الثلاثاء 17 مارس / مارس 2026

عن الجبهة الشعبية وآخر رموزها أحمد سعدات.. قصة نضال ومطاردات طويلة

عن الجبهة الشعبية وآخر رموزها أحمد سعدات.. قصة نضال ومطاردات طويلة محدث 29 يناير 2025

شارك القصة

اعتقال سعدات بعد اقتحام سجن أريحا عام 2006- غيتي
اعتقال سعدات بعد اقتحام سجن أريحا عام 2006 - غيتي
اعتقال سعدات بعد اقتحام سجن أريحا عام 2006 - غيتي
الخط
اعتقل أحمد سعدات للمرة الأولى عندما كان في السادسة عشر من عمره، عام 1969 لمدة 3 أشهر، ومنذ ذلك الوقت وهو يتنقل بين الأسر والحرية.

في تاريخ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أسماء ورموز عديدة، قد يكون آخرها أحمد سعدات، وأكثر من حدث شكّل علامة فارقة في سيرتها، لعلّ أهمّها اغتيال رحبعام زئيفي وزير السياحة الإسرائيلي في حكومة أرئيل شارون التي شكّلها في مارس/ آذار عام 2001.

فقد كان هذه العملية غير المسبوقة، التي حصلت في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2001، الأولى التي تستهدف وزيرًا في حكومة إسرائيلية في تاريخ الصراع، وجاءت ردًا على اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى (1938-2001) الذي استُشهد في 27 أغسطس/ آب 2001 بقصف إسرائيل مكتبه في مدينة رام الله من مروحيات أباتشي.

كان رحبعام زئيفي جنرالًا سابقًا في الجيش الإسرائيلي، ومن دعاة ترحيل الفلسطينيين خارج بلادهم (الترانسفير)، ووصف الفلسطينيين قبل نحو أسبوع من اغتياله بالحشرات والأفاعي.

صورة تعود إلى عام 1983 لجورج حبش (يسار الصورة) مع خليفته ابو علي مصطفى-غيتي
صورة تعود إلى عام 1983 لجورج حبش (يسار الصورة) مع خليفته ابو علي مصطفى-غيتي

بعد اغتيال أبو علي مصطفى، قررت الجبهة الشعبية اغتيال زئيفي الذي كان يقيم في الغرفة رقم 816 في فندق حياة ريجنسي بالقدس.

اغتيال رحبعام زئيفي

وفي الليلة التي سبقت اغتياله، قام ثلاثة من أعضاء الجبهة الشعبية، وهم مجدي الريماوي وحمدي قرعان وباسل الأسمر، بحجز غرف في الفندق نفسه بجوازات مزوّرة، وانتشروا صبيحة اليوم التالي في مواقع مختلفة منه، أحدهم أمام أحد مداخل الفندق، والثاني على مدخل الطابق الثامن، بينما صعد الثالث، وهو حمدي القرعان، درج الطوارئ إلى الطابق الثامن، منتظرًا عودة زئيفي الذي كان يتناول الإفطار في أحد مطاعم الفندق مع زوجته.

وما هي إلا دقائق، حتى صعد زئيفي إلى غرفته، فناداه القرعان، وما إن التفت الوزير زئيفي نحوه حتى عاجله بإطلاق النار من مسدس مكتوم الصوت كان بحوزته.

استقرت ثلاث رصاصات في رأس الوزير الإسرائيلي، بينما فرّ المنفذون الثلاثة، وبعد نحو ساعتين أعلنت إسرائيل اغتيال الوزير في حكومة شارون، رحبعام زئيفي. 

زئيفي وزير السياحة في حكومة شارون عرف بمواقفه المتطرفة ضد الفلسطينيين-غيتي
زئيفي وزير السياحة في حكومة شارون عرف بمواقفه المتطرفة ضد الفلسطينيين-غيتي

تبنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عملية الاغتيال، وفشلت إسرائيل خلال نحو شهرين من التحقيقات والمطاردات من الوصول إلى المنفذين، إلى أن أعلنت أجهزة السلطة الفلسطينية في يناير/ كانون الثاني 2002 عن اعتقالهم،  بالإضافة إلى الأمين العام الجديد للجبهة الشعبية حينها أحمد سعدات، والقائد العام لكتائب أبو علي مصطفى، عاهد أبو غلمة، وقررت سجنهم بعد محاكمتهم في المقر الرئاسي في رام الله.

لكن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (1929-2004) رفض تسليمهم لإسرائيل، فحاصر الجيش الإسرائيلي مقره في مارس/ آذار 2002، إلى أن اتفقت السلطة الفلسطينية وإسرائيل على نقلهم إلى سجن أريحا تحت حراسة قوات خاصة أميركية-بريطانية.

بعد وفاة عرفات بنحو عامين، وتحديدًا في مارس/ آذار 2006 اقتحمت قوات إسرائيلية سجن أريحا في عملية سمّتها "عملية جلب البضائع"، واعتقلت المنفذين الثلاثة وأحمد سعدات الذي حكمت عليه بالسجن لمدة 30 عامًا بتهمة رئاسة تنظيم سياسي محظور. 

عام 2008 حكمت إسرائيل بالسجن على سعدات لمدة 30 عاما-غيتي
عام 2008 حكمت إسرائيل بالسجن على سعدات لمدة 30 عاما-غيتي

من هو أحمد سعدات؟

أحمد عبد الرسول سعدات، الذي لا تزال إسرائيل ترفض الإفراج عنه في صفقة تبادل الأسرى واتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمته مع حركة حماس في 15 يناير/ كانون الثاني الجاري، ولد في مدينة البيرة عام 1953، لأسرة مناضلة هُجّرت من قريتها الأصلية دير طريف، قضاء الرملة، سنة 1948.

بدأ نشاطه السياسي في سن مبكرة من حياته، عندما كان على مقاعد دراسته الثانوية، قبل أن ينضم عام 1969 إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي اُنتخب عضوًا في لجنتها المركزية عام 1981، وأصبح قائدًا لها في الضفة الغربية عام 1994، فأمينًا عامًا لها عام 2001، بعد اغتيال أمينها العام الثاني أبو علي مصطفى في أغسطس/ آب من العام نفسه. 

انتُخب سعدات عام 2006 عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان) عن قائمة الشهيد أبو علي مصطفى، التابعة للجبهة، وفي المؤتمر العام السابع للجبهة الشعبية عام 2013، أُعيد انتخابه بالإجماع أمينًا عامًا للجبهة رغم وجوده في السجن. 

وهو عضو في المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

اعتُقِل سعدات للمرة الأولى عندما كان في السادسة عشر من عمره، عام 1969 لمدة 3 أشهر، ومنذ ذلك الوقت وهو يتنقل بين الأسر والحرية، وبلغ مجموع السنوات التي قضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 28 عامًا، من بينها عدة سنوات قضاها في سجون السلطة الفلسطينية بين عامي 1995 و1996 وعام 2002 بتهمة تهريب الأسلحة، حيث أودع في سجن أريحا تحت رقابة أميركية- بريطانية، بمعية المتهمين باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي عام 2001.

اقتحام سجن أريحا 

ورفضت السلطة الفلسطينية إطلاق سراحه خشية قيام إسرائيل باغتياله ردًا على اغتيال جبهته وزيرها رحبعام زئيفي، لكن الأمر تغيّر بعد وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي عرفت عنه سياسة الأبواب الدوّارة لدى اعتقال السلطة بعض المطلوبين لإسرائيل، بهدف حمايتهم.

ففي مارس/ آذار 2006 انسحب المراقبون البريطانيون والأميركيون الذين كانوا مكلّفين بمراقبة سعدات ورفاقه من سجن أريحا، ضمن اتفاق عقدته السلطة مع إسرائيل عام 2002.

وبانسحاب المراقبين المفاجئ اجتاحت الآليات العسكرية الإسرائيلية سجن أريحا، وفرضت عليه حصارًا لعدة ساعات لإجبار سعدات ورفاقه على تسليم أنفسهم، لكنهم رفضوا فبدأت القوات الإسرائيلية بقصف السجن بالصواريخ، وقامت بهدم أجزاء منه، واعتقلت سعدات ورفاقه. 

وفي 25 ديسمبر/ كانون الأول 2008 حكمت المحكمة العسكرية الإسرائيلية على سعدات بالسجن لمدة 30 عامًا، تعرّض خلالها لمحاولة اغتيال عن طريق تسريب ثعابين شديدة السمية إلى زنزانته، وفي يناير/ كانون الثاني من هذا العام رفضت إسرائيل الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى مع حماس. 

قادة الجبهة الشعبية التاريخيون

تأسست الجبهة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 بعد أن كانت جزءًا من حركة القوميين العرب، ومن أبرز قادتها، مؤسسها جورج حبش ووديع حدّاد، ومصطفى الزبيري المعروف بأبو علي مصطفى، وأحمد اليماني وحسين حمود ونايف حواتمة الذي انشق عن الجبهة عام 1969 وأسّس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

ظل جورج حبش أمينًا عامًا للجبهة الشعبية حتى تنحيه عام 2000. خلفه أبو علي مصطفى الذي اغتالته إسرائيل عام 2001، وباستشهاد أبو علي انتُخب أحمد سعدات أمينًا عامًا ولا يزال رغم أنه في السجن منذ عام 2006. 

  عبلة سعدات زوجة الأمين العام للجبهة الشعبية الأسير، ولهما 4 أبناء-غيتي  ​
عبلة سعدات زوجة الأمين العام للجبهة الشعبية الأسير، ولهما 4 أبناء-غيتي ​

ولسعدات الذي تخرج من معهد المعلمين في مدينة رام الله بشهادة دبلوم في الرياضيات، كتاب بعنوان "صدى القيد" صدر عام 2017، وهو متزوج من عبلة سعدات ولديه 4 أبناء.

خطف الطائرات

عرفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين برموزها السياسية والنضالية، وخاصة بقادتها التاريخيين مثل جورج حبش ووديع حداد وغسّان كنفاني وليلى خالد، كما عُرفت بعملياتها خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة اختطاف الطائرات.

وكانت أولاها عملية الرحلة رقم 426 التي نفذها ثلاثة أعضاء في الجبهة الشعبية عام 1968، حيث تمكنوا من السيطرة على طائرة تابعة للخطوط الإسرائيلية "العال"، كانت في طريقها من مطار هيثرو في لندن إلى مطار ليوناردو دا فينشي، ثم إلى مطار اللد (بن غوريون) وتمت السيطرة على الطائرة وأُجبرت على الهبوط في الجزائر.

ليلى خالد التي قامت بخطف طائرات مطلع سبعينيات القرن الماضي-غيتي
ليلى خالد التي قامت بخطف طائرات مطلع سبعينيات القرن الماضي-غيتي

بعد ذلك قامت ليلى خالد وسليم العيساوي في سبتمبر/ أيلول 1969 بخطف طائرة ركاب أميركية، بما عُرف لاحقًا بعملية "الرحلة 840"، فخلال رحلة الطائرة من لوس أنجلوس إلى تل أبيب مرورًا بروما، قامت خالد والعيساوي  بالصعود إلى الطائرة لدى توقفها في روما، وتمكنا من تغيير مسارها إلى العاصمة السورية دمشق بعد تحليقها فوق فلسطين المحتلة، وهناك قاما بتفجير الطائرة بعد إخراج ركابها منها، وكان الهدف هو تعريف الرأي العام العالمي بالقضية الفلسطينية. 

أربع طائرات دفعة واحدة

وفي سبتمبر/ أيلول من العام التالي 1970 قامت الجبهة الشعبية بعمليات اختطاف مركبة لأربع طائرات كان الهدف تحويلها جميعها إلى مطار المفرق في الأردن.

قبل العملية، أجرت ليلى خالد جراحة تجميلية في وجهها لكي لا يتم التعرف إليها، وقامت باختطاف طائرة تابعة لشركة العال الإسرائيلية من مطار فرانكفورت، وشاركها في العملية أحد اليساريين من نيكاراغوا ويدعى باتريك أرغويلو، وانتهت العملية بمقتل النيكاراغوي واعتقال ليلى خالد في لندن.

أما الطائرات الثلاث الأخريات فكانت إحداها تابعة لشركة "بان أميريكان" الأميركية وشركة "تي دلبيو إيه" الأميركية، وللخطوط السويسرية، واُختطفت جميعها نحو مطار القاهرة، وفجّرها الخاطفون بعد إخلائها من الركاب. 

ويعتبر القيادي الكبير في الجبهة الشعبية وديع حداد (1927 – 1978) عرّاب ما تسمى "العمليات الخارجية" التي قامت بها الجبهة الشعبية في السنوات الأولى لصعودها، قبل أن تتخلى عنها بعد سنوات قليلة. 

جورج حبش في وداع رفيقه وديع حداد في بغداد-غيتي
جورج حبش في وداع رفيقه وديع حداد في بغداد-غيتي

ووديع حداد من مؤسسي الجبهة، وهو من مواليد صفد، ودرس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، واغتاله جهاز الموساد الإسرائيلي في ألمانيا الشرقية بدس السم له في الشوكولاتة البلجيكية التي كان شغوفًا بها، عن طريق أحد العملاء.    

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي
المزيد من