قد تبدو عضة كلب أو خدشة قطة حادثًا عابرًا، خصوصًا إذا كان الجرح صغيرًا أو بدا الحيوان سليمًا. لكن في الأماكن التي ينتشر فيها داء الكلب، لا يمكن دائمًا تقدير الخطر من حجم الإصابة أو مظهر الحيوان وحدهما.
فداء الكلب مرض فيروسي يصيب الجهاز العصبي المركزي، وتكمن خطورته في مفارقة حاسمة: يمكن الوقاية منه بعد التعرض للفيروس، لكنه يصبح قاتلًا في جميع الحالات تقريبًا بمجرد ظهور أعراضه السريرية. ولهذا لا تبدأ الحماية من انتظار علامات المرض، وإنما من الدقائق الأولى بعد العضة أو الخدش.
ويوافق 28 سبتمبر/ أيلول من كل عام اليوم العالمي لداء الكلب، في ذكرى وفاة العالم الفرنسي لويس باستور، ويهدف إلى رفع الوعي بمرض لا يزال يحصد عشرات آلاف الأرواح سنويًا رغم إمكان الوقاية منه.
أولًا: اغسل الجرح فورًا
أول ما ينبغي فعله بعد عضة أو خدش محتمل هو غسل موضع الإصابة بالماء والصابون لمدة لا تقل عن 15 دقيقة.
قد تبدو هذه الخطوة بسيطة مقارنة باللقاحات والعلاجات الطبية، لكنها جزء أساسي من الوقاية بعد التعرض، إذ يساعد التنظيف الجيد على تقليل كمية الفيروس المحتملة في موضع الإصابة.
وبعد الغسل يمكن استخدام مطهر مناسب، إذا كان متاحًا، قبل التوجه للحصول على التقييم الطبي.
في المقابل، ينبغي تجنب اللجوء إلى ممارسات شعبية مثل كي الجرح بالنار أو وضع الأعشاب أو التراب أو مواد غير مخصصة للجروح عليه. فهي لا تقتل الفيروس داخل الجسم ولا تغني عن العلاج، وقد تؤدي إلى تلوث الجرح أو تأخير الحصول على الرعاية الصحيحة.
ثانيًا: لا تحكم على الخطر من شكل الحيوان
ترتبط الصورة الشائعة لداء الكلب بحيوان هائج يهاجم كل من يقترب منه ويخرج اللعاب من فمه، لكن المرض لا يظهر دائمًا بهذه الصورة.
فهناك شكل هائج من داء الكلب، وقد يترافق مع تغير واضح في السلوك والعدوانية، لكن هناك أيضًا شكل شللي قد يبدو فيه الحيوان خاملًا أو ضعيفًا، وتظهر عليه صعوبة في الحركة أو البلع.
لذلك لا يعني هدوء الحيوان بالضرورة استبعاد الإصابة.
ولا تقتصر إمكانية انتقال الفيروس على الكلاب، رغم أنها مسؤولة عن الغالبية الساحقة من حالات انتقال داء الكلب إلى البشر عالميًا. فالمرض يمكن أن يصيب الثدييات، بما في ذلك القطط والخفافيش والثعالب وحيوانات أخرى بحسب المنطقة.
ثالثًا: لا تنتظر إذا كان الجرح صغيرًا
لا يرتبط خطر داء الكلب بحجم الجرح وحده.
فالعدوى تنتقل أساسًا عندما يصل لعاب الحيوان المصاب إلى الجسم عبر العضة أو الخدش أو الجروح المفتوحة أو الأغشية المخاطية، مثل العين والفم.
وبعد دخوله الجسم، ينتقل الفيروس عبر الأعصاب باتجاه الجهاز العصبي المركزي. وقد تستغرق فترة الحضانة أسابيع أو أشهر بحسب عوامل عدة، بينها موضع الإصابة وشدتها.
لهذا قد يلتئم الجرح ويشعر الشخص بأنه تجاوز الحادث، فيما تكون العدوى - إن حدثت - في مرحلة لا تظهر فيها أعراض بعد.
وعند الوصول إلى مركز صحي، يجري تقييم نوع التعرض والحيوان وظروف الحادث وتاريخ التطعيم السابق للشخص، وعلى أساس ذلك يحدد الطبيب الخطوات المطلوبة.
رابعًا: ماذا يحدث بعد التوجه إلى الطبيب؟
تعرف الإجراءات الطبية التي تُتخذ بعد التعرض المحتمل للفيروس باسم "الوقاية بعد التعرض".
