في ستينيات القرن العشرين، أنشأ العراق برنامجًا نوويًا طموحًا. وبعد عقود من التطور التكنولوجي والعلمي، ومع اكتمال تأميم ثروته النفطية عام 1975، استغلّت بغداد إمكانياتها البشرية العلمية لتوسيع برنامجها النووي عبر اقتناء مفاعل سعيًا لدخول النادي النووي العالمي.
لكنّ إسرائيل استغلّت الحرب الإيرانية العراقية، للقضاء على طموح العراق النووي، وشنّت في 7 يونيو/ حزيران 1981 عملية أُطلق عليها إسم "عملية أوبرا" أو "عملية بابل"، حيث قصفت مقاتلات إسرائيلية مفاعل "تموز" العراقي النووي.
ورغم امتلاك العراق دفاعات جوية وطائرات حربية وجهاز مخابرات قوي حينها، إلا أنّه أخفق في اكتشاف الهجوم والدفاع عن المفاعل النووي، ما أدى إلى تدميره بصورة شبه كاملة ومقتل 10 عراقيين ومدني فرنسي.
تأسيس البرنامج النووي العراقي
كان العراق من الدول السبّاقة في مجال الطاقة الذرية على مستوى الشرق الأوسط، حيث أنشأ عام 1956، لجنة الطاقة الذرية العراقية التي تولت بناء مركز الأبحاث النووية.
في 17 أغسطس/ آب 1959، وقّعت بغداد إبان حكم عبد الكريم قاسم، اتفاقًا مع الاتحاد السوفيتي لبناء مفاعل نووي في العراق. وبعد وصول حزب "البعث" إلى الحكم عام 1968، أكمل خبراء من الاتحاد السوفياتي عملهم في تشييد مفاعل للأبحاث النووية السلمية من نوع (IRT-2000)، بقدرة 2 ميغاواط قرب منطقة الزعفرانية جنوب بغداد.
وخلال هذه الفترة، كان عدد العاملين في البرنامج النووي العراقي قد تخطّى 1500 شخص من علماء وتقنيين وإداريين، وفي طليعتهم العالم المصري يحيى المشد الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي عام 1980 لدوره الكبير في هذا البرنامج.
ما هو مفاعل تموز؟
كان مفاعل "تموز" أو "أوزيراك" بالفرنسية، يقع في منطقة التويثة على بعد 17 كيلومتر من جنوب شرق بغداد.
وبعد زيارات متعدّدة إلى فرنسا، وافقت باريس مطلع عام 1975 على بناء مفاعلين نوويين في منطقة التويثة، الأول عُرف باسم "تموز 1" وتبلغ قدرته 40 ميغاواط، والثاني "تموز 2" بقدرة نصف ميغاواط تقريبًا (600 كيلوواط) ويُستخدم لأغراض التدريب. وكان المفاعلان مشابهين للمفاعلات النووية في مركز الأبحاث النووية التابع لوكالة الطاقة الفرنسية (CEA).
وبلغت كلفة إنشاء مفاعل "تموز" نحو 500 مليون دولار حينها، وجرى تدريب 15 عالمًا عراقيًا لإدارة المفاعل وتشغيله.
وعام 1979، أنشئ المفاعلان في التويثة، وجرت حمايتهما بحاجز ترابي ضخم على امتداد نحو 15 كيلومتر وبارتفاع 25 مترًا عن الأرض. كما بُني نفقان سريان تحتهما وسُيّجا بشباك حديدي.
وحينها، أرسلت الحكومة العراقية فريقًا من العلماء والمهندسين لتدريبهم في مركز "ساكلاي" الفرنسي على تشغيل المفاعلين.
لكن وبشكل مفاجئ، قرّرت باريس تغيير نوع الوقود الذي سيُستخدم في المفاعلين، حتى لا يكون للعراق القدرة على استخدام الوقود الأصلي لإنتاج سلاح نووي.
وفي هذا الإطار، استعمل الفرنسيون وقودًا نوويًا يُعرف باسم "الكراميل" الذي لا تتجاوز قدرته 18%، بدلًا من وقود ذي قدرة عالية بحدود 80%.
إيران تستهدف مفاعل "تموز"
مع تصاعد حرب الخليج الأولى، شنّت إيران في 30 سبتمبر/ أيلول 1980، هجومًا جويًا باسم "السيف المحروق" على المفاعل العراقي، باستخدام طائرتين من طراز "إف-4 فانتوم".
وقصفت المقاتلات الإيرانية غرفة التحكم ومرافق الطرد المركزي والمباني المجاورة للمفاعل، خشية من أن يكون المفاعل قد تمّ تزويده بالوقود. وحينها اقتصرت الأضرار على الأبنية الفرعية وآليات تبريد المنشأة.
وعلى الفور، غادر الفنيون الفرنسيون والإيطاليون العراق، وأوشكوا على الانسحاب من المشروع قبل أن يعود بعضهم لإصلاح الأضرار في فبراير/ شباط 1981.
كيف بدأت إسرائيل التخطيط لتدمير البرنامج النووي العراقي؟
على الرغم من إعلان بغداد وباريس أنّ مفاعل "تموز" سيُستخدم لأغراض سلمية، إلا أنّ وكالات الاستخبارات الغربية روّجت لمزاعم أنّ المفاعل سيسمح للعراق بإنتاج ما يصل إلى 10 كيلوغرامات من البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة النووية سنويًا، مدعية أنّ بغداد ستتمكن من صنع 5 قنابل نووية بحلول عام 1985، وبالتالي فإنّ العراق سيكون الدولة الثانية بعد إسرائيل في هذا المجال، علمًا أنّ تل أبيب تتكتّم بشكل كبير على برنامجها النووي.
وخلال هذه الفترة، كانت تل أبيب تُخطّط لتدمير المفاعل، وقام "الموساد" بعدة عمليات تخريب واغتيال لأبرز علماء الذرّة العاملين في البرنامج النووي العراقي.
في 7 أبريل/ نيسان 1979، اخترق عملاء الموساد مخزنًا لشركة فرنسية في ميناء سين سورمير (Saint sur Mer) الفرنسي، ووضعوا فيه المتفجرات بهدف تحطيمه. لكنّ التفجير أدّى إلى أضرار محدودة فقط.
كما قام عملاء الموساد باغتيال العالم المصري الذي كان يعمل في المشروع النووي العراقي الدكتور يحيى المشدّ، أثناء وجوده في غرفته في فندق مريديان في باريس في 13 يونيو/ حزيران 1980.
وفي 13 ديسمبر/ كانون الأول 1980، اغتال الموساد المهندس المدني الاستشاري عبد الرحمن رسول بالسمّ في مقر إقامته في باريس. كما جرى تسميم الدكتور المهندس سلمان رشيد سلمان اللامي أثناء حضوره ورشة عمل في جنيف في أبريل 1981، وتُوفي على إثرها في 9 يونيو 1981.
عملية "بابل"
كان من المفترض أن يفتتح مفاعل "تموز" عمله رسميًا في 8 يوليو/ تموز 1981، إلا أنّ الحكومة الإسرائيلية في عهد رئيس الوزراء مناحيم بيغن استبقت الأمر وشنّت في 7 يونيو هجومها على المفاعل، وحوّلته إلى ركام.
وبرّر بيغن قراره بأنّه كان "لا بد من إحباط محاولة بغداد استخدام مفاعل تموز لإنتاج أسلحة نووية تستخدم ضد بلاده".
وبينما كان العراق يخوض حربه مع إيران، باغتت 8 مقاتلات إسرائيلية من طراز "إف-"15 و"إف-16" القوات العراقية، وتمكّنت من اختراق حدود دول أخرى والوصول إلى مفاعل "تموز" وقصفه.
وبينما كانت القوات العراقية تتوقّع هجومًا من الشرق، انطلقت المقاتلات الإسرائيلية من قاعدة إتزيون الجوية في صحراء سيناء عند الساعة 12:55 بتوقيت غرينتش، وحلّقت على علو منخفض فوق صحراء السعودية والعراق كي لا يتم رصدها.
