بعد 35 عامًا، عاد لبنان إلى العفو العام. ففي 12 أغسطس/ آب 2026 أقرّ مجلس النواب قانونًا جديدًا للعفو، قبل أن يصدر في 4 سبتمبر/ أيلول بالقانون رقم 70، ليعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة عن العدالة والمحاسبة وحدود ما يستطيع العفو أن يفعله حين يأتي بعد أزمة طويلة.
لكن العفو في لبنان ليس جديدًا. ففي عام 1991، وبعد نهاية الحرب الأهلية، صدر قانون واسع أسقط الملاحقة عن طيف كبير من الجرائم المرتبطة بسنوات الحرب، في وقت كانت فيه البلاد تعيد بناء مؤسساتها، وتحل الميليشيات، وتستوعب مقاتلين سابقين داخل أجهزة الدولة.
لهذا لا تعيد تجربة 1991 طرح سؤال قانوني فحسب حول من شمله العفو ومن استُثني منه، وإنماb تفتح سؤالًا أوسع عن النظام الذي تشكل بعد الحرب:
ماذا فعل العفو بمسار انتقال القوى المسلحة إلى الحياة السياسية؟ وما الذي أغلقه من ملفات الحرب، وما الذي تركه مفتوحًا حتى اليوم؟
قانون 84/91.. العفو داخل تسوية ما بعد الحرب
في مرحلة انتقال لبنان من الحرب إلى نظام ما بعد الحرب، صدر في 26 أغسطس 1991 القانون رقم 84/91، المعروف بقانون العفو العام اللبناني.
وجاء إقراره في سياق سياسي ودستوري كانت ملامحه قد بدأت تتشكل قبل ذلك بعامين، مع اتفاق الطائف الذي أرسى إطار التسوية السياسية لإنهاء الحرب، ثم إدخال الإصلاحات التي نص عليها إلى الدستور عام 1990.
بعد ذلك، بدأت الدولة مسار حلّ الميليشيات وإعادة بسط سلطتها وبناء مؤسساتها، وصولًا إلى إقرار العفو العام بوصفه أحد التشريعات المرتبطة بترتيبات مرحلة ما بعد الحرب.
وصدر القانون في ظل توافق بين أركان السلطة السياسية آنذاك، ممثلة برئاسة الجمهورية في عهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي، ومجلس النواب برئاسة حسين الحسيني، المعروف بلقب "عرّاب الطائف"، والحكومة برئاسة عمر كرامي.
أما داخل مجلس النواب، فقد شارك في إقرار القانون النواب المنتخبون منذ عام 1972، إلى جانب النواب الجدد الذين عُيّنوا في صيف 1991 لملء المقاعد الشاغرة وفقًا لوثيقة الوفاق الوطني.
وحظي القانون بإجماع سياسي شبه كامل داخل المجلس. ويمكن فهم هذا التوافق في ضوء طبيعة السلطة الجديدة التي ضمّت قوى حزبية وقيادات خرج كثير منها من زمن الحرب والميليشيات، وكانت معنية بتسوية الأوضاع القانونية المرتبطة بتلك المرحلة وإسقاط الملاحقات الناجمة عن جرائم الحرب عن قيادات وعناصر استفادت من أحكام العفو.
وبذلك لم يأتِ القانون معزولًا عن التسوية السياسية الأوسع، فهو شكّل جزءًا من الآليات التي رافقت انتقال القوى المتصارعة من الحرب إلى نظام ما بعد الحرب.(1)
تفاصيل مواد القانون
من الميليشيا إلى الدولة
رافقت مرحلة ما بعد الحرب تحولات واسعة في موقع القوى التي خاضت النزاع. فدخل بعض قادة الحرب إلى مؤسسات الدولة مباشرة، وانتقل آخرون إلى العمل السياسي من بوابة الانتخابات، فيما بقي بعضهم خارج النظام، واحتفظت قوى أخرى بسلاحها.
