الأربعاء 10 يوليو / يوليو 2024

علّق على المذبحة في غزة.. عزمي بشارة: الدول العربية قادرة على التأثير

أكد المفكر العربي عزمي بشارة أن إسرائيل تستهدف المدنيين ضمن سياسة تدفيع ثمن لها أهداف
أكد المفكر العربي عزمي بشارة أن إسرائيل تستهدف المدنيين ضمن سياسة تدفيع ثمن لها أهداف
علّق على المذبحة في غزة.. عزمي بشارة: الدول العربية قادرة على التأثير
علّق على المذبحة في غزة.. عزمي بشارة: الدول العربية قادرة على التأثير
الإثنين 23 أكتوبر 2023

شارك

اعتبر المفكّر العربي عزمي بشارة، مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن المقاومة في قطاع غزة يجب أن تتحضر لأسوأ السيناريوهات الممكنة، مشيرًا إلى أنّ هناك حالة من الحيرة والارتباك في إسرائيل بعد الإذلال الذي حدث في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

وشدّد بشارة في حديث خاص إلى "العربي"، على وجود حاجة إلى موقف وتحرك عربي في مواجهة المذبحة المستمرّة في غزة، لافتًا إلى أنّ ما يجري في القطاع المُحاصَر ينسف فكرة إمكانية تهميش القضية الفلسطينية، التي خلقها مسار التطبيع في الآونة الأخيرة.

وفيما لاحظ أنّ التحول الذي حصل عند بعض القيادات العربية جاء بعد تحرك الشارع العربي وقصف مستشفى المعمداني في غزة، شدّد على أنّ الدول العربية قادرة على التأثير فيما يجري في قطاع غزة إذا اتخذ حُكّامها خطوات جدية ومشتركة ضد إسرائيل.

وإذ استغرب بشارة أنّ الموقف الرسمي العربي لم يطالب بوقف العدوان منذ اليوم الأول، رأى أنّ كلّ ما يجري في غزة يجب أن يكون خطًا أحمر وليس التهجير فقط.

وأكد أنّ إسرائيل تستهدف المدنيين ضمن سياسة تدفيع ثمن لها أهداف، معتبرًا أنّ الأسرى في غزة لا يشكلون أولوية عند القادة الإسرائيليين، وجازمًا أنّ مشوار رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو السياسي "انتهى".

وفي حين لفت إلى أنّ حدة الاشتباكات على الجبهة الشمالية تزداد بشكل مستمر وقد تصل فعلاً إلى حالة حرب، رجّح ألا تمانع إيران دخول حزب الله اللبناني على خط الحرب إذا ما اتخذ قرارًا بذلك.

وتوقف بشارة عند تغطية الإعلام الغربي للتطورات في غزة، حيث لاحظ أنّه "تجنّد لدعم إسرائيل وعمل على تغييب السياقات في نقل ما يجري"، مشدّدًا على وجوب "محاسبة" هذا الإعلام على طبيعة تغطيته.

أكد المفكر العربي عزمي بشارة أن ما يجري في غزة ينسف فكرة إمكانية تهميش القضية الفلسطينية
أكد المفكر العربي عزمي بشارة أن ما يجري في غزة ينسف فكرة إمكانية تهميش القضية الفلسطينية

إسرائيل بعد 7 أكتوبر.. إذلال وحيرة وارتباك

انطلق الدكتور بشارة في حديثه لـ"العربي" من تفنيد الواقع في إسرائيل، بعد عملية "طوفان الأقصى" التي قادتها فصائل المقاومة في السابع من أكتوبر، فتحدّث عن "جرح نرجسي هائل" أحدثته هذه العملية لدى الساسة الإسرائيليين. وأوضح أنّ هناك حالة من الحيرة والارتباك نشأت لدى هؤلاء بعد الضربة المفاجئة التي حصلت، والتي يعتبرها الإسرائيليون "نوعًا من الإذلال".

ولفت بشارة إلى أنّ هذه الصدمة ولّدت سلسلة من ردود الأفعال الغاضبة، التي انطوت على العديد من العوامل، ومن بينها الانتقام ومحاولة استعادة الهيبة، مشيرًا إلى أنّهم عملوا بناءً على ذلك على إعداد خطّة بعيدة المدى، لا تقف عند حدود القصف واستنزاف الشعب الفلسطيني وحركات المقاومة في غزة فحسب، بل تشمل أيضًا وضع تصوّر لما يسمّونه بالوضع الأمني الجديد ما بعد هذه المرحلة.

