Skip to main content

عمّال التوصيل.. وجوه تحمل المدينة على دراجة

الجمعة 1 مايو 2026
أصبح عمال التوصيل يمثلون جزءًا من الاقتصاد الرقمي الحديث - غيتي
في المدن الحديثة، صار عامل التوصيل جزءًا من المشهد اليومي إلى درجة أنه يكاد يختفي من فرط حضوره. حيث نراه: أمام المطاعم، عند مداخل الأبنية، على الدراجات، تحت المطر، في الحر، ليلًا ونهارًا.

ما نضغط زرًا على الهاتف، حتى يتحرك شخص في مكان ما كي يوصل الطعام أو الدواء أو القهوة أو غرض صغير إلى باب البيت.

لكن، بين ضغطة المستخدم ووصول الطلب، هناك عالم عمل كامل: انتظار، سرعة، تقييم، خطر، وقود، صيانة، تطبيق، زبون، مطعم، وخوارزمية. فبات أحد أوضح وجوه العمل الجديد، لأنه يجعل اقتصاد التطبيقات مرئيًا في الشارع.


التوصيل: راحة يصنعها عامل


أعادت تطبيقات التوصيل تشكيل الحياة اليومية، إذ لم يعد الخروج ضروريًا لشراء وجبة أو دواء أو غرض بسيط، فصارت المدينة تأتي إلى البيت. غير أن هذه الراحة ليست مجانية اجتماعيًا، بل يدفع ثمنها عامل يتحرك في الازدحام، ويحمل الوقت على ظهره، ويعرف أن التأخير قد يخصم من تقييمه أو دخله.

ولا يعني ذلك أن التوصيل عمل بلا قيمة أو أن العامل ضحية دائمًا، فكثيرون وجدوا فيه فرصة دخل، خصوصًا في ظل البطالة أو ضعف الفرص. لكنه أيضًا عمل يكشف حدود النموذج الجديد: دخل متقلب، حماية غير واضحة، وتوقع دائم بالسرعة.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن منصات العمل الرقمية، رغم ما توفره من فرص، تطرح تحديات تتعلق بانتظام العمل، وانخفاض الدخل، وشروط العمل، والحماية الاجتماعية، وحرية التنظيم.


بين التطبيق والشارع والتقييم


ولا يعمل عامل التوصيل مع جهة واحدة فقط، فهو عالق بين التطبيق، والمطعم، والزبون، والطريق. حيث يحدد التطبيق الطلبات: المطعم قد يتأخر، والزبون ينتظر، والطريق يفرض ازدحامه ومخاطره. وفي النهاية، قد يتحمل العامل اللّوْم وحده.

وفي حين أن هذا الوضع يصنع ضغطًا خاصًا، فإن العامل مطالب بأن يكون سريعًا، مهذبًا، دقيقًا، متاحًا، وقادرًا على حل مشكلات لم يصنعها: عنوان غير واضح، مصعد معطل، مطعم متأخر، زبون غاضب، شرطي سير، أو عطل في الدراجة. كل ذلك يدخل في يوم العمل.

وفي عالم اقتصاد التوصيل، لا ينتهي العمل عند تسليم الطلب، وإنما هناك تقييم: نجمة، تعليق، شكوى، تأخير محسوب. وقد يبدو التقييم أداة لتحسين الخدمة، لكنه يصبح أيضًا أداة ضغط يومي على العامل، خصوصًا إذا كان دخله أو عدد طلباته أو استمراره مرتبطًا به.

ولأن العامل غالبًا لا يملك علاقة مباشرة ومتكافئة مع المنصة، يصبح الاعتراض صعبًا، فكيف له أن يثبت أن التأخير لم يكن بسببه؟ وكيف يشرح أن المطر أو الازدحام أو خطأ العنوان هو السبب؟ وكيف يواجه شكوى قد لا يسمع تفاصيلها كاملة؟


الطريق مكان للعمل


لا يعمل عامل التوصيل في مكتب أو مصنع، فمكان عمله هو الطريق الذي لا يبدو محايدًا، إذ تقع فيه: حوادث، ازدحام، حرارة، برد، مطر، حفر، توتر، وسائقون لا يرون الدراجة دائمًا. وكلما ارتبط الدخل بالسرعة، صار الخطر جزءًا من المعادلة.


تعتبر الطرقات مكان عمل عمال التوصيل الفعلي - غيتي

ويطرح هذا أسئلة بسيطة: هل تُحتسب مخاطر الطريق ضمن شروط العمل؟ من يعوض العامل عند الإصابة؟ من يدفع كلفة الصيانة؟ من يتحمل الوقود؟ ومن يحميه إذا تعطل التطبيق أو تراجع الطلب؟

ويدور الجدل الأكبر في اقتصاد التوصيل حول التصنيف: هل عامل التوصيل مستقل لأنه يختار متى يدخل إلى التطبيق؟ أم موظف فعلي لأن المنصة تحدد قواعد العمل، وتراقب الأداء، وتؤثر في الدخل؟

وهذه التساؤلات ليست قانونية فقط، فهي تحدد كل شيء: الأجر، التأمين، الإصابة، المرض، الإجازة، التعويض، وحق الاعتراض. وإذا بقي العامل في المنطقة الرمادية، فقد يحصل على مرونة ظاهرية، لكنه يخسر الضمانات التي تجعل العمل قابلًا للاستمرار.

وعيد العُمّال، يُذكّرنا عامل التوصيل بأن العامل الجديد ليس فكرة تقنية مجردة. إنه شخص يمر أمامنا كل يوم، يحمل حقيبة على ظهره، ويعبر المدينة كي تصلنا راحتنا في موعدها.

والسؤال ليس فقط كم ندفع مقابل الطلب، بل من يدفع كلفة السرعة التي اعتدناها؟

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة