عندما بكت فرانشيسكا ألبانيزي.. محاربة شرسة في زمن الإبادة
لم تتمالك المقرّرة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، نفسها الشهر الماضي، فأجهشت بالبكاء.
التقت مشاركين في قافلة الصمود التي نظمها ناشطون تونسيون لإيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، وقالت لهم إنها جاءت لتتمنى لهم السلامة، وإنها تقدّر عاليًا خطوتهم في إسناد غزة.
ووسط ترديد المشاركين هتاف "فلسطين حرة"، أضافت المقرّرة الخاصة التي تتحدّر من إيطاليا، وهي تغالب دموعها، أن من الأهمية بمكان أن يقوموا بما يعتزمون القيام به، سواء فعلوا ذلك سيرًا على الأقدام أو باستخدام القوارب، لأن ما يفعلونه هو "من أجلنا جميعًا"، كما قالت.
تضع ألبانيزي، وهي أم لطفلين، نظارات طبية كبيرة الحجم بإطار أسود، ورغم ذلك كان بالإمكان رؤية دموعها تلمع بينما كان صوتها يختنق بالبكاء.
انطلقت قافلة الصمود برًا من تونس في التاسع من يونيو/ حزيران الماضي، بمشاركة نحو 1500 ناشط تونسي ومن مواطني بلدان المغرب العربي، في نحو 20 حافلة و350 سيارة، محمّلين بمواد غذائية وأدوية، على أمل عبور الأراضي الليبية والمصرية، والوصول إلى معبر رفح لإيصال المساعدات.
لكن قوات تابعة للواء خليفة حفتر في الشرق الليبي هاجمت المشاركين في القافلة، واعتقلت بعضهم ومنعتهم من إكمال سيرهم إلى حدود قطاع غزة.
ألبانيزي في مرمى نيران إسرائيل
تعتبر إسرائيل ألبانيزي عدوة، ومعادية للسامية، وقابلت انتخابها عام 2022 بالرفض، كما اعتبرت التمديد لها لولاية ثانية في أبريل/ نيسان من العام الجاري "عارًا وبقعة سوداء في الأمم المتحدة"، على حد تعبير مندوب تل أبيب لدى المنظمة الدولية داني دانون.
أما صحيفة "معاريف" فوصفت قرار التمديد للحقوقية الإيطالية بأنه "يوم أسود لإسرائيل".
وبسبب تقاريرها الخاصة بممارسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتصريحاتها الصحافية وكتاباتها على مواقع التواصل الاجتماعي المندّدة بجرائم إسرائيل، وضعت الولايات المتحدة ألبانيزي تحت المجهر، وطالبت مرارًا بإقالتها من منصبها.
وقبل أيام، كشفت صحيفة "واشنطن فري بيكون" أن الإدارة الأميركية طالبت في رسالة رسمية وجهتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بإقالة ألبانيزي، متهمةً إياها بـ"معاداة سامة للسامية ودعم الإرهاب".
وقالت الصحيفة إن الرسالة مؤرخة في 20 يونيو/ حزيران الماضي، وتتضمّن اتهامات لألبانيزي بادّعاء صفة محامية دولية "رغم عدم حصولها على ترخيص لمزاولة مهنة المحاماة".
وكانت مجموعة من 18 عضوًا في الكونغرس الأميركي من الحزبين قد دعت في فبراير/ شباط 2023 إلى عزل ألبانيزي من منصبها، بزعم أنها أظهرت "تحيزًا ثابتًا ضد إسرائيل".
ويأتي التصعيد الأميركي الأخير ضد ألبانيزي في أعقاب صدور تقريرها الأخير بعنوان "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية"، الذي اتهمت فيه شركات أميركية ودولية بالتواطؤ مع الاحتلال الإسرائيلي.
وبينما اتهمت المندوبة الأميركية المؤقتة لدى الأمم المتحدة، دوروثي شيا، ألبانيزي بشنّ ما وصفتها بـ"حملة غير مقبولة من الحرب السياسية والاقتصادية ضد الاقتصاد الأميركي والعالمي"، اعتبر المؤتمر اليهودي العالمي أن تقرير المقرّرة الأممية الخاصة يمثل "سردية منحازة بشدة"، ويستخدم مهمتها لترويج أجندة سياسية، بدلًا من التمسك بالمبادئ العالمية لحقوق الإنسان.
ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، ففي فبراير/ شباط 2024، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هجوم السابع من أكتوبر الذي شنّته حركة حماس بأنه "أكبر مذبحة معادية للسامية في قرننا"، فردّت عليه ألبانيزي على منصة "إكس" بالقول: "إن ضحايا 7 أكتوبر لم يُقتلوا بسبب يهوديتهم، بل ردًا على القمع الإسرائيلي".
ورغم مسارعة الخارجية الفرنسية إلى إدانة ألبانيزي واعتبارها "شخصًا غير مرغوب فيه"، فإن المقرّرة الخاصة بحقوق الإنسان التي أكدت إدانتها لما وصفته بـ"جرائم حماس"، أصرت على أن وصف ما فعلته الحركة بأنه معاداة للسامية "يحجب السبب الحقيقي وراء وقوعه"، مؤكدة أنّ الهجوم يجب فهمه في سياق عقود من القمع المفروض على الفلسطينيين.
من اقتصاد الاحتلال إلى الإبادة
عرضت ألبانيزي الخميس الماضي تقريرها الأخير عن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية خلال اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، وفيه شبّهت ما ترتكبه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بـ"أهوال يوم القيامة"، واتهمتها بالمسؤولية عن "واحدة من أقسى جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث".
ويتناول تقرير "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية" العوامل الاقتصادية للإبادة، وقالت فيه إن إسرائيل تهجّر الفلسطينيين من خلال "التدمير والعزل والمراقبة".
ووصفت مؤسسة "غزة الإنسانية" المدعومة أميركيًا بأنها "مصيدة موت مصممة لقتل أو تهجير الناس"، مؤكدة أن أكثر من 200 ألف فلسطيني فقدوا أرواحهم أو أصيبوا، بحسب الإحصاءات الرسمية.
ولفتت إلى أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يواجهون أيضًا "أكبر نزوح قسري" منذ عام 1967، مشيرة إلى أن بورصة تل أبيب ارتفعت بنسبة 213% بالدولار منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بزيادة إجمالية بلغت 125.7 مليار دولار.
وأشارت ألبانيزي إلى تورط أكثر من 60 شركة كبرى في دعم المستوطنات والعدوان، لافتة إلى أن "الإبادة الجماعية الإسرائيلية مستمرة لأنها مربحة لكثيرين"، داعية إلى محاسبة المسؤولين التنفيذيين لتلك الشركات بموجب القانون الدولي.
وقالت للمجلس: "ما أكشفه ليس مجرد قائمة، بل منظومة"، موضحة أن إسرائيل استغلت الإبادة لاختبار أسلحة وتقنيات مراقبة وحربية جديدة، مثل الطائرات المسيّرة.
وذكرت أن شركة "إلبيت سيستمز" حصلت على جائزة الابتكار من وزارة الدفاع الإسرائيلية، بينما استفادت شركة "لوكهيد مارتن" وشبكة تضم 1650 شركة من استخدام طائرات "إف-35" في وضعية "الوحش"، بقدرة حمولة تصل إلى 22 ألف كغ من الذخيرة.
وأكدت أن شركات الأسلحة حققت أرباحًا قياسية من خلال تسليح إسرائيل، مشددة على ضرورة تخلّي الدول عن "اقتصاد الاحتلال" الذي تحول إلى "اقتصاد إبادة جماعية".
شركات متورطة بدعم إسرائيل
ومن الشركات التي ذكرها التقرير: غوغل، أمازون، مايكروسوفت، بالانتير، لوكهيد مارتن، إلبيت سيستمز، كاتربيلر، هيونداي، فولفو، شيفرون، دروموند، وغلينكور.
ويشير التقرير إلى أن ميزانية الدفاع الإسرائيلية ارتفعت بنسبة 65% بين عامي 2023 و2024 لتصل إلى 46.5 مليار دولار، ما حقق أرباحًا طائلة لشركة إلبيت سيستمز وصناعات الفضاء الإسرائيلية العملاقة، وللموردين الأجانب مثل لوكهيد مارتن، التي نقلت أساطيلها من طائرات إف-35 وإف-16 جزءًا كبيرًا من 85 ألف طن من الذخائر التي أُلقيت على غزة.
