يتوجه وزير الخارجية الأميركي الجديد ماركو روبيو إلى منطقة الشرق الأوسط مطلع الأسبوع المقبل، في أول زيارة إلى المنطقة منذ توليه منصبه في إدارة الرئيس دونالد ترمب.
وروبيو هو أول وزير خارجية من أصول لاتينية في تاريخ الولايات المتحدة، ويُعتبر من صقور الإدارة الجديدة فيما يتعلق بالصين وإيران والشرق الأوسط، وهو من أشد مؤيدي إسرائيل في إدارة ترمب، إلى جوار مستشار الأمن القومي مايكل والتز.
ويشكّل الرجلان اللذان يتصدران المشهد فيما يتعلق بسياسات الولايات المتحدة في العالم، ثنائيًا منسجمًا يتميّز بأجندات متطرفة وحادة.
ويعمل روبيو أيضًا مع مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف على إنفاذ السياسة الأميركية في المنطقة التي بدأها فريق ترمب قبل توليه الرئاسة رسميًا، بالتوصل إلى اتفاق لوقف النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي، قبل يوم واحد من أداء ترمب اليمين الدستورية رئيسًا للبلاد.
ويرث روبيو سلفه أنتوني بلينكن وزير الخارجية في ولاية جو بايدن، الذي زار إسرائيل ثلاث عشرة مرة، ويشترك معه في الانحياز الواضح لها.
واستبق روبيو جولته الأولى في الشرق الأوسط التي تقوده إلى إسرائيل والإمارات والسعودية وربما دول أخرى، بآراء متشددة يحمّل فيها حركة المقاومة الإسلامية حماس مسؤولية الأوضاع في قطاع غزة، ويرفض أي دور لها في مستقبل القطاع.
روبيو يرمى الكرة في مرمى العرب
يستبق روبيو جولته أيضًا برمي الكرة في مرمى الدول العربية فيما يتعلق بمقترح ترمب القاضي بتملك قطاع غزة وتهجير سكانه، مطالبًا زعماء المنطقة الذين أعلنوا رفضهم المقترح بتقديم بديل واقعي وممكن.
فقد قال روبيو في مقابلة إذاعية الخميس الماضي إن الولايات المتحدة منفتحة على أي مقترح تقدمه الدول العربية، لكنه شدّد على أن الخطة الوحيدة هي خطة ترامب، "ولذلك، إذا كانت لديهم (العرب) خطة أفضل، فهذا هو الوقت المناسب لتقديمها". وأضاف: "نأمل أن تكون لديهم خطة جيّدة حقّا لتقديمها إلى الرئيس".
على أن انفتاح روبيو هذا لا يعني استعداده وإدارته للتراجع عن مقترح التهجير، فهو يرى أن "هذه الدول (العربية) تتحدّث عن مدى اهتمامها بالفلسطينيين، لكن لا أحد منها يريد استقبالهم"، ويضيف: "لم يفعل أيّ منها أيّ شيء من أجل غزة من هذا المنظور".
ولا يكتفي روبيو بهذا بل يوجّه اللوم لقادة المنطقة، قائلًا إن أحدًا من هؤلاء لم يعرض القيام بشيء، "وأعتقد أنه لا يمكنك أن تتجول مدّعيًا أنك مقاتل من أجل الشعب الفلسطيني، أو مدافع عنه، ولكنك غير مستعد لفعل أي شيء للمساعدة في إعادة بناء غزة".
ويضيف إن ترمب قدّم خطته لإعادة الإعمار لأن غزة "غير صالحة للسكن" في الوقت الراهن، وبهدف تشجيع الدول الأخرى التي "تتمتع بالقدرة الاقتصادية والتكنولوجية" على المساعدة أيضًا في ذلك.
تشدّد إزاء حماس
إذا كان هذا رأيه في زعماء المنطقة الذين لا يريدون تحمّل المسؤولية إزاء غزة، كما قال، فإن موقفه أكثر تطرفًا إزاء حركة حماس، فهو يرى أنه "لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط طالما أن جماعة مثل حماس تسيطر فعليًا على الأراضي، وتكون القوة الأكثر هيمنة في غزة أو في أي مكان في الشرق الأوسط".
