أكدت اللجنة الوطنية لشؤون المفقودين في حرب الإبادة الإسرائيلية الجماعية، أن قطاع غزة تحول إلى أكبر تجمع للمقابر في العالم.
وأشارت اللجنة إلى أن أكثر من عشرة آلاف شهيد فلسطيني لا يزالون تحت أنقاض الدمار الذي أحدثته آلة القتل الإسرائيلية.
وطالبت اللجنة في بيان بإدخال المعدات اللازمة لانتشال جثامين الشهداء، مشددةً على ضرورة توفير فرق طبية لتحديد هويات الشهداء.
مكعبات الخط الأصفر تزحف نحو بيوت الفلسطينيين
وبين تلك الأنقاض التي تطفو فوق قطاع غزة، وعند أطراف الخط الأصفر الذي حدده الجيش الإسرائيلي بمكعبات إسمنتية لتقسيم القطاع وخنق ما تبقى من حياة فيه، يعيش الفلسطيني المسن مجدي محيسن وأسرته وسط دمار شامل وانعدام تام للخدمات الأساسية.
ورغم عدم وجود ماء ولا غذاء ولا مأوى، سوى بقايا منزل مدمر، يصر محيسن -وهو في الستينيات من العمر- على البقاء فيه رغم اقتراب الخطر، بعدما وضعت القوات الإسرائيلية مكعباتها الخرسانية الصفراء على بعد أمتار قليلة منه، لتفصل المنطقة وتحكم السيطرة على الجزء الشرقي من القطاع.
وفي هذا المكان الذي تحول لمنطقة عازلة محفوفة بالموت، لا تزال أصوات القصف الإسرائيلي، وأنقاض البيوت، وغياب المساعدات، تشكل المشهد اليومي، رغم توقف القتال.
وقال محيسن إنه فوجئ خلال الأيام الماضية بتقدم القوات الإسرائيلية ونصب مكعبات صفراء جديدة على مقربة من ركام منزله، في مشهد وصفه بأنه "مفزع".
وكشف محيسن أن الوضع ازداد سوءًا ظهر الجمعة الماضية، حين فوجئ المواطنون بتقدم قوات إسرائيلية ونصبها مكعبات إسمنتية صفراء جديدة على بعد 50–70 مترًا فقط من منازلهم، متجاوزًا الخط الأصفر، فيما يبدو أنه توسيع لحدوده.
وقال: "وضعوا المكعبات الصفراء، ووضعونا تحت الخطر، ولم يبق بيننا وبينهم إلا عدة أمتار"، معربًا عن خشيته من تقدم جديد قد يبتلع ما تبقى من بيته.
مَسيرُ ساعة على الأقدام من أجل الماء
وتسببت هذه التطورات في تفاقم العزلة، إذ يخرج محيسن يوميًا من بين الأنقاض حاملًا غالونين فارغين للبحث عن المياه، بينما تسمع أصوات قصف مدفعي من مناطق تمركز الجيش.
ومع توقف صهاريج المياه ومبادرات توزيع الغذاء عن الوصول خشية الاستهداف، بات محيسن مضطرًا لقطع مسافة طويلة سيرًا على الأقدام لتأمين حاجاته الأساسية.
وبرغم ما يشعر به من قهر وألم، لا يغفل الرجل المسن عن الحذر خلال تحركه في المنطقة المحاذية تمامًا للمكعبات الصفراء، محاولًا استجماع ما تبقى من قوته للوصول إلى مصدر مياه يبعد نحو ساعة مشيًا على الأقدام.
ولا تقتصر معاناته على العطش فقط، بل تتقاطع مع مشهد واسع من الدمار؛ فالمنطقة التي يعيش فيها تعرضت خلال أشهر الحرب