وبالحديث عن هذا الوضع الجديد، شرح بشارة أنّ الإسرائيليين يعتبرون أنّه لا يمكن العودة إلى 6 أكتوبر، أي مرحلة ما قبل عملية "طوفان الأقصى"، وأنه يجب أن ينشأ وضع جديد، وهو ما يتطلب وفق تقديرهم، توجيه ضربة عسكرية قوية لحركات المقاومة وقياداتها، وهم يسمّون بالاسم الأشخاص المرشحين للاغتيال، علمًا أنّ سياسة الاغتيالات ليست جديدة على القادة الإسرائيليين.

وفيما شدّد على أنّ "هذا ما يفكّرون به ويخططون له"، لفت إلى أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّهم سينجحون في تحقيقه. ومع تأكيده أنّهم "جدّيون" في مخطّطهم، أشار إلى أنّهم ليسوا وحدهم على الساحة، فهناك حركات المقاومة المستمرة، ولكن هناك أيضًا عوامل جديدة دخلت على الخط، في ضوء الحشود التي شهدتها العديد من المدن والعواصم العربية تضامنًا مع غزة، ولكن أيضًا الحراك في العالم، خصوصًا بعد مجزرة مستشفى المعمداني في غزة.

ولفت في هذا السياق إلى وجود عناصر قد يصعب عليهم حسابها، من بينها حجم المقاومة التي ستواجههم عند دخول غزة، وكذلك الجبهة الشمالية وما يمكن أن يفعله حزب الله، متحدّثًا عن "كمّ من عدم اليقين إزاء ذلك"، وهو ما يفسّر برأيه تردّدهم في المضيّ بالعملية البرية.

كما أشار إلى وجود عنصر أخير يتمثّل في الضغط الإسرائيلي الشعبي بشأن الأسرى والرهائن، معتبرًا أنّ هذه المتغيرات كلها تتحكم بنجاح الخطة أو عدم نجاحها. لكنّه لفت أيضًا إلى تشكّل "إجماع إسرائيلي" رأى أنّه غير مسبوق منذ ما قبل حرب 1967، ملاحظًا في هذا السياق أنّ الساسة الإسرائيليين يستخدمون لغة تعبوية لاستعادة المعنويات، لأن الصدمة أحدثت حالة من فقدان التوازن إلى حدّ بعيد.

F9EhR2TXgAA-hOc.jpg

سيناريوهات العملية البرية والضوء الأخضر الأميركي

ورأى الدكتور بشارة أنّ العقلانية لا تعمل في الوقت الحالي، رغم وجود بعض الأصوات التي تدعو للتفكير بنتائج العملية البرية وإسقاطاتها، بالاستناد إلى التجارب الأخرى في العالم.

واستبعد أن يكون عدد كبير من الضباط الإسرائيليين يعترضون على العملية البرية، موضحًا أنّ الأصوات الرئيسية في قيادة الجيش كلّها تدعو إلى إنهاء موضوع العملية البرية، وهو ما يؤكد عليه السياسيون أيضًا في مكانٍ ما، لافتًا إلى وجود ضغط عسكري على السياسيين من أجل اتخاذ القرار.

كما أشار إلى وجود ضوء أخضر أميركي غير مسبوق من أجل القضاء على حركة حماس، تحت شعار الدفاع عن النفس، لافتًا في الوقت نفسه إلى وجود بعض الخداع الذاتي في هذا الشأن بشأن اليوم التالي للعملية البرية.

واعتبر بشارة أنّ الإسرائيليين غير مهتمين كثيرًا في موضوع حياة الأسرى، حيث إنّ حياة الأسرى تخضع للهدف وهو القضاء على حركة حماس، وهو ما يبرزه سلوك الإسرائيليين منذ الأيام الأولى، حيث لا يعتبرونه أولوية ولو قالوا عكس ذلك.

وفيما أعرب عن اعتقاده بأنّهم سيدّعون أنّهم داخلون إلى غزة لتحرير الأسرى، شدّد على أنّ هذا الأمر لا يحتلّ المرتبة الأولى بالنسبة إليهم، بمعنى أنّهم لن يُخضِعوا العملية العسكرية لمفاوضات تبادل الأسرى أو غير ذلك.

ولفت إلى أنّ الانتظار طويلًا والاستمرار في القصف قد لا يشكّل مصلحة لإسرائيل لأكثر من سبب، إذ من شأنه أن يزيد من احتمالية ارتكاب جرائم حرب، ما قد يؤثر على الرأي العام العالمي، مشيرًا كذلك إلى أنّ حدة الاشتباكات على الجبهة الشمالية تزداد يومًا بعد يوم، وقد تصل فعلًا إلى حالة حرب، ما يعقّد الأمر أكثر على إسرائيل.

ما يحصل في الضفة نضال حقيقيّ بطوليّ

وتطرق مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في سياق حديثه لـ"العربي"، إلى ما يجري في الضفة الغربية، حيث لفت إلى أنّ الطابع الرئيسي للنضال في الضفة مدني، في ظل السلطة الفلسطينية، وفي ظل وجود إسرائيل نفسها التي تدخل إلى مدن الضفة كيفما تشاء، مع تأكيده وجود حركات مقاومة في الضفة أيضًا.

ورأى أنّ عدد الشهداء في الضفة منذ السابع من أكتوبر صادم بكل المقاييس، مشيرًا إلى أنّ ما يجري في الضفة انطلاقًا من ذلك يرقى لمستوى الانتفاضة. وفيما تحدّث عن ظلم يلحق بالضفة نسبيًا، بسبب غياب التغطية الكثيفة لما يحصل فيها قياسًا مع عمليات القصف على غزة، شدّد على أنّ ما يحصل في الضفة هو نضال حقيقي بطوليّ، بكل معنى الكلمة.

وأكّد الدكتور بشارة أنّ إسرائيل تستهدف المدنيين خلافًا لكلّ البروباغندا الأجنبية التي تحاول تصوير الأمر بشكل مغاير، متسائلًا عمّا يعنيه إطلاق النار على المتظاهرين الشباب في الضفة، علمًا أنّ تاريخ إسرائيل قائم على استهداف المدنيين منذ النكبة لمعاقبتهم وتخويفهم وصولاً لتشريدهم وتهجيرهم.

وأشار إلى أنّ الإسرائيليين يتحدّثون بشكل واضح في ندواتهم وخطاباتهم عن معاقبة الشعب والمدنيين، معتبرًا أنّ مقولة "التمييز" بين حركة حماس والشعب الفلسطيني التي يردّدها البعض في الغرب هي مقولة عليها آلاف علامات الاستفهام. وأوضح أنّ ما يجري في الضفة هو دليل على أنّهم يستهدفون المدنيين، وهو ما تثبته أيضًا مجزرة مستشفى المعمداني في غزة.

كلّ ما يجري في غزة يجب أن يكون خطًا أحمر وليس التهجير فقط، والدول العربية قادرة على التأثير فيما يجري في قطاع غزة إذا اتخذ حُكّامها خطوات جدية ومشتركة ضد إسرائيل

وفيما تحدّث عن عامل عنصري يتعامل به الإسرائيليون مع الفلسطينيين، على طريقة "التفوّق"، فضلًا عن مقولة إنّ "أطفالهم ليسوا كأطفالنا" وغير ذلك، أشار إلى أنّ من يحتلون الشاشات اليوم هم الذين كانوا يتظاهرون ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وضدّ مشروع الإصلاحات القضائية الذي كان يعمل عليه في السابق.

وفيما لاحظ أنّها المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يُهاجَم فيها رئيس الوزراء منذ الأيام الأولى للحرب، بل يُطالَب بالاستقالة، تحدّث عن محاولة لاستعادة وحدة المجتمع الإسرائيلي خلف العقيدة القتالية، أي الجيش، وليس خلف المستوطنين، أو اليمين الديني الذي لا يصلح أن يقود الدولة في زمن الحروب.

ومع أنّ الخطاب السياسي لا يزال نفسه، فإنّ من يحملونه هم الذين كانوا يتظاهرون ضدّ الحكومة اليمينية المتطرفة، بحسب ما أكد بشارة، جازمًا أنّ العمر السياسي لنتنياهو انتهى، بمعزل عمّا إذا كانت هناك لجان تحقيق ستشكّل بعد الحرب لدرس حجم مسؤوليته. وجدّد القول إنّ المطالبات باستقالته كرئيس وزراء في فترة الحرب غير مسبوقة، كما أن هناك أغلبية داعمة لهذا التوجه وفق كل الاستطلاعات.

استغرب بشارة أنّ الموقف الرسمي العربي لم يطالب بوقف العدوان منذ اليوم الأول
استغرب بشارة أنّ الموقف الرسمي العربي لم يطالب بوقف العدوان منذ اليوم الأول

الموقف العربي الرسمي ووقف العدوان على غزة

من جهة ثانية، نوّه المفكر العربي عزمي بشارة باعتبار خطط التهجير "خطًا أحمر"، لكنّه سأل عن مغزى هذه المعادلة، متسائلًا عمّا إذا كان ما قبل التهجير خطًا أخضر مثلًا، وهو ما يشمل عمليات القصف، والمجازر التي يرتكبها الإسرائيليون، ومنها مجزرة مستشفى المعمداني.

واستغرب بشارة كيف أنّ الحكومات العربية باستثناءات قليلة جدًا، وفق قوله، لم تطالب بوقف إطلاق النار منذ اليوم الأول للعدوان، بل إنّ ما انتشر على لسان الساسة العرب كان عدم توسيع ساحة الصراع، بمعنى عدم دخول إيران وحزب الله، وهو للمفارقة مطلب أميركا.

ولفت إلى أنّ كلّ ذلك كان يحصل فيما المذبحة التي تنظّم بحق الشعب الفلسطيني بهدف قتل المدنيين كانت تتزايد وطأتها، قبل الوصول إلى الرقم المهول، الذي اقترب من خمسة آلاف شهيد، في غضون أسبوعين فقط.

ورأى أنّ التحول في موقف القيادات العربية المسؤولة التي تظهر الآن وتقود الحملة الدولية وتنظم المؤتمرات، حصل بعد تحرك الشعوب العربية، أو ربما بعد المذبحة الكبرى بقصف مستشفى المعمداني. وأعرب عن اعتقاده أنّ هذا التحرك جاء لاحتواء الشارع إلى حد بعيد، ملمحًا في الوقت نفسه إلى أنّ بعض القيادات العربية لا تزال غائبة عن هذه الحملة، وكأنها فعلاً تريد إخضاع حركة حماس.

وفيما لفت إلى أنّ دوافع الناس التي تخرج إلى الشارع في منتهى النبل والصدق، ولا سيما أنّ قضية فلسطين هي مكان تجمّع شرعي للناس، أشار إلى أنّ الأنظمة لا تحبّ ذلك، ولو كان من الجيد أنّ التحركات أثّرت في بعض المواقف الرسمية.

وأعرب عن اعتقاده بأنّ هؤلاء القادة قادرون على تأدية دور مهم جدًا بتغيير الحسابات الإسرائيلية، خصوصًا إذا اتخذوا مواقف مشتركة وجدية حقيقية تبدأ بإغلاق السفارات مثلًا، مستغربًا ما يحكى عن مخاوف لدى هذه الدول من مصير التحالف مع الولايات المتحدة، متسائلًا عمّا إذا كانت واشنطن يمكن أن تفرّط بحلفها مع كل هذه الدول إذا كان موقفها موحّدًا.

وبالحديث عن مؤتمر السلام في القاهرة، الذي أشار إلى أنّ عنوانه يدلّ على أنّ العرب "محبّون للسلام"، لفت إلى أنّ القادة المجتمعين لم يتمكنوا من التوصل إلى بيان ختامي، لأن الدول العربية أصرّت على شروط لم يوافق عليها الغرب، والدول الغربية أصرّت على شروط لم يوافق عليه العرب.

واعتبر الدكتور عزمي بشارة أنّ عدم صدور بيان ختامي عن المؤتمر هو مؤشر جيد وليس سلبيًا كما تراءى للبعض، لأنه يعني عدم خضوع العرب للشروط التي وضعتها الدول الغربية، وقوامها إعطاء حق غير مشروط لإسرائيل في الدفاع عن نفسها، وإدانة حماس من دون إدانة الاحتلال.

وأعرب بشارة عن خشيته من أن تفهم إسرائيل الموقف العربي المقتصر على رفض التهجير، في ظل استمرار المذبحة في غزة بهذا الشكل، وكأنّ البقاء "داخل القفص" مسموح، في إشارة إلى الوضع القائم في قطاع غزة حاليًا تحت الحصار الكامل، في وقت تزداد الأرقام، وتقلّ معها حساسيّة الناس إزاءها.

الموقف الإيراني واحتمالات دخول الحرب

وتعليقًا على الموقف الإيراني من التطورات في غزة، أشار مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أنّ إيران دولة لديها حساباتها الإقليمية، ولديها كذلك مصالحها، كما أنّها تحاول أن يكون لها دور على المستوى الإقليمي والعالمي.

ولفت إلى وجود تناقض جوهري بين إيران وإسرائيل في أيديولوجيتها منذ الثورة، مستبعدًا أن يكون هناك أيّ عملية خداع بهذا الشأن، باعتبار أنّ الصراع بين الجانبين حقيقيّ، في ظلّ خشية إسرائيل من السلاح الإيراني النووي، وهو ما يتجلى أيضًا في اغتيال العلماء الإيرانيين.

وفيما لفت إلى أنّ إيران تقوم في المقابل بتطوير وسائل لمحاربة إسرائيل كردّ فعل، ومن ضمن ذلك دعم حركات المقاومة، شدّد على أنّ ذلك لا يعني أنّ حركات المقاومة هي مجرد أذرع لإيران، أو أنّ ما تقوم به حماس هو بتخطيط إيراني، ولا سيما أنّ الحركة لا تختار من يدعمها، وهي لا تستطيع أن ترفض دعمًا، خصوصًا إذا لم يكن هناك غيره متوافرًا.

وذكّر بشارة أنّ المزعج في إيران بالنسبة للعروبيين الديمقراطيين هو أنّها تراهن على أيديولوجيا طائفية في المنطقة، وهو ما يقسّم المجتمعات العربية، لكنّه أكد أنّ الإيرانيين لا يريدون أن يخسروا غزة كحليف في الصراع مع إسرائيل، وإن لم تتّضح كيفية تحقيق ذلك بعد.

الأسرى في غزة لا يشكلون أولوية عند القادة الإسرائيليين، ومشوار رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو السياسي "انتهى"

وقال: "ربما لا يوجد قرار واضح بذلك حتى الآن، لكن كلما اقتربت المعركة، وشعروا أنّهم سيخسرون غزة، التي تُعتبر باللغة الطائفية السائدة عربيًا الحليف السنّي الوحيد لإيران، فقد لا يمانعون أن يدخل حزب الله على الخط، إذا ما اتخذ قرارًا بذلك".

وأوضح أنّه لا يرجّح ذلك بالضرورة، لكنّه قال إنّ هذا الاحتمال قائم، مضيفًا: "جيّد أنّ إسرائيل تعتقد أن هذا الاحتمال وارد وتعمل جهدها لتجنّبه".

ولفت إلى أنّ الخطوط العسكرية الإسرائيلية رجعت حوالي 5 كيلومتر عن الحدود، لتبتعد عن الاصطدام المباشر مع حزب الله، وهذا يعني أنّها تريد تجنب المعركة، وهو ما يعني أنّ التصعيد في الشمال أمر لا تريده تل أبيب، وهو يضرّها.

ولاحظ أنّ كل الحروب التي خاضتها إسرائيل على عدة جبهات كانت مع جيوش نظامية، وبالتالي فإنّ كل الحسابات مختلفة في هذه الحالة، ولذلك فهم يكادون يقولون إننا لا نريد فتح الجبهة الشمالية. واعتبر أنّ الواضح أنّ إيران ليس لديها قرار بذلك حتى الآن، لكنها لن تمانع على الأرجح إذا اتخذ حزب الله قرارًا بالدخول في الحرب.

الموقف التركي "غير مُرضٍ".. ماذا عن الموقف الأميركي؟

وبالانتقال إلى الموقف التركي من الحرب الإسرائيلية على غزة، فإنّ الدكتور عزمي بشارة وصفه بـ"غير المرضي"، لا بالصيغة ولا بالنبرة، وكان يمكن أن يكون أفضل صيغةً ونبرة.

وفيما أشار إلى أنّ هذا الموقف المستغرب من الواضح أنه يعبّر عن خيارات، لفت إلى أنه تحسّن في الأيام الأخيرة، بالتوازي مع التحسن في موقف بعض القيادات العربية. واعتبر أن الموقف في تركيا يفترض أن يكون مغايرًا، ولا سيما أنّ مصالحها مع المشرق ومع العالم العربي ومع العالم الإسلامي.

وتحدّث بشارة عن انزياح واضح في تركيا نحو الغرب منذ الانتخابات الأخيرة، لكنه أشار إلى أننا اليوم أمام حالة استثنائية كانت تتطلب موقفًا مختلفًا من أنقرة، ولا سيما في ظل وجود خطط لنكبة ثانية للشعب الفلسطيني.