ويقول إن "التحدي الأكبر الذي يواجه حل الدولتين لم يكن إسرائيل، بل من سيحكم تلك الدولة الثانية، ومن سيتولى المسؤولية عنها"، مضيفًا: "إذا كان المسؤولون عنها هم حماس أو حزب الله أو أي جهة أخرى من هذا القبيل، فإن هذه الجماعات هدفها تدمير الدولة اليهودية، ولا أدري كيف ستنعم بالسلام إذا كنت ستسلّم الأراضي لمجموعة هدفها المعلن هو تدمير الدولة اليهودية".
أكثر من ذلك، يسأل: "لماذا توافق أي دولة في العالم على إنشاء دولة ثانية على حدودها تحكمها عناصر مسلحة تختطف الأطفال وتقتلهم وتغتصب الفتيات المراهقات وتختطف الأبرياء وهدفها المعلن هو تدميركم؟ من سيوافق على ذلك؟"، ليستنتج أنّ "هذا هو التحدي الأساسي".
قمة خماسية استباقية
ماذا ستفعل الدول المعنية إزاء كلّ ما سبق؟ تزيد من وتيرة التنسيق فيما بينها، حيث يفترض أن تُعقد قمة مصغرة (خماسية) في الرياض تضم مصر والسعودية وقطر والإمارات والأردن، في 20 فبراير/شباط الحالي، تسبق قمة عربية طارئة تقرّر عقدها في القاهرة في 27 فبراير/ شباط.
ولا يُعرف بعد ما إذا كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سيزور البيت الأبيض لتقديم "البديل العربي" لمقترح ترمب بعد القمة المصغرة أم بعد الطارئة، خصوصًا أن مصادر رجّحت أنه لا يعتزم مقابلة ترمب إذا كانت خطة تهجير الفلسطينيين على جدول أعمال اللقاء معه، لكن ما هو مؤكد نُسب للعاهل الأردني الذي قابل ترمب قبل أيام وأكد أن القاهرة ستقدّم الرد العربي، وأن الدول العربية ستناقش ذلك في محادثات الرياض.
وتزامن هذا مع تأكيد الخارجية المصرية اعتزامها طرح تصور متكامل لإعادة إعمار قطاع غزة، وبصورة تضمن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه، وبما يتسق مع الحقوق الشرعية والقانونية لهذا الشعب.
وشدّدت الخارجية المصرية في بيان على أنّ أي رؤية لحل القضية الفلسطينية ينبغي أن تأخذ في الاعتبار تجنب تعريض مكتسبات السلام في المنطقة للخطر، بالتوازي مع السعي لاحتواء والتعامل مع مسببات وجذور الصراع، من خلال "إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، وتنفيذ حل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والتعايش المشترك بين شعوب المنطقة".
المنطقة إذًا تتهيأ لمواجهة من نوع مختلف، وبتنسيق غير مسبوق منذ سنوات لتوحيد المواقف، ويبدو أن جولة المواجهات الأولى ستبدأ بوصول روبيو، فمن هو وزير الخارجية الأميركي الذي سيبدأ علاقاته مع الدول العربية بذهنية المواجهة والصراع منذ وصوله إلى منصبه، على خلاف أغلب أسلافه الذين كانوا يتمتعون بعلاقات دافئة، خصوصًا مع دول ما يسمى معسكر الاعتدال العربي؟
ماركو روبيو.. أصول كوبية ونزعات يمينية
ولد ماركو روبيو في مدينة ميامي بولاية فلوريدا عام 1971 لأبوين هاجرا من كوبا إلى الولايات المتحدة عام 1956، خلال حكم فولغينسو باتيستا، أي قبل عامين ونصف العام على صعود فيديل كاسترو إلى السلطة في كوبا، ونالا الجنسية الأميركية عام 1975، أي بعد ولادته بنحو أربع سنوات.
عاش روبيو لعائلة من الطبقة العاملة المهاجرة، إذ كان والده نادلًا في أحد الفنادق بينما كانت والدته مدبرة منزل في فندق وكازينو إمبريال، إلا أن طموح الكوبي-الأميركي الصغير في الولايات المتحدة الكبيرة دفعه إلى التفوق في دراسته، ما حوّل حياته إلى قصة نجاح ملهمة للأميركيين من أصول إسبانية-لاتينية، وتوّجها بوصوله إلى منصب وزير الخارجية الثاني والسبعين لبلاد لم يُولد وهو يحمل جنسيتها أصلًا، وليصبح في الوقت نفسه أول وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة من أصول لاتينية.
نال روبيو درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة فلوريدا عام 1993، والدكتوراه بامتياز مع درجة الشرف في القانون من جامعة ميامي عام 1996، وتولى منصب مفوّض مدينة وست ميامي قبل أن يُنتخب في مجلس نواب ولاية فلوريدا، وفي عام 2006 أصبح أول أميركي من أصول لاتينية يشغل منصب رئيس مجلس النواب في فلوريدا، حتى عام 2008.
عمل محاضرًا في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا الدولية، قبل أن يُنتخب عضوًا في مجلس الشيوخ الأميركي عام 2011 ، وبقي فيه حتى عام 2025.
وفي عام 2015 أعلن عن حملته لنيل ترشّح الحزب الجمهوري في فلوريدا لانتخابات الرئاسة المقررة عام 2016، لكنه خسر أمام دونالد ترمب. ورغم انتقاداته لترمب في تلك الفترة إلا أنه أعلن تأييده له بل ودعمه بقوة في الانتخابات التي فاز بها على مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.
ممنوع من دخول الصين
وخلال ولاية ترمب الاولى وُصف روبيو بوزير الخارجية الافتراضي لأميركا اللاتينية، نظرًا لتأثيره الكبير على السياسة الأميركية الخارجية، خاصة في شؤون أميركا اللاتينية بالإضافة إلى الصين وإيران.
نشط في مجلس الشيوخ خلال عضويته في لجنة العلاقات الخارجية، في معارضة المفاوضات حول برنامج إيران النووي، وعُرف بمعارضته الشديدة لسياسات الرئيس الأسبق باراك أوباما في هذا الشأن، واقترح فرض مزيد من العقوبات المشدّد على طهران خلال مفاوضات فيينا.
وخلال رئاسة جو بايدن تقدّم روبيو إلى مجلس الشيوخ بمشروع "قانون إنهاء الإرهاب الإيراني" لتوسيع نطاق العقوبات على إيران، كما وجّه رسالة مفتوحة إليه حثّه فيها على تشديد العقوبات على إيران ووقف جميع مبيعاتها من النفط.
يعتبر روبيو ومستشار الأمن القومي الأميركي مايكل والتز، من أشد معارضي الصين، وبسبب آرائه ومواقفه ضدها في مجلس الشيوخ فرضت عليه بكين عقوبات مرتين، كما منعته من دخول الأراضي الصينية، ولا يُعرف بعد ما إذا رفعت بكين عقوبة منعه من دخول أراضيها بعد تعيينه وزيرًا للخارجية الأميركية.
ولروبيو آراء متطرفة من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وخلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وصف روبيو مقاتلي حماس بالحيوانات والمتوحشين، ودعا إلى قتلهم جميعًا، محمّلًا حماس المسؤولية الكاملة عن الدمار الذي لحق بغزة جراء العدوان.
وهو لا يرى أي دور محتمل لها في ترتيبات ما بعد العدوان، أو ما يسمى باليوم التالي، ويدعو لإنهاء الحركة ووجودها في قطاع غزة.
يُذكَر أنّ روبيو متزوج من جانيت دوسديبس، وهي موظفة بنك سابقة، ولهما أربعة أبناء ولدوا أميركيين على خلاف أبيهم الذي ولد كوبيًا في الولايات المتحدة قبل أن يكتسب جنسيتها لاحقًا، ويصبح أول وزير خارجية لها من أصول كوبية، وأكثر رجالات إدارتها تشدّدا تجاه بلده- الأم، وتجاه المهاجرين إليها من دول الجوار.