وفي 16 أكتوبر/ تشرين الأول 1990، أعلنت الحكومة أن مرحلة حل الميليشيات بدأت عمليًا مع تطبيق التعديلات الدستورية الناتجة عن اتفاق الطائف. لكن تنفيذ هذا المسار جرى تدريجيًا، وسط تفاوت في استعداد المجموعات المسلحة للتخلي عن مواقعها ونفوذها وما راكمته خلال سنوات الحرب.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 1990، انسحبت "القوات اللبنانية" من بيروت الشرقية، فيما استمرت عملية تسليم المواقع والأسلحة على مراحل. وبحلول مايو/ أيار 1991، أُعلن حل معظم الميليشيات اللبنانية، في سياق إعادة بسط سلطة الدولة وحصر القوة المسلحة ضمن مؤسساتها. (3)
وصدر قانون العفو بصيغة عامة، لا على شكل "لائحة أسماء"، وشمل الجرائم المرتكبة خلال الحرب اللبنانية حتى 28 مارس/ آذار 1991. ونتيجة اتساع نطاقه، استفاد من مفاعيله عمليًا آلاف المقاتلين والمسؤولين وعناصر الميليشيات، وكان بينهم عدد من قادة الحرب الذين انتقلوا لاحقًا إلى مواقع داخل الحياة السياسية والنظام الجديد.
ومن هنا ينتقل النقاش من مضمون القانون إلى أثره السياسي والمؤسساتي:
كيف ساهم عفو عام 1991 في انتقال القوى المسلحة من زمن الميليشيات إلى الدولة والحياة السياسية في لبنان؟
يشرح المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين، في حديثه إلى موقع التلفزيون العربي، أن العفو العام في القانون اللبناني يُعد أحد أسباب سقوط دعوى الحق العام. ويستند دستوريًا إلى المادة 53 من الدستور، وتحديدًا البند التاسع الذي ينص على أن رئيس الجمهورية "يمنح العفو الخاص بمرسوم، أما العفو الشامل فلا يمنح إلا بقانون".
ويشير يمين إلى أن الفرق بين العفو الخاص والعفو العام يتجاوز الجهة التي تصدره. فالعفو الخاص يمحو العقوبة مع بقاء الجرم وحكم الإدانة قائمين، فيما يمحو العفو العام الصفة الجرمية عن الفعل نفسه، فتسقط الملاحقة والدعوى والعقوبة والتدابير الاحترازية، ويُمحى حكم الإدانة من السجل العدلي، بحيث يصبح الفعل، من الناحية الجزائية، كأنه لم يقع.
ويضيف أن للعفو العام مفعولًا عينيًا (in rem)، أي إنه ينصب على الفعل وليس على الشخص. لذلك يستفيد منه تلقائيًا كل من ينطبق عليه الوصف الذي حدده القانون، من دون الحاجة إلى تقديم طلب، أو المثول أمام قاضٍ، أو الاعتراف بالفعل، أو المرور بمسار لكشف الحقيقة أو الاعتذار. ويرى يمين أن هذه الطبيعة القانونية جعلت العفو أداة مناسبة لتسوية أوضاع أعداد كبيرة من المشاركين في الحرب في وقت واحد، من دون إخضاع كل حالة لمسار قضائي منفصل.
ويتوقف يمين عند التاريخ الفاصل الذي اعتمده القانون، وهو 28 مارس/ آذار 1991، مشيرًا إلى أنه التاريخ نفسه الذي اتخذ فيه مجلس الوزراء قرار حل الميليشيات وحدد مهلة حتى 30 أبريل/ نيسان لتسليم الأسلحة الثقيلة والمقار والثكن.
وفي قراءته، يكشف تزامن التاريخين عن ارتباط وثيق بين مسار نزع سلاح الميليشيات والتسوية القانونية التي أتاحها العفو. ويذهب إلى وصف المعادلة على النحو الآتي: تسلّم الميليشيات سلاحها، وفي المقابل تُطوى الملاحقات المتعلقة بمرحلة الحرب. ومن هذه الزاوية، يعتبر أن العفو جاء جزءًا من ترتيب إنهاء الحرب ونزع السلاح أكثر مما جاء نتيجة مسار سابق للمصالحة والمحاسبة.
من إزالة المانع القانوني إلى الدمج المؤسسي
من أبرز الآثار العملية للعفو، وفق يمين، أنه محا المحكوميات والملاحقات في الحالات التي شملها، ومعها زالت موانع قانونية مرتبطة بالمحكومية بجناية أو بجنحة شائنة، كما ترد في قانون الانتخاب ونظام الموظفين والقوانين المنظمة للسلكين العسكري والأمني.
ويشدد هنا على ضرورة التمييز بين أمرين: فالقانون لم يمنح المقاتلين حق ممارسة العمل السياسي، لأن هذا الحق قائم أصلًا، لكنه أزال العائق القانوني الذي كان يمكن أن يمنع بعضهم من الترشح أو دخول الوظيفة العامة نتيجة محكومياتهم. ويرى يمين أن هذه النقطة أساسية لفهم أثر العفو بعيدًا من القول إنه هو الذي "أوصل" قادة الحرب إلى السياسة.
وترافق ذلك مع عملية دمج مؤسسي للمقاتلين السابقين. فقد أجاز القانون الصادر في يونيو/ حزيران 1991 دمج نحو ستة آلاف عنصر من الميليشيات في الجيش وقوى الأمن الداخلي، إضافة إلى نحو ألفي عنصر في الإدارة العامة، بعدما كانت الحكومة قد عرضت في 5 مايو من العام نفسه إعادة تأهيل نحو عشرين ألف مقاتل، وهو عرض لم يُنفذ إلا جزئيًا.
ويقدم يمين قراءة نقدية لهذه العملية، معتبرًا أن دمج عناصر الميليشيات لم يؤد دائمًا إلى تفكيك الولاءات التنظيمية السابقة داخل مؤسسات الدولة. ووفق تحليله، انتقلت في بعض الحالات شبكات نشأت خلال الحرب إلى الإدارة، وتحولت إلى علاقات زبائنية وامتدادات حزبية داخل المؤسسات العامة. ويربط ذلك بصعوبات الإصلاح الإداري اللاحقة، معتبرًا أن المشكلة نشأت حين تحول استيعاب الأفراد إلى نقل جانب من البنى والعلاقات السياسية التي تشكلت خلال الحرب إلى داخل مؤسسات الدولة.
بري وجنبلاط.. ماذا فعل العفو فعليًا؟
وردًا على سؤال عن استفادة شخصيات مثل نبيه بري ووليد جنبلاط من قانون العفو، يلفت يمين إلى أن القانون جاء في صيغة عامة ومجردة، ولم يتضمن أسماء أشخاص أو ينشئ موقعًا سياسيًا لأي منهم. لذلك يرى أن القول إن العفو "أوصل" هذا القائد أو ذاك إلى السلطة لا يعكس التسلسل الفعلي للأحداث.
فبري وجنبلاط كانا وزيرين قبل صدور قانون العفو عام 1991، أي إن مشاركتهما في السلطة سبقت القانون. ومن هذه الزاوية، يرى يمين أن أثر العفو تمثل في تسوية النتائج القانونية المحتملة لمرحلة الحرب وتحصين استمرار المشاركة السياسية، لا في تأسيسها من الصفر.
ولا يعتبر يمين بري أو جنبلاط حالتين منفصلتين عن السياق العام، بل نموذجين لطريقة تشكل النظام السياسي بعد الحرب. فالقوى التي قبلت بالتسوية ودخلت في ترتيباتها حصلت على موقع داخل النظام الجديد، في حين بقيت قوى وشخصيات أخرى خارجه أو خضعت للملاحقة.
ومن هنا يقترح تغيير السؤال من "كيف أفاد العفو هؤلاء؟" إلى "لماذا احتاج النظام السياسي الجديد إلى تسوية أوضاع القوى التي خاضت الحرب؟". وفي قراءته، قام الطائف على إشراك قسم كبير من القوى الموجودة على الأرض وإعادة توزيع مواقعها داخل النظام، بدل إنشاء طبقة سياسية جديدة بالكامل. ولهذا يصف التسوية بأنها توزيعية، ويرى أن أدوات قانونية عدة، من بينها العفو، ساعدت على تثبيت هذا الانتقال.