وزُوّدت طائرات "إف 16" بـ16 قنبلة منها قنبلتان "غبيتان" من طراز "إم كي-84"، تزن كل منهما 2000 رطل.
وبعدما قطعت مسافة 2500 كيلومتر، وصلت المقاتلات الإسرائيلية إلى هدفها وأصابت 14 قنبلة من أصل 16 المفاعل بدقة موقعة أضرارًا جسيمة. وقُتل في العملية 11 شخصًا بينهم تقني فرنسي الجنسية.
وفي أبريل/ نيسان 2007، عرض التلفزيون الإسرائيلي العام للمرة الأولى فيلمًا وثائقيًا تضمّن صورًا التقطها الطيران الإسرائيلي خلال الهجوم على مفاعل "تموز"، كاشفًا أنّ 230 شخصًا شاركوا في هذه العملية، حيث تدرّب الطيارون الثمانية بسرية متناهية ولمدة طويلة على التحليق على علو منخفض خصوصًا فوق قبرص والبحر الأحمر، وكيف اتخذت إسرائيل جميع السيناريوهات المحتملة من الأعطال والوقود اللازم للطيران والمضادات الأرضية والأخطاء الملاحية.
ردود فعل مندّدة
أثار الهجوم الإسرائيلي الذي وُصف بأنّه أول هجوم ضد منشأة نووية بالعالم والأكثر خطورة في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي، انتقادات دولية حادة وحتى من المعارضة الإسرائيلية.
ووصفت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان، الهجوم بـ"الصادم"، فيما اعتبرته بريطانيا "انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي".
وفي 19 يونيو 1981، أدان مجلس الأمن بالإجماع في قرار حمل الرقم 487 لعام 1981 "الهجوم العسكري الذي شنّته إسرائيل"، واعترف بحقّ العراق في "إقامة برامج للتطوير التكنولوجي والنووي، والمطالبة بالتعويض عن الأضرار البشرية والمادية التي أصابت مفاعله الذي كان مخصصا للأغراض السلمية فقط".
ورغم ذلك، لم تتعرّض إسرائيل قط لهجوم انتقامي، ولم تُفرض عليها أي عقوبات من الأمم المتحدة.
من جهته، دعا الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين "جميع دول العالم المُحبة للسلام إلى مساعدة العرب بطريقة أو بأخرى في امتلاك أسلحة ذرية" لمواجهة نزعات إسرائيل العدوانية الواضحة.
إلا أنّ إسرائيل واجهت الرأي العام الذي أدانها، وقال بيغن في مؤتمر صحفي بعد أيام قليلة من الغارة: "ليس لدى إسرائيل ما تعتذر عنه".
وبعد 3 أسابيع من الهجوم، حصل حزب "الليكود" المتشدد بزعامة بيغن على تأييد ساحق في الانتخابات. وبعد بضعة أشهر، استأنفت الولايات المتحدة بيع طائرات "إف-16" لإسرائيل.
هل كان مفاعل "تموز" سلميًا أم عسكريًا؟
بحسب شهادة أستاذ الفيزياء في جامعة هارفارد ريتشارد ويلسون الذي فحص مفاعل تموز بعد عام على تدميره، فإنّ "جمع كمية كافية من البلوتونيوم للحصول على سلاح نووي باستخدام مفاعل تموز، يستغرق عقودًا وليس أعوامًا".
وأوضح ويلسون لصحيفة "ذا أتلانتيك"، أنّ المهندس الفرنسي إيف جيرارد "صمّم مفاعل تموز حصريًا كي لا يلائم صناعة القنابل".
وشدّد ويلسون على أنّ البرنامج النووي العراقي قبل عام 1981 كان سلميًا، وأنّ مفاعل تموز لم يكن غير ملائم لصنع القنابل فحسب، بل كان خاضعًا لرقابة مكثفة".
كما أكد مرة أخرى في مقابلة أُجريت معه عام 2012: "ما كان العراقيون ليطوّروا سلاحًا نوويًا في تموز. أتحدى أي عالم في العالم أن يبرهن لي كيف كان بإمكانهم القيام بذلك".