عنف المستوطنين أجبرهم على الرحيل.. تجمعات بدوية بالضفة تفرغ من سكانها
ظلّ الرجل الفلسطيني أحمد كعابنة متشبثًا بالبقاء في أرضه التي عاشت فيها أسرته لأجيال، في تجمّع بدوي وسط الضفة الغربية المحتلة، رغم المضايقات المستمرة من مستوطنين إسرائيليين دفعت أشقاءه إلى المغادرة.
لكنّ بناء بعض المستوطنين كوخًا على بُعد نحو مئة متر من منزله، وإقدامهم على مضايقة أطفاله، لم يترك أمامه خيارًا سوى الفرار هو الآخر.
عشرات التجمعات البدوية في الضفة أصبحت خالية من سكانها
وكحال عشرات التجمّعات البدوية في الضفة الغربية المحتلة، أصبحت بيوت الصفيح في التجمّع الذي كان يقطنه كعابنة، وحيث عاش والده وجدّه، خالية من سكانها.
وقال كعابنة (45 عامًا) لوكالة "فرانس برس" من منزله المؤقت الجديد في التلال الصخرية شمال أريحا: "إحساس صعب للغاية.. أن تغادر منطقة عشت فيها 45 عامًا، تقريبًا كل حياتك. ومن أجل ماذا؟ بسبب مافيات تأتي لأرضك كي تهجّرك منها".
وأضاف: "لكن ماذا بوسعك أن تفعل حيال الأمر؟ هم الأقوياء ونحن الضعفاء، ولا نملك أن نفعل شيئًا".
وتزايدت وتيرة العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، مع بدء حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وقالت الأمم المتحدة إن أكتوبر/ تشرين الأول 2025 سجّل أعلى نسبة عنف للمستوطنين منذ بدء توثيق هذه الأحداث عام 2006، إذ وقع خلاله 264 هجومًا تسببت في سقوط شهداء وجرحى وأضرار بالممتلكات.
ولم تتراجع حدّة العنف رغم الهدنة في غزة التي دخلت حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي في غزة.
محاولة للتأقلم
ويعيش كعابنة اليوم مع أربعة من إخوته وعائلاتهم على بُعد نحو 13 كيلومترًا شمال شرق منازلهم الأصلية الواقعة في منطقة الحثرورة.
خارج منزله الجديد المصنوع من الصفيح والخشب، يلعب الأطفال كرة القدم، وتُعلّق الملابس على حبال الغسيل في مشهد يعكس محاولة للتأقلم مع واقع النزوح القسري.
ويقول كعابنة: "لا نشعر بأننا ننتمي إلى هذه المنطقة. نتواجد في مكان لم نعش فيه من قبل، والحياة هنا صعبة".
"الوضع مرعب"
وتُعدّ جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، فيما تُعتبر البؤر الاستيطانية غير قانونية أيضًا حتى وفق القانون الإسرائيلي.
لكنّ منظمات غير حكومية إسرائيلية تقول إن السلطات لا تتحرك لوقف هجمات المستوطنين أو محاسبتهم، كما لا تعمل على تفكيك هذه البؤر.
وعلى الطريق الترابي المؤدي إلى منزل الرجل القديم، يمكن رؤية بيوت متنقلة يعلوها علم إسرائيلي على تلة، بينما على الجانب الآخر من الطريق تظهر بقايا تجمّع بدوي آخر فرّ سكانه مؤخرًا.
وقال كعابنة في ذلك الوقت "الوضع مرعب. المستوطنون يصرخون طوال الليل، ويرمون الحجارة، ويمرّون وسط المنازل. لا يسمحون لنا بالنوم ليلًا، ولا بالتحرك بحرية نهارًا".
وذكر أن الحياة أصبحت شديدة الصعوبة بسبب المضايقات اليومية وتقلّص أراضي الرعي، مضيفًا أن "البقاء هناك بات مستحيلًا".
ووفق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، اضطر 3200 فلسطيني من البدو إلى ترك منازلهم منذ أكتوبر 2023 نتيجة تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة.
وذكر تقرير صادر عن مراقبي المستوطنات الإسرائيلية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أن المستوطنين استخدموا مواقع الرعي للسيطرة على 14% من الضفة الغربية في السنوات الأخيرة.
وقالت المنظمتان غير الحكوميتين "السلام الآن" و"كرم نابوت" إن المستوطنين يتصرفون "بدعم من الحكومة والجيش الإسرائيلي".
وبعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية اليمينية هم أنفسهم مستوطنون. ودعا وزراء متطرفون إلى ضم الضفة الغربية مرارًا.