أما موقف الرئيس الأميركي جو بايدن الداعم بالمطلق لإسرائيل، فربطه المفكر العربي عزمي بشارة بأكثر من عامل، منها أنّ بنية الرؤساء الأميركيين منذ الثمانينيات تعتبر أنّ العلاقة مع إسرائيل غير مشروطة، وتقوم على وجوب الحفاظ على تل أبيب بتفوقها النوعي على محيطها.

ولفت في هذا السياق إلى بعض المواقف التي سبق أن أطلقها الرئيس الأميركي والتي تثير الكثير من الجدل، منها على سبيل المثال قوله إنه "ليس بالضرورة أن تكون يهوديًا لتكون صهيونيًا"، أو قوله مؤخرًا إنّه "لو لم تقم إسرائيل لما كان اليهود آمنين في أيّ مكان في العالم"، متسائلًا عمّا إذا كان ذلك يعني أنّ الرئيس الأميركي يقول إنّه لو لم تقم إسرائيل، لما كانت الولايات المتحدة نفسها آمنة لليهود.

وأوضح أنّ توجّه الرئيس الأميركي صادم ومفاجئ، وهو يكاد يعتبر إسرائيل كأنّها "إحدى الولايات الأميركية"، مستغربًا كيف يصدّق الرواية الإسرائيلية ويتبنّاها بالمطلق. وتساءل عن فحوى الأدلة التي قال إنّه اطّلع عليها ليقول إنّ الطرف الآخر هو من ارتكب مجزرة المعمداني، وكيف وجّه الاتهام لسرايا القدس على وجه التحديد.

ورأى أنّ الواضح أن بايدن يريد أن يصدّق، وهذا كلّ ما في الأمر، معتبرًا أنّه "من المعيب على رئيس أكبر دولة في العالم أن يتواطأ مع الكذب"، في حين أنّ القضية واضحة، ولا سيما أنّ المستشفى الذي تعرّض للقصف كان قد تلقى إنذارات ثلاث مرات، وهو ما يؤكد أنّ إسرائيل أعربت عن نيّتها بقصفه.

رأى بشارة أن المقاومة في قطاع غزة يجب أن تتحضر لأسوأ السيناريوهات الممكنة
رأى بشارة أن المقاومة في قطاع غزة يجب أن تتحضر لأسوأ السيناريوهات الممكنة

حين "تجنّد" الإعلام الغربي لدعم إسرائيل وغيّب السياقات

وفي سياق غير بعيد، لفت الدكتور بشارة إلى صعود اليمين الأوروبي واختلاط الموقف من قضية فلسطين مع الموقف من قضية الهجرة وبدء التشديد على هوية أوروبا، وهو ما يقود أيضًا إلى التشديد على الهوية الغربية، التي تعتبر مشتركة في الغرب مع إسرائيل.

وأشار إلى أنّ ما يجري الآن قد يؤدي إلى كسر في العلاقة بين العرب والغرب، موضحًا أنّ حجم التضامن العربي والشعور بالظلم والغبن كبير جدًا، في ظل غضب شديد من الموقف الأميركي والأوروبي، خصوصًا مع الأداء الذي أظهره الإعلام الغربي.

ولفت إلى غياب كلمة "ضحايا" وليس "شهداء" في مقاربة الإعلام الغربي للأحداث في غزة، وكأنّ الموت في فلسطين هو "قضاء وقدر"، حتى إنّ الإعلام الغربي يتجنّب القول إنّهم "قُتِلوا" (were killed)، بل يتحدث عن موتهم فقط ("died" و"death").

كما لاحظ أيضًا تغييب الإعلام الغربي الكامل لسياق الأحداث الحقيقي في تطورات غزة، بل إنّه حين يتحدّث عن قصف إسرائيلي واستهداف للمدنيين، يربط ذلك بعملية "طوفان الأقصى"، وكأنّ كل ما يجري هو رد على "7 أكتوبر"، متجاهلاً أنّ تلك العملية بحدّ ذاتها هي رد على تراكمات في ممارسات إسرائيل، بدءًا من الاحتلال إلى الحصار والاستيطان.

وفيما لفت إلى أنّ الإعلام الغربي تجنّد لدعم إسرائيل وعمل على تغييب السياقات في نقل ما يجري، أشار إلى أنّه قارب الشهداء الفلسطينيين على أنهم "أرقام" وليس أكثر من ذلك، حيث غابت قصصهم كما غابت صور الأطفال، خلافًا لما حصل مع الطرف الآخر.