وقد تشمل إعطاء لقاح داء الكلب، وفق جدول يحدده الطبيب بناء حالة الشخص ونوع تعرضه وما إذا كان سبق له تلقي اللقاح.
وفي بعض أنواع التعرض، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لم يتلقوا علىتطعيمًا سابقًا، قد يحتاج المصاب كذلك إلى الغلوبولين المناعي المضاد لداء الكلب أو بديل معتمد له، لتوفير أجسام مضادة جاهزة في الفترة التي يحتاجها الجسم لبناء استجابته المناعية للقاح.
تطعيم الكلاب على نطاق واسع يساعد في قطع انتقال داء الكلب إلى البشر - AFP/غيتي
لكن البروتوكول ليس واحدًا للجميع، ولذلك لا ينبغي الاعتماد على وصفة عامة أو جدول جرعات منشور على الإنترنت بدل التقييم الطبي.
المهم هو بدء الوقاية المطلوبة قبل ظهور الأعراض العصبية.
خامسًا: لا تنتظر ظهور أعراض داء الكلب
هذه أهم قاعدة في التعامل مع التعرض المحتمل.
فالأعراض الأولية قد تكون غير محددة، مثل الحمى والصداع والضعف العام، وقد يشعر المصاب بالألم أو الوخز أو الحكة في مكان العضة.
ومع تقدم العدوى إلى الجهاز العصبي قد تظهر أعراض أكثر خطورة، بينها القلق والارتباك والهياج والهلوسة وصعوبة البلع وفرط إفراز اللعاب والخوف من الماء.
وقد يظهر المرض لدى بعض المصابين في صورة شلل تدريجي بدل الصورة الهائجة المعروفة.
لكن ظهور هذه العلامات يعني أن الوقت المناسب للوقاية قد فات في معظم الحالات. ولهذا تشدد منظمة الصحة العالمية على أن داء الكلب يصبح قاتلًا تقريبًا بمجرد ظهور الأعراض السريرية.
وماذا لو كان الحيوان أليفًا ومطعّمًا؟
يقلل تطعيم الحيوانات بصورة كبيرة من خطر انتقال المرض، لكن وجود تاريخ تطعيم للحيوان لا يعني أن على الشخص اتخاذ القرار بنفسه وتجاهل الإصابة.
فالجهات الصحية أو البيطرية تحدد، بحسب البلد وظروف الحادث، ما إذا كان يمكن مراقبة الحيوان فترة معينة، وما إذا كان الشخص يحتاج إلى إجراءات إضافية.
ولهذا يُفضّل، متى كان ذلك ممكنًا، جمع معلومات عن الحيوان ومالكه وحالة تطعيمه من دون تعريض النفس لمحاولة الإمساك بحيوان هائج أو مجهول.
أما الحيوانات الضالة أو البرية، فلا ينبغي مطاردتها أو الإمساك بها بعد التعرض، بل إبلاغ الجهات المختصة وترك التعامل معها لمن يملك وسائل الحماية المناسبة.
حملة للتعامل مع الكلاب الضالة بالتزامن مع اليوم العالمي لداء الكلب - غيتي
لماذا تظل الكلاب في قلب المواجهة؟
داء الكلب بالأرقام
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن داء الكلب يؤدي إلى نحو 59 ألف وفاة بشرية سنويًا حول العالم، وتتركز الغالبية الساحقة منها في آسيا وإفريقيا.
وتحمل الفئات الأصغر سنًا عبئًا كبيرًا من المرض، إذ يمثل الأطفال دون سن 15 عامًا نحو 40% من الأشخاص الذين يتعرضون لعضات حيوانات يشتبه في إصابتها بداء الكلب.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تكمن في غياب وسيلة للوقاية، بقدر ما ترتبط بتأخر العلاج وصعوبة الحصول على اللقاحات والعلاجات المناسبة في بعض المناطق، إلى جانب ضعف برامج تطعيم الكلاب.
من باستور إلى لقاح اليوم
وفي عام 1885، تلقى الطفل جوزيف مايستر علاجًا طوره فريق باستور بعد تعرضه لعضات متعددة من كلب مصاب، ونجا من المرض في تجربة أصبحت محطة أساسية في تاريخ الوقاية من داء الكلب.
غسل الجرح جيدًا، وطلب التقييم الطبي سريعًا، وعدم انتظار ظهور الأعراض.