يأتي عيد الأم هذا العام ثقيلًا على عدد كبير من الأمهات والأبناء في لبنان..
حين تصبح النجاة بمعنى البقاء على قيد الحياة، هي الأمنية القصوى للأم في عيدها، وتتحول الهدية من باقة ورد إلى رغيف خبز أو خيمة تقي برد الشتاء، يغدو الاحتفال عبئًا على الذاكرة، لا بهجة للروح.
بهذا المعنى، يتبدّل معنى العيد نفسه، وتفقد المناسبة كثيرًا من رونقها المعهود.
فبينما كانت منصات التواصل الاجتماعي تضج سنويًا بومقاطع بصور الاحتفالات العائلية "الدافئة"، يحل العيد اليوم على وقع مشهد مختلف تمامًا.
وهكذا يبدو أنّ البيوت الصامتة، ومراكز الإيواء، وطرقات النزوح، تروي كلها قصة ألمٍ مغايرة، تتقدّم فيها الأم بوصفها الحضن الأخير ومساحة الأمان الوحيدة.
الأم النازحة.. بطولة في مراكز الإيواء
في ظلّ العدوان الإسرائيلي على لبنان وما خلّفه من نزوح عشرات آلاف العائلات، لا تزال صور الأمهات تتصدر الصفحات، ولكن في سياق مختلف تمامًا، حيث ينشر النازحون في مراكز الإيواء مقاطع فيديو توثق يومياتهم القاسية، وما يجمع هذه المقاطع جميعها هو حضور الأم بوصفها الصورة الأكثر ثباتًا في مشهد التهجير.
وبحسب وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السراي الحكومي، تعيش نحو 34 ألف أسرة في نحو 650 مركز إيواء، فيما تفترش آلاف الأسر الطرقات في بيروت هربًا من القصف.
العائلات في بيروت تفترش الشوارع
وثّقت كاميرا "التلفزيون العربي" حالة الخوف التي ارتسمت على وجوه الأمهات اللواتي نزحن إلى شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، وهنّ يحاولن لملمة شتات عائلاتهنَّ في العراء.
وتزداد أعداد هذه العائلات مع إصدار الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء لسكان مناطق مختلفة بصورة يومية.
صرخة 12 ألف امرأة حامل
إلى جانب ألم النزوح، تبرز مأساة النساء الحوامل كواحدة من أقسى تبعات الحرب.
وفي هذا السياق، تشير أنانديتا فيليبوز، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان، إلى وجود 11,600 امرأة حامل متضررة، يُتوقع أن تضع 4,000 منهنَّ مواليدهنَّ خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
وتضيف: "أُجبرت العديد من هؤلاء النساء على ترك منازلهن، وانقطعت عنهن الخدمات الصحية، حتى إن بعضهن وضعن مواليدهن على جانب الطريق".
وقد انتشر بالفعل مقطع فيديو لامرأة وضعت طفلها على طريق في جنوب لبنان أثناء النزوح.
ومن جهتها، تلفت نور بيضون، المستشارة في منظمة "كير"، إلى أن النساء التازحات في المدارس والسيارات والملاجئ المكتظة يلدن من دون خصوصية أو مياه نظيفة، واصفة ذلك بأنه "تجريد للنساء من كرامتهنَّ" وضغط نفسي يفوق الاحتمال.
الروتين اليومي.. "‘عمل بطولي"
قد يبدو للناظر أن الأم التي لم تنزح تعيش حياتها بشكل طبيعي، لكن الخوف لا يقتصر على مناطق النزوح فحسب، بل يمتد ليشمل كل بيت لبناني.
ففي كل منزل أم تحتضن ولدها لتطمئنه أن الخطر بعيد، رغم أنها تدرك مرارة الواقع، فتتسمر أمام الشاشة تراقب التطورات وتتابع الأخبار العاجلة بترقب وحذر.
بمعنى آخر، فإنّ الأم التي لم تنزح بعد، تعيش حربًا من نوع آخر هي حرب الأعصاب والترقب أمام شاشات الأخبار، محتضنةً أطفالها لتؤكد لهم أن "كل شيء سيكون بخير"، رغم مرارة الواقع.
انتقلت صانعات السلام العاملات مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بعلبك والهرمل من تيسير جلسات الحوار المجتمعي إلى الاستجابة للأزمة الإنسانية الراهنة. يتواجدن في مراكز الإيواء لدعم العائلات النازحة والمساهمة في تخفيف حدة التوترات المجتمعية.#المرأة_والسلام_والأمن 🙏@CanadaLebanon 🇨🇦 pic.twitter.com/r5yOMxfEOs
— UN Women Lebanon (@unwomenlebanon) March 17, 2026
وترى منظمة "وور تشايلد" (War Child) أن الحفاظ على "الروتين اليومي" في أوقات الحرب هو بحد ذاته فعل مقاومة وعمل بطولي يوفر الاستقرار النفسي للأطفال. لذا، يظل دعم الصحة النفسية للأمهات ضرورةً قصوى؛ لتمكينهنَّ من الاستمرار في دورهنَّ كحائط صدٍ أول ضد تداعيات الحرب.
أمهات الشهداء.. الوجع الأكبر
منذ تجدد العدوان في مطلع مارس/ آذار الجاري، استشهد نحو 1,000 شخص في مناطق متفرقة من لبنان، في الجنوب والبقاع وبيروت، ما منح أمهاتهم اللقب الأكثر إيلامًا: "أمهات الشهداء"
وبينما توثق الأرقام حجم المأساة والمعاناة، تبقى حكايات الأمهات في مراكز الإيواء وعلى طرقات النزوح شهادةً حيّة على تضحيةٍ تتجاوز حدود الطاقة البشرية. وتثبت هذه الحرب مجددًا أن الأم هي "الوطن الصغير" الذي يلجأ إليه الجميع حين يؤلمهم الوطن الكبير.