وشدّد على عدم جواز القبول بهذا الأداء، وعلى وجوب فتح نقاش به، وصولًا إلى المحاسبة، داعيًا إلى التماسك من أجل نقاش موضوعي بهذه المسائل والأمور. وقال: "يجب أن تتم محاسبة الإعلام الغربي على طبيعة تغطيته لما يجري في غزة".

وتحدّث المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن "إرهاب فكري" يُمارَس غربيًا ضد كل من يجرؤ على التضامن مع الفلسطينيين في قطاع غزة.

ولفت بشارة إلى أنّ فكرة الاستعمار والمظلومية التاريخية لم تترسخ في العلاقات العربية الغربية، وهو ما يفسّر ربط ما يحدث اليوم بما جرى في الأيام الـ15 الأخيرة فقط، بعيدًا عن كل المعطيات التاريخية.

وأشار إلى غياب أيّ حوار مبدئي حقيقي مع الغرب حول هذه المسائل طيلة السنوات الماضية، وبالتالي غياب أي نقاش في العمق حول الظلم التاريخي الذي لحق بالفلسطينيين، ووجوب إحقاق العدالة ولو النسبية للشعب الفلسطيني.

وشدّد على أنّه على المستوى الشخصي يتمسّك دائمًا بالتشديد على هذا الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني منذ النكبة عام 1948، وليس منذ حرب 1967 كما يوحي البعض.

"انتفاضة في ظروف 2023"

وبالعودة إلى الداخل الفلسطيني، لفت بشارة إلى أنّ للانتفاضتين الأولى والثانية ظروفهما، فالأولى تمّت في ظلّ الاحتلال، فيما الثانية حصلت بمشاركة السلطة الفلسطينية، أيام الرئيس السابق ياسر عرفات.

وأشار إلى أنّ السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات كان لها ضلع في الانتفاضة الثانية، وكانت منخرطة فيها، لكن هذه الظروف تغيّرت بعد ذلك، ولا سيما أنّه لم يعد هناك من صدام مباشر مع الاحتلال، إن جاز التعبير.

وانطلاقًا من ذلك، رأى بشارة أنّ الهبّة القائمة حاليًا في الضفة يمكن اعتبارها انتفاضة في ظروف 2023، وفي ظلّ وجود سلطة وأجهزة أمنية بهذا الشكل، ولا سيما أنّ التظاهر الآن قد يكون ثمنه القتل. واعتبر أنّ ما يجري الآن في الضفة تضامن بطولي وحقيقي مع غزة.

وبالحديث عن الوضع داخل أراضي 1948، لفت إلى أنّه يعرف إمكانيات الناس وظروفهم في هذه المناطق، ولا سيما أنّ عملهم كمواطنين في إسرائيل يتركّز على حقوقهم في المواطنة ومن ضمنها البقاء على الأرض، وكذلك الحفاظ على الهوية الوطنية.

ولفت إلى أنّه حتى اليوم، يوجد ناس ما زالوا يُحاكَمون منذ هبّة الكرامة التي حصلت تضامنًا مع معركة الأقصى، ولذلك فإنّ احتمالات العصيان المدني في هذه المناطق أقلّ بكثير من مناطق الضفة الغربية، نظرًا للتشابك مع الحياة المدنية والاقتصادية في إسرائيل.

وفيما رأى أنه من الصعب التوقع من هؤلاء الناس على أراضي 1948 أمور أبعد من الاحتجاج والموقف، دعا إلى التعامل مع موقف هؤلاء بواقعية وإنصاف، وعدم التوقع منهم أكثر بكثير منهم.

المقاومة في غزة عليها أن تجّهز نفسها لأسوأ السيناريوهات التي يمكن أن يقدم عليها الإسرائيليون، بما يتضمن اقتحامات برية وربما اجتياحات وعمليات إنزال

وحول مصير ملف الأسرى في سجون الاحتلال في ظلّ المتغيّرات الجديدة، لفت بشارة إلى أنّ المشكلة الأساسية الآن هي الصمود في المعركة، مستبعدًا أن تخوض إسرائيل مفاوضات حول تبادل الأسرى في الوقت الحالي وقبل انتهاء العمليات العسكرية.

ورأى أنّ المحتجزين المدنيين "عبء"، معربًا عن اعتقاده بأنّ غالبيتهم لم تخطفهم المقاومة، بل ربما تجد صعوبة في تجميعهم وإيجادهم، باعتبار أنّ فوضى سادت توازيًا مع عملية طوفان الأقصى.

واعتبر بشارة أنّ هؤلاء عبء سياسي وأخلاقي، لكنّ إطلاق سراحهم غير ممكن من دون وقف إطلاق نار لفترات طويلة من أجل ترتيب الأمور، علمًا أنّ القصف الإسرائيلي يشكّل خطرًا على حياتهم، ولا سيما أنّ بين الأسرى أجانب، لا تريد المقاومة أن يلحق بهم أذى.

وأعرب عن اعتقاده بأن حركات المقاومة الفلسطينية كانت جاهزة لإطلاق الأسرى المدنيين، مقابل المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار، متحدّثًا عن جهود تُبذَل في هذا الإطار، لكنّها تُقابَل باستهتار إسرائيلي واضح.

ورأى بشارة أنّ المقاومة في غزة عليها أن تجّهز نفسها لأسوأ السيناريوهات التي يمكن أن يقدم عليها الإسرائيليون، بما يتضمن اقتحامات برية وربما اجتياحات وعمليات إنزال، ولا سيما أنّ المخطط الإسرائيلي هو القضاء على حركة حماس كما بات واضحًا.

التطبيع العربي وفكرة "تهميش" القضية الفلسطينية

وبالحديث عن مسار التطبيع العربي مع إسرائيل، لفت بشارة إلى أنّه يقوم على فكرة عدم وجود قضية فلسطينية، وكأنّ القضية تقتصر على تحسين شروط حياة الفلسطينيين، أي أنها ترتبط فقط بطعامهم وشرابهم، وليست قضية مبدئية جوهرية ترتبط بالاحتلال المفروض على أراضيهم.

واعتبر أنّ ما يجري في غزة ينسف إلى حدّ بعيد فكرة "تهميش القضية الفلسطينية"، لأنه يكرّس وجود شعب حقيقي على أرضه يعاني من الاحتلال.

وشدّد على أنّ المشكلة في مسار التطبيع أيضًا أنّه يجسّد انتصارًا لمنطق القوة الإسرائيلي، باعتبار أنّ العرب يقدّمون مبادرات سلام وترفضها تل أبيب، ليخضعوا في النهاية للشروط الإسرائيلية.

وحذر من أنّه في الوقت نفسه الذي يتّجه العرب أكثر فأكثر نحو التطبيع مع إسرائيل، تتّجه في المقابل هذه الأخيرة أكثر فأكثر نحو التطرف.

أكثر من ذلك، أعرب بشارة عن اعتقاده بأنّ من يطبّعون مع إسرائيل ليس موضوعهم قضية فلسطين، فهم يطبّعون مع إسرائيل لإنشاء تحالف إقليمي يعتقدون أنه يسدّ الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة في المنطقة، والعمل كلوبي موحّد في الولايات المتحدة لمنعها من التخلي عن حلفائها في المنطقة، ويعتبرون أنّ الحليف الأفضل لسدّ هذا الفراغ هو إسرائيل في وجه إيران.

وخلص إلى أن هذا التحالف هو على حساب القضية الفلسطينية وليس موجّهًا ضدّها، لكنّ القضية الفلسطينية هي في النتيجة ضحيته، إلا أنه أشار إلى أنّ مشكلته في الوقت نفسه أنه يصطدم دائمًا بالقضية الفلسطينية التي تُفشِله.

وجزم بشارة أنّ الحكّام العرب يخطئون عندما لا يأخذون في الاعتبار تفكير الشارع العربي في موضوع فلسطين، وموقفه المتضامن قطعًا مع الشعب الفلسطيني والمعادي للاستعمار بكل أشكاله.

وشدّد على أنّ الحراك الشعبي في هذا السياق مهم جدًا، ومن أهمّ آليات الحماية للشعب في غزة أن يستمرّ هذا الحراك في العالم العربي ويتصاعد.


المقابلة الكاملة مع المفكر العربي عزمي بشارة، مدير عام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، التي يعلّق فيها على المذبحة المستمرّة في غزة، ويسلّط الضوء على الواقع السياسي المحيط بها على كل المستويات، والسيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة، تجدونها في الفيديو المرفق.
المصادر:
العربي

شارك

Close