بين طي صفحة الحرب وغياب المحاسبة
يتوقف يمين أيضًا عند الأهداف المعلنة لقانون العفو، والتي تمثلت في طي صفحة الحرب، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتمكين الدولة من بسط سلطتها، وإخراج عشرات الآلاف من اللبنانيين من دائرة الملاحقة الجزائية. ويؤكد أن الحاجة إلى تسوية بعد خمسة عشر عامًا من الاقتتال كانت حقيقية، وأن هذه الأهداف تحمل في ذاتها مبررات مفهومة في سياق الخروج من الحرب.
لكن قراءة نتائج القانون، وفق يمين، تظهر وجهًا آخر للتجربة. فقد أصبح عدد كبير من قادة الحرب لاحقًا وزراء ونوابًا ورؤساء كتل، في وقت لم يمثل فيه هؤلاء أمام القضاء بسبب الأفعال المرتبطة بالحرب، فيما بقي ملف المفقودين والمخفيين قسرًا من دون مسار قضائي شامل لأكثر من ربع قرن.
وفي فقه العدالة الانتقالية، يشير يمين إلى مفهوم "العفو الذاتي"، أي العفو الذي تصدره سلطة عن أفعال ارتكبها منتسبون إليها أو أشخاص أصبحوا جزءًا منها عند إقراره. ويعتبر هذا النوع من العفو من أكثر الصيغ إثارة للإشكال في القانون الدولي المعاصر.
ومع ذلك، يتحفظ يمين عن وصف القانون 84/91 بأنه "قانون شخصي" بالمعنى الفني في القانون اللبناني. فالنص عام ومجرد في صياغته، وأقره مجلس النواب ضمن اختصاصه الدستوري. لذلك، بحسب رأيه، يتركز النقاش حول وظيفة القانون وآثاره ومعايير الاستثناء التي اعتمدها أكثر من تركّزه على مشروعيته الشكلية.
كما يميز بين إثبات نية المشرّع وقراءة النتائج التي ترتبت على القانون. فلا يمكن، بحسب يمين، إثبات "نية" شخصية لدى المشرع من النص وحده، لكن يمكن دراسة وظيفة القانون من خلال بنيته والآثار التي خلّفها. ومن هذه الزاوية، يرى أن العفو سهّل انتقال جزء كبير من الفاعلين المسلحين إلى داخل النظام الجديد، فيما بقي إنصاف الضحايا وكشف الحقيقة خارج مساره الأساسي. وفي قراءته، ساعد ذلك على إنهاء الحرب من دون معالجة جميع أسبابها، وأنتج سلمًا أهليًا استند بدرجة كبيرة إلى إقفال ملفات الماضي أكثر من بناء حقيقة مشتركة حولها.
حالات تكشف اختلاف مسارات العفو
تكشف بعض الأسماء أن الانتقال من الحرب إلى السياسة لم يجر بالطريقة نفسها بالنسبة إلى جميع القادة والشخصيات. فميشال عون لم يستفد مباشرة من نطاق العفو العام، وإنما صدر له عام 1991 عفو خاص بمفاعيل العفو العام استنادًا إلى المادة التاسعة، كما شملت الآلية إدغار معلوف وعصام أبو جمرا. أما سمير جعجع، فلم ينهِ قانون 1991 القضايا التي حوكم فيها لاحقًا، إذ أوقف عام 1994 وبقي في السجن حتى العام 2005.
- كان ميشال عون قائدًا للجيش ثم رئيسًا للحكومة العسكرية وأحد أطراف الصراع في المرحلة الأخيرة من الحرب. ولم يستفد مباشرة من قانون العفو العام، إذ حصل عام 1991 على عفو خاص له مفاعيل العفو العام استنادًا إلى المادة التاسعة. وبعد سنوات إقامته في فرنسا، عاد إلى لبنان عام 2005 وانتخب نائبًا، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية بين عامي 2016 و2022، فيما كان التيار الذي أسسه يواصل نشاطه السياسي في لبنان.
- أما إدغار معلوف، وهو لواء وقائد عسكري عمل إلى جانب عون خلال الحرب، فحصل أيضًا على عفو خاص عام 1991، ثم دخل لاحقًا الحياة السياسية والنيابية.
- وحصل عصام أبو جمرا، وهو أيضًا لواء وقائد عسكري عمل إلى جانب عون، على عفو خاص، وكان قد تولى منصب نائب رئيس الحكومة ووزارة الدفاع بالوكالة في تلك المرحلة، قبل أن يستمر حضوره في الحياة السياسية بعد الحرب.
ويختلف مسار سمير جعجع، قائد القوات اللبنانية. فهو لم يستفد من عفو عام 1991 في القضايا التي حوكم بها لاحقًا، ودخل السجن عام 1994. كما لم يتول مناصب وزارية أو نيابية بعد العفو مباشرة، ورفض خوض الانتخابات النيابية عام 1992.
وبقي جعجع في السجن حتى عام 2005، حين أقر مجلس النواب قانون عفو جديدًا شمل القضايا التي كان محكومًا بها، فخرج من السجن وعاد إلى الحياة السياسية. (4)
انتخابات 1992.. أول اقتراع بعد الحرب
بعد نحو عام من إقرار قانون العفو، توجه اللبنانيون إلى أول انتخابات نيابية عامة منذ عام 1972. وأُجريت الانتخابات على مراحل بدأت في 23 أغسطس/ آب 1992، فيما جرى انتخاب المقاعد الخمسة المتبقية في 11 أكتوبر/ تشرين الأول، منهية بذلك نحو عشرين عامًا من تمديد ولاية المجلس بسبب الحرب. وجرت الانتخابات في ظل تطبيق الترتيبات المنبثقة من اتفاق الطائف وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة.
وكان قانون الانتخاب الصادر في يوليو/ تموز 1992 قد رفع عدد أعضاء مجلس النواب من 108 إلى 128 نائبًا، موزعين مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وفق الصيغة التي أرساها اتفاق الطائف.
شكّلت الانتخابات محطة إضافية في انتقال عدد من القوى التي شاركت في الحرب إلى العمل من داخل مؤسسات النظام السياسي. فإلى جانب الزعامات التقليدية والقوى التي كانت قد دخلت الحكومة قبل الانتخابات، ظهرت قوى مسلحة سابقة أو قوى ذات أذرع عسكرية في البرلمان، وأصبح التنافس الانتخابي أحد مسارات تثبيت مواقعها في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن الاقتراع جرى وسط مقاطعة مسيحية واسعة. ويشير الاتحاد البرلماني الدولي إلى أن منظمات وأحزابًا مسيحية اعترضت على إجراء الانتخابات في ظل الوجود العسكري السوري، وطالبت بانسحاب القوات السورية قبل الاقتراع. وبلغ متوسط المشاركة في الانتخابات أقل من 30%، وهي نسبة تأثرت إلى حد كبير بتلك المقاطعة.
وفي 20 أكتوبر/ تشرين الأول 1992، انتُخب نبيه بري رئيسًا لمجلس النواب خلفًا لحسين الحسيني. وبعد يومين، كلّف الرئيس إلياس الهراوي رفيق الحريري رئاسة الحكومة، قبل إعلان تشكيل حكومته في 31 أكتوبر/ تشرين الأول.
وشكّلت الانتخابات أيضًا نقطة تحول في مسار حزب الله، الذي قرر خوض الانتخابات للمرة الأولى بعد نقاش داخلي حول المشاركة في النظام السياسي. وفاز الحزب بثمانية مقاعد نيابية، فيما انضم أربعة نواب مستقلين إلى كتلته، ولهذا يسجل الاتحاد البرلماني الدولي "كتلة الوفاء للمقاومة" في نتائج عام 1992 بـ12 مقعدًا. وبدأ الحزب بذلك الجمع بين نشاطه المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي وحضوره داخل البرلمان.
أما على مستوى الكتل، فيسجل الاتحاد البرلماني الدولي "كتلة الشمال" بـ21 نائبًا، و"كتلة النضال الوطني" بـ19، و"كتلة الوفاء للمقاومة" بـ12، وكتلة وليد جنبلاط بـ12، إلى جانب كتل وتجمعات أصغر ومستقلين. وتكشف هذه الأرقام عن برلمان تشكل من تحالفات وكتل انتخابية متعددة، ما يجعل تصنيف نتائجه بحسب الأحزاب وحدها أقل دقة.
