيم الكلمات إلى أصوات أو ربط الحروف بالأصوات عند القراءة.
قد يترك هذا التباطؤ أثرًا متسلسلًا على مهارات أخرى، مثل:
- بطء القراءة بسبب صعوبة معالجة الكلمات وفهمها.
- صعوبات في الكتابة والتهجئة.
- مشاكل في تخزين الكلمات ومعانيها في الذاكرة.
- صعوبة في تكوين جمل لتوصيل أفكار أكثر تعقيدًا.
ما مدى شيوع عُسر القراءة؟
على الرغم من أن عسر القراءة لا يصيب الجميع، فإنه منتشر بما يكفي ليصبح معروفًا على نطاق واسع.
وبحسب موقع "World Population Review"، فإن ما بين 5% و10% من الأشخاص في معظم بلدان العالم، أي ما يصل إلى 700 مليون شخص على مستوى العالم، يعانون من درجة ما من عسر القراءة.
ويُعدّ عسر القراءة إعاقة التعلم الأكثر شيوعًا، إذ يؤثر على نحو 80% من الأفراد الذين يعانون من صعوبات التعلم. كما يُصيب الناس بالتساوي بغض النظر عن الجنس والعرق.
أسباب عسر القراءة:
ماذا نعرف حتى الآن؟
1) العامل الوراثي
2) اختلافات في نمو الدماغ
3) عوامل بيئية قد ترفع الاحتمال
عوامل الخطر
هناك عوامل قد ترفع احتمال ظهور صعوبات القراءة أو تعمّقها، مثل:
-
التعرض للمواد السامة الموجودة في الهواء والماء، خصوصًا المعادن الثقيلة (مثل الرصاص أو المنغنيز)، والنيكوتين، وبعض المواد الكيميائية المستخدمة كمثبطات للهب.
-
قلة الوصول إلى مواد القراءة؛ إذ يزداد الخطر لدى الأطفال الذين ينشؤون في أسر لا تُشجع على القراءة أو تكون مواد القراءة فيها أقل توفرًا.
-
قيود بيئة التعلم؛ فالأطفال الذين لا يحصلون على دعم تعليمي كافٍ في المدرسة أو في بيئات مماثلة قد تتفاقم لديهم الصعوبات.
أعراض عسر القراءة
مع تقدم الطفل في السن، قد تظهر أعراض عسر القراءة على النحو التالي:
-
صعوبة في تهجئة الكلمات البسيطة.
-
صعوبة في تعلم أسماء الحروف.
-
صعوبة في التمييز بين الحروف المتشابهة في الشكل.
-
صعوبة في النطق.
-
التردد في القراءة بصوت عال.
-
صعوبة في نطق الكلمات الجديدة.
-
صعوبة في ربط الأصوات بالحروف أو أجزاء الكلمات.
-
صعوبة في تعلم كيفية ترابط الأصوات.
-
خلط مواقع الأصوات في الكلمة.
درجات عسر القراءة
تختلف درجات عسر القراءة من حيث الشدة:
-
عسر القراءة الخفيف: توجد صعوبات، لكن يمكن تعويضها أو تجاوزها بالدعم والتسهيلات.
-
عسر القراءة المتوسط: صعوبات تتطلب تعليمات ومساعدة متخصصة، وقد تحتاج إلى تدخلات أو تسهيلات محددة.
-
عسر القراءة الشديد: صعوبات حادة قد تظل مؤثرة حتى مع التدخلات المتخصصة، وتحتاج متابعة وخطط دعم طويلة المدى.
كيف يُشخَّص عُسر القراءة؟
على الرغم من أن عسر القراءة ناتج عن اختلافات في الدماغ، فإنه لا يمكن لفحوصات دم أو فحوصات مخبرية اكتشافه. بدلًا من ذلك، يساعد التقييم الدقيق واختبار العلامات الشائعة على تحديد الصعوبة. وينبغي أن يركز الاختبار على:
-
فكّ الرموز (قراءة الكلمات غير المألوفة بنطقها).
-
مهارات اللغة الشفهية.
-
طلاقة القراءة وفهم المقروء.
-
التهجئة.
-
المفردات.
-
التعرف على الكلمات.
ولا توجد أدوية حاليًا لعلاج عسر القراءة، ويمكن للتدخلات التعليمية أن تعلّم أساليب جديدة فعّالة للتعلم والقراءة.
مفاهيم خاطئة: ما الذي ليس صحيحًا؟
عسر القراءة مرض.
الشخص المصاب به أقلّ ذكاءً.
في النهاية، عسر القراءة ليس "مرضًا" ولا دليلًا على ذكاء أقلّ، بل اختلافٌ في طريقة معالجة اللغة المكتوبة، يمكن تجاوزه بالدعم والتشخيص المبكر وأساليب تعلّم مناسبة.
وعندما تُسقط الوصمة، تتضح الفكرة الأساسية: الصعوبة لا تلغي القدرة، بل قد تدفع صاحبها إلى ابتكار طريقٍ مختلف للنجاح. وهذا ما حصل مع كثيرين ممّن شُخّصوا بعسر القراءة، ولكنهم رغم ذلك وصلوا إلى القمّة لأنهم طوّروا طرقًا مختلفة للتعلم.