وفي تقرير سابق أصدرته في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، اتهمت ألبانيزي إسرائيل بالسعي إلى "استئصال الفلسطينيين من أرضهم عبر الإبادة الجماعية"، معتبرة أن أقوال وأفعال قادتها تعكس نية واضحة للإبادة.
وقالت "يبدو أن الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني هي وسيلة لتحقيق غاية: الطرد الكامل أو استئصال الفلسطينيين من الأرض التي ترتبط بها هويتهم بشكل أساسي وتطمع بها إسرائيل علنا وبخلاف القانون".
وأوضحت أن "تصريحات وأفعال القادة الإسرائيليين تعكس نية للإبادة الجماعية ومسارًا لتحقيقها، ولطالما استشهدوا في كثير من الأحيان بقصة العماليق التوراتية لتبرير إبادة الغزّيين عبر محو غزة وتهجير الفلسطينيين عن طريق العنف، ما يجعل الفلسطينيين ككل أهدافًا مشروعة".
ولاية المقرّر الخاص ومهامه
المقرّر الخاص هو خبير مستقل يعيّنه مجلس حقوق الإنسان لرصد أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد استُحدث المنصب عام 1993.
ووفق نظام يُعرف بـ"الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان"، فإن المقرّرين الخاصين لا يتلقون أجرًا من الأمم المتحدة مقابل عملهم، على الرغم من أنهم يتلقون الدعم البشري واللوجستي من مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومن الجمعيات الخيرية والشركات.
وحدّدت الأمم المتحدة ولاية المقرّر الخاص ومهامه بالتالي:
- التحقيق في انتهاكات مبادئ وأسس القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، واتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 أغسطس/ آب 1949، التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية منذ أن احتلّتها في العام 1967.
- تلقي البلاغات والاستماع إلى الشهود واستخدام الإجراءات التي يراها ضرورية لولايته.
- رفع التقرير بشأن ما خلص إليه من استنتاجات وتوصيات، إلى لجنة حقوق الإنسان إلى حين انتهاء الاحتلال الإسرائيلي لتلك الأراضي.
ويقوم المقرّر الخاص بزيارات أو بعثات منتظمة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ويقدم التقارير السنوية إلى مجلس حقوق الإنسان.
وتوالى على المنصب منذ إنشائه ثمانية مقرّرين خاصين آخرهم ألبانيزي:
- رينيه فيلبر/ سويسرا 1993-1995
- هانو هالينين/ فنلندا 1995-1999
- جورجيو جياكوميلي/ إيطاليا 1999-2001
- جون دوغارد/ جنوب إفريقيا 2001-2008
- ريتشارد فولك/ الولايات المتحدة 2008-2014
- مكارم ويبيسونو/ إندونيسيا 2014 - 2016
- مايكل لينك/ كندا 2016-2022
- فرانشيسكا ألبانيزي/ إيطاليا 2022 - 2028
أول امرأة وثاني إيطالية
ولدت فرانشيسكا ألبانيزي عام 1977، وهي أول امرأة تتولى المنصب، وثاني إيطالية بعد جورجيو جياكوميلي.
حاصلة على شهادة في القانون من جامعة بيزا، وماجستير في حقوق الإنسان من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في لندن.
وهي مستشارة في شؤون الهجرة والتهجير القسري في مؤسسة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية غير الربحية، وزميلة أبحاث في المعهد الدولي للدراسات الاجتماعية بجامعة إيراسموس روتردام.
شاركت في تأسيس "الشبكة العالمية حول قضية فلسطين"، وفي عام 2020، كتبت بالاشتراك مع ليكس تاكنبيرج كتابًا حول اللاجئين الفلسطينيين في القانون الدولي.
كما عملت ألبانيزي لمدة عشر سنوات خبيرةً في حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، بما في ذلك مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
وفي مايو/ أيار 2022، انتُخبت مقرّرة خاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية، وأثار تعيينها جدلًا بسبب تصريحات سابقة عن "اللوبي اليهودي" وعلاقته بالسياسة الأميركية تجاه إسرائيل.