وهكذا لم تكن انتخابات 1992 بداية دخول قوى الحرب إلى السلطة، إذ كان بعض قادتها قد أصبحوا وزراء قبلها، لكنها منحت هذا الانتقال بعدًا انتخابيًا ونيابيًا، ورسخت جزءًا من الخريطة السياسية التي تشكلت في سنوات ما بعد الحرب. (5)
كيف احتفظ حزب الله بسلاحه بعد حل الميليشيات؟
تطرح تجربة عام 1991 سؤالًا آخر: إذا كان اتفاق الطائف قد نص على حل الميليشيات وتسليم أسلحتها، فكيف احتفظ حزب الله بسلاحه في المرحلة نفسها؟
يقول عادل يمين إن وثيقة الوفاق الوطني نصت على "حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر". وفي قسم آخر، تناولت الوثيقة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، ودعت إلى تنفيذ القرار 425 واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة.
وبذلك جمع الطائف بين مسارين: حصر السلاح في مؤسسات الدولة من جهة، والتعامل مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. ولم يتضمن النص نفسه مادة تسمي حزب الله أو تمنحه استثناءً صريحًا من بند حل الميليشيات.
التكييف السياسي بدل تعديل النص
يشرح يمين أن ما حصل في التطبيق كان قائمًا على التكييف السياسي. فلم يُعدّل بند حل الميليشيات، ولم يصدر قانون يقول صراحة إن حزب الله مستثنى منه، لكن الحزب جرى التعامل معه بوصفه "مقاومة" تعمل ضد الاحتلال الإسرائيلي، وليس بوصفه ميليشيا تخضع للمسار نفسه الذي خضعت له بقية التنظيمات المسلحة.
وتشير دراسات تناولت مرحلة ما بعد الحرب إلى أن حزب الله سُمح له عمليًا بالاحتفاظ بسلاحه ومواصلة عملياته ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب، بينما جرى نزع سلاح معظم الميليشيات الأخرى. ورافق هذا المسار دخول الحزب إلى البرلمان عام 1992 مع استمرار نشاطه العسكري.
ومن هنا، يرى يمين أن الاستثناء نشأ في التطبيق السياسي والأمني لترتيبات الطائف، وليس من تعديل قانوني صريح لمبدأ حل الميليشيات.
من 1996 إلى ما بعد الانسحاب الإسرائيلي
تطورت هذه الوضعية خلال السنوات التالية. ففي أبريل/ نيسان 1996، أنهى "تفاهم نيسان" جولة من المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، ووضع قواعد تتعلق بعدم استهداف المدنيين وعدم استخدام المناطق المأهولة لإطلاق الهجمات، مع إنشاء مجموعة مراقبة ضمت لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وسوريا. وتناول التفاهم "المجموعات المسلحة في لبنان" من دون أن يسمي حزب الله، لكنه أدخل نشاطها العسكري عمليًا ضمن ترتيب دولي لمراقبة قواعد الاشتباك.
ثم جاء الانسحاب الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان في مايو/ أيار 2000 ليغير طبيعة النقاش الداخلي بشأن استمرار السلاح. واستمر حزب الله في ربط دوره العسكري بمواجهة إسرائيل وبقضايا بقيت موضع نزاع، وفي مقدمتها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
وفي 2 سبتمبر/ أيلول 2004، صدر قرار مجلس الأمن 1559 داعيًا إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع أسلحتها، وإلى بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها. وبعد حرب عام 2006، جاء القرار 1701 ليضيف إطارًا جديدًا للترتيبات الأمنية في الجنوب.
ومنذ مرحلة ما بعد عام 2005، أصبح سلاح حزب الله موضوعًا دائمًا على طاولات الحوار والنقاش حول "الاستراتيجية الدفاعية"، كما ظهرت في البيانات الوزارية صيغ سياسية تعترف بدور "المقاومة". وهكذا انتقلت القضية تدريجيًا من ترتيبات إنهاء الحرب في مطلع التسعينيات إلى واحد من أبرز ملفات الخلاف السياسي والدستوري في لبنان.
ماذا أغلق العفو.. وما الذي بقي مفتوحًا؟
ساعد قانون العفو في إنهاء عدد كبير من الملاحقات الجزائية المرتبطة بالحرب، وساهم في تهيئة الإطار القانوني لانتقال مقاتلين وقوى شاركت في النزاع إلى الحياة المدنية والسياسية. لكن معالجة إرث الحرب سلكت مسارًا مختلفًا في ملفات الحقيقة والمفقودين والمساءلة وجبر الضرر.
ويرى المركز الدولي للعدالة الانتقالية أن مرحلة ما بعد الحرب اللبنانية اتسمت بما وصفه بـ"سياسة النسيان"، إذ لم يصاحب العفو مسار متكامل لكشف حقيقة الانتهاكات أو تحديد مصير المفقودين أو محاسبة المسؤولين عنها.
وتشير تقديرات أوردها المركز إلى مقتل نحو 144 ألف شخص خلال الحرب وإصابة ما يقارب 198 ألفًا، بينما تبنت الدولة اللبنانية بعد الحرب رقم 17,415 مفقودًا أو مختفيًا. إلا أن المركز نفسه ينبه إلى أن الرقم الأخير محل خلاف، وربما شمل أسماء مكررة أو أشخاصًا عادوا لاحقًا أو عُثر على رفاتهم، ولذلك لا يمكن التعامل معه بوصفه إحصاءً نهائيًا.
وبقي ملف المفقودين واحدًا من أكثر آثار الحرب استمرارًا. فعاشت آلاف العائلات سنوات من دون معرفة مصير أبنائها، وترافقت حالة الغياب مع آثار قانونية واقتصادية ونفسية واجتماعية، كان لها تأثير خاص في زوجات المفقودين وأطفالهم.
وشُكلت منذ عام 2000 لجان رسمية للنظر في القضية، من دون الوصول إلى كشف شامل للمصير. وبعد سنوات من تحركات العائلات ومنظمات المجتمع المدني، أقر مجلس النواب في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 القانون 105 الخاص بالمفقودين والمخفيين قسرًا، والذي أنشأ هيئة وطنية مستقلة للتحقيق في مصيرهم. وفي يونيو/ حزيران 2020، عينت الحكومة أعضاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا.
وفي مقاربات العدالة الانتقالية، تتوزع معالجة إرث النزاعات على أكثر من مسار: كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، ووضع ضمانات تقلل احتمال تكرار الانتهاكات. ومن هذه الزاوية، عالج عفو 1991 جانب الملاحقة الجزائية، بينما بقيت ملفات أخرى من إرث الحرب بحاجة إلى آليات منفصلة.
وتظهر قضية المفقودين حدود التسوية التي أُنجزت بعد الحرب بصورة خاصة. فقد انتهت المواجهات العسكرية وانتقلت القوى الرئيسية إلى نظام سياسي جديد، فيما بقيت عائلات كثيرة من دون جواب نهائي عن مصير أبنائها بعد عقود من انتهاء القتال.
بعد 35 عامًا، عاد لبنان إلى أداة العفو، لكن في سياق مختلف. فالأسباب الموجبة لقانون 2026 تركز على طول أمد التوقيف والمحاكمات وأزمة السجون وتعطل عمل القضاء، وتقر في الوقت نفسه بأن العفو لا يشكل بديلًا عن الإصلاح القضائي وإصلاح السجون.
لا تجعل هذه الفوارق تجربتي 1991 و2026 متطابقتين. لكن عودة العفو تطرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة: ما الذي يستطيع القانون أن يغلقه، وما المشكلات التي تبقى قائمة بعد إسقاط الدعوى أو العقوبة؟
في تجربة 1991، أُغلقت صفحة واسعة من الملاحقات المرتبطة بالحرب، وانتقل لبنان إلى نظام سياسي جديد دخلت فيه قوى وشخصيات من زمن النزاع. في المقابل، بقيت ملفات الحقيقة والمفقودين والضحايا خارج التسوية الجزائية نفسها. وربما يفسر ذلك لماذا يعود عفو 1991 إلى النقاش كلما عاد لبنان إلى العفو العام، حتى عندما تختلف القضايا والمستفيدون والظروف.