Skip to main content

غرائب كأس العالم.. عندما يصبح المشجع أشهر من اللاعب

الإثنين 25 مايو 2026
في كأس العالم يتحول بعض المشجعين إلى وجوه أيقونية تخطف الكاميرا وتبقى في الذاكرة - غيتي
في كأس العالم، لا تذهب الكاميرات إلى اللاعبين وحدهم. هناك دائمًا وجه آخر للبطولة، يتحرك في المدرجات والشوارع والمطارات والساحات العامة: المشجعون. هؤلاء لا يسجلون الأهداف، ولا يرفعون الكؤوس، ولا يدخلون عادةً سجلات البطولة الرسمية، لكن بعضهم ينجح أحيانًا في خطف الصورة من اللاعبين أنفسهم.

في كل مونديال، لا يصنع اللاعبون وحدهم ذاكرة البطولة. بعض المشجعين ينجحون في خطف الكاميرا من المدرجات، ليصبحوا جزءًا من الحكاية، وأحيانًا أشهر من بعض نجوم الملعب.

قد يحدث ذلك بسبب زيّ غريب، أو أغنية جماعية، أو رحلة طويلة خلف المنتخب، أو موقف إنساني، أو عادة لافتة تجعل الجمهور يتحدث عن المدرج بقدر ما يتحدث عن الملعب، ليتحول المشجع من متفرج إلى جزء من الحكاية، وربما إلى أحد رموز البطولة.

ليست هذه الظاهرة طارئة على كأس العالم. فمنذ تحولت البطولة إلى حدث تلفزيوني عالمي، صار الجمهور جزءًا من العرض. ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المدرجات نفسها منصة لصناعة الشهرة، حيث قد تكفي لقطة واحدة كي يتحول مشجع عادي إلى اسم يتداوله العالم.


 من الطبلة الإسبانية إلى جمهور بيرو ومشجعي اليابان، تحولت المدرجات أحيانًا إلى مسرح موازٍ لصناعة رموز المونديال

المدرج الذي يصنع الحكاية


تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبة بين فريقين داخل المستطيل الأخضر. لكن كأس العالم لا يُصنع من المباراة وحدها.

هناك آلاف القصص التي تبدأ خارج الملعب: جماهير تسافر من قارات بعيدة، عائلات تحمل أعلامًا وطبولًا، أزياء شعبية تتحول إلى هوية بصرية، وهتافات تُصبح جزءًا من ذاكرة البطولة.

أحيانًا يكون المشجع أكثر قدرة من اللاعب على تمثيل المعنى الشعبي للبطولة. فاللاعبون يعيشون داخل منظومة احترافية مغلقة، بينما يبدو المشجع أقرب إلى الناس: شخص دفع ثمن الرحلة، تحمّل المسافة، ارتدى قميص منتخب بلاده، وجاء ليعيش لحظة قد لا تتكرر.

ولهذا، حين تلتقطه الكاميرا وهو يبكي، يرقص، يغني، ينظف المدرج، أو يضرب طبلة لا تفارقه، قد يصبح وجهه اختصارًا لشعور جماعي أوسع.



مانولو وطبلة إسبانيا

من أشهر الأمثلة على المشجع الذي تحول إلى رمز، الإسباني مانويل كاسيريس، المعروف باسم "مانولو إل ديل بومبو". لم يكن لاعبًا ولا مدربًا، لكنه أصبح جزءًا من صورة المنتخب الإسباني لعقود، بقبعته الكبيرة وقميصه الأحمر وطبله الذي رافق "لا روخا" في البطولات الكبرى.

بدأ مانولو شهرته الواسعة مع منتخب إسبانيا منذ مونديال 1982 الذي أقيم في بلاده، ثم صار حضوره في المدرجات علامة مألوفة للمشجعين والكاميرات. وقد وصفته رويترز بعد وفاته عام 2025 بأنه كان "نبضًا إيقاعيًا" لكرة القدم الإسبانية لأكثر من أربعة عقود، بعدما تابع المنتخب في 10 نسخ من كأس العالم و8 بطولات أوروبية.


 قصة مانولو تكشف أن شهرة المشجع لا تصنعها الغرابة وحدها، بل الاستمرارية أيضًا. فالطبلة التي حملها صارت جزءًا من ذاكرة منتخب كامل - غيتي

البيروفيون حين فاز الجمهور

في مونديال روسيا 2018، عاد منتخب بيرو إلى كأس العالم بعد غياب طويل، لكنّ جمهور بيرو هو الذي خطف الأنظار يومها بأعداده الكبيرة وألوانه وحماسه، إلى درجة أنه فاز بجائزة أفضل جمهور في جوائز "ذا بيست" التابعة للفيفا.

وبحسب الفيفا، شكّل مشجعو بيرو "جيشًا" قوامه نحو 40 ألف مشجع حضروا إلى روسيا، وحوّلوا المدرجات إلى مساحة من الألوان والأغاني والحنين، رغم أن منتخبهم لم يذهب بعيدًا في البطولة.

هنا يصبح المشجع أشهر من النتيجة نفسها. قد يخرج المنتخب مبكرًا، لكن الجمهور يبقى في الذاكرة باعتباره أحد أجمل وجوه البطولة.


الشغف لا يقاس دائمًا بعدد الأهداف، بل أحيانًا بعدد الكيلومترات التي يقطعها الناس ليقولوا إنهم حضروا مع منتخبهم بعد انتظار طويل.

اليابانيون.. شهرة من سلوك بسيط

في مونديال قطر 2022، لم تشتهر جماهير اليابان فقط بهتافاتها أو ألوانها، بل بسلوك بدا لكثيرين لافتًا: تنظيف المدرجات بعد المباريات.

حينها، انتشرت صور ومقاطع لمشجعين يابانيين يجمعون النفايات في أكياس بعد انتهاء اللقاءات، لتتحول العادة إلى واحدة من أكثر قصص الجمهور تداولًا في البطولة.

الفيفا كتب عن هذه الظاهرة في قطر، مشيرًا إلى أن مشجعي اليابان حظوا بتقدير واسع بسبب جهودهم في تنظيف المدرجات بعد المباريات.


 اللافت في هذه القصة أنها لا تقوم على مشجع واحد، بل على سلوك جماعي. هنا تكون الشهرة نتيجة فعل بسيط متكرر حمل رسالة عن احترام المكان. وفي زمن تنتشر فيه الصور بسرعة، قد تتحول لفتة كهذه إلى جزء من صورة بلد بأكمله.

حين تصنع الكاميرا نجومية عابرة


ليست كل شهرة جماهيرية عميقة أو طويلة الأمد. في بطولات كأس العالم الحديثة، خصوصًا مع وسائل التواصل، قد تتحول لقطة واحدة إلى موجة انتشار كبيرة. مشجع يبكي بعد خسارة، آخر يحتفل بطريقة طريفة، عائلة ترتدي زيًا موحدًا، أو شخص يظهر في المدرجات بلباس لافت.



في السابق، كانت شهرة المشجع تحتاج إلى تكرار وحضور دائم. أما اليوم، فقد تكفي ثوانٍ على الشاشة. ومن هنا تغيّر معنى "المشجع الشهير". لم يعد الأمر مرتبطًا بالرحلة الطويلة أو التاريخ الشخصي فقط، بل بقدرة الصورة على الانتشار.

هذه الشهرة قد تكون ممتعة وخفيفة، لكنها مؤقتة غالبًا. يظهر الاسم، تنتشر الصورة، تتوالى التعليقات، ثم تأتي لقطة أخرى ومشجع آخر. ومع ذلك، تبقى جزءًا من ذاكرة البطولة.


الجمهور بوصفه ذاكرة البطولة

ما يجعل مشجعي كأس العالم مهمين ليس أنهم يسرقون الأضواء من اللاعبين، بل أنهم يوسعون معنى البطولة. فاللاعبون يصنعون النتيجة، لكن الجمهور يصنع المزاج. ومن دون المدرجات، تبدو كرة القدم أقل دفئًا، ومن دون الرحلات والأغاني والوجوه الغريبة والمواقف الطريفة، تفقد كأس العالم جزءًا من سحرها الشعبي.
الرياضة ليست أرقامًا فقط. إنها أيضًا صور وأصوات ووجوه وقصص جانبية.

عندما يصبح التشجيع بطولة موازية


في كل نسخة من كأس العالم، هناك بطولة أخرى لا تظهر في الجداول: بطولة المشجعين. من يسافر أكثر؟ من يغني أطول؟ من يصنع أجمل مدرج؟ من يترك أثرًا في البلد المضيف؟ ومن يتحول إلى حكاية يتناقلها الناس؟ 


قد يفوز اللاعب بالكأس، لكن المشجع قد يفوز بصورة تبقى طويلًا. وربما لهذا تبدو كأس العالم مختلفة عن أي بطولة أخرى. فهي لا تمنح الشهرة لمن يلمس الكرة فقط، بل أحيانًا لمن يلمس خيال الناس من مقعد بعيد في المدرج.

هكذا يصبح المشجع، في لحظة ما، أكثر من متفرج. يصبح شاهدًا على أن كرة القدم ليست لعبة اللاعبين وحدهم، بل حكاية جماعية يكتبها من في الملعب ومن حوله، ومن جاء فقط ليهتف، فوجد نفسه جزءًا من ذاكرة المونديال.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة