للعام الثاني على التوالي، تغيب شعيرة الأضحية عن قطاع غزة، بعدما حولت إسرائيل مزارع المواشي إلى أطلال وقتلت ما تبقى من الثروة الحيوانية بالتجويع أو بالقصف، خلال الإبادة الجماعية التي ترتكبها بحق الفلسطينيين منذ 20 شهرًا.
ويعد غياب الأضاحي واحدة من أبرز تجليات الحصار والمجاعة التي يعاني منها الفلسطينيون في قطاع غزة، نتيجة منع إدخال المواشي، وشح الأعلاف، والاستهداف المتكرر للمزارع والمنشآت البيطرية.
وتعرضت معظم مزارع المواشي في القطاع إلى دمار كلي أو جزئي بفعل القصف الإسرائيلي، فيما نفق آلاف رؤوس الماشية نتيجة التجويع الإسرائيلي الممنهج أو الإصابة أو غياب العلاج البيطري.
وعلى خلاف الأعياد الثلاثة السابقة، يمر هذا العيد وسط مجاعة غير مسبوقة جراء إغلاق إسرائيل المعابر أمام الإمدادات منذ 2 مارس/ آذار الماضي.
"لا مواشي لتُباع"
وفي جباليا شمال غزة يقول طه صلاح، وهو صاحب إحدى المزارع التي تعرّضت للقصف: "كنا نملك مئات رؤوس الماشية قبل العيد، واليوم المزرعة خاوية".
وتعرضت مزرعة صلاح لقصف إسرائيلي أدى إلى تدميرها جزئيًا، واضطر لتحويل جزء منها إلى زراعة الخضار، في حين جرف الجيش الإسرائيلي مزرعته الثانية شرق القطاع.
ويضيف صلاح بأسى: "في السنوات الماضية كنا نبيع 200 إلى 300 رأس من الماشية يوميًا، واليوم لا بيع ولا شراء، فلا شيء لدينا أساسًا لنبيعه".
ويبين أن منطقة شمال غزة وحدها كانت تذبح 10 آلاف رأس من الماشية في العيد، "أما هذا العام قد لا تشهد مزرعته أي عمليات ذبح على الإطلاق"، مشيرًا إلى أن ما تبقى من الثروة الحيوانية في شمال القطاع لا يتجاوز 14 جملًا هزيلًا، لم تُبع حتى الآن.
ووفق بيانات صادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية، شهد يوليو/ تموز 2023 -قبل الحرب بثلاثة أشهر- ذُبح نحو 17 ألف رأس من العجول، و24 ألف رأس من الأغنام، فيما بلغ عدد الأسر المضحية نحو 130 ألف أسرة، ما يعادل 28% من إجمالي سكان القطاع.
أسعار جنونية
ومع هذا الواقع الصعب، وصلت أسعار الجمال إلى مستويات خيالية تفوق قدرة الفلسطينيين المنهكين من الحرب المستمرة، إذ يتجاوز سعر الجمل 15 ألف دولار، بينما يتراوح سعر الكيلو الحي بين 67.57 دولار و81 دولار، وفق المزارعة طه.
ويضيف:" أما الخراف، فهي مفقودة تقريبًا، وإن وُجدت، فهي نحيلة وضعيفة وغير مؤهلة للذبح"، موضحًا أن مزرعته كانت توفر مصدر رزق لنحو 50 أسرة فلسطينية، خاصة خلال فترة عيد الأضحى، لكن الحرب والحصار دمّرا هذا المورد، وتركا جميع العاملين فيها بلا عمل.
وعلى جانب آخر من المزرعة، يقف العامل عامر صلاح، وقد لجأ إلى تقطيع أشجار الصبّار لإطعام ما تبقى من الجمال الهزيلة.
ويقول: " كنا نطعم المواشي أعلافًا جيدة، أما الآن فلا نجد شيئًا. حتى الأعلاف إن وُجدت، فالكيس الواحد يتجاوز 5000 شيقل (1351 دولار)".
ويضيف أن إسرائيل تواصل منذ بداية الحرب منع إدخال المواشي إلى قطاع غزة، واقتصر الأمر خلال فترات التهدئة على السماح بدخول كميات محدودة من اللحوم المجمدة.
ويتابع بأسى: "لا أحد يستطيع شراء الأضاحي، سواء كانت جمالًا أو حتى خرافًا صغيرة، إن وُجدت فالأسعار جنونية".
عيد بلا لحم، وبلا ذبح، ولا فرحة
أما عبد الرحمن عماد، وهو صاحب مزرعة في دير البلح وسط قطاع غزة، فيشير إلى الارتفاع الكبير بأسعار اللحوم قائلًا: "قبل الحرب كان سعر كيلو الخروف الحي لا يتجاوز 25 شيقلًا (6.76 دولار)، أما اليوم فقد قفز إلى أكثر من 250 شيقلًا (67.57 دولار)، رغم ندرة الخراف".
ويؤكد عماد أن "عمليات البيع إن وجدت خراف، تقتصر على المؤسسات والجمعيات الخيرية، في ظل غياب القدرة الشرائية لدى المواطنين".
ويشير إلى أن بيئة تربية المواشي انهارت تمامًا، مضيفًا: "لا أعلاف ولا أدوية ولا تطعيمات ولا حتى أطباء بيطريين. الاحتلال يمنع دخول كل شيء. حتى الخراف القليلة التي ما زالت موجودة تزن أقل من 30 كيلوغرامًا، بينما كان من المفترض أن تزن ضعف هذا الرقم".
ويقول: "لم نعد نملك أي شيء. حتى من يودّ أن يضحي لا يملك القدرة. هذا العيد لن يكون كبقية الأعياد. لا لحوم، لا ذبح، لا فرحة".
وتجاوزت الخسائر المباشرة للقطاع الزراعي والإنتاج الحيواني والثروة السمكية أكثر من 2.2 مليار دولار أميركي، وفق بيانات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
ويحل عيد الأضحى المبارك غدًا الجمعة وسط الإبادة الجماعية، في وقت يكافح فيه المواطنون يوميًا لتأمين الحد الأدنى من وسائل البقاء، مع قصف متواصل ودمار واسع، وانعدام مصادر الدخل، وغياب المساعدات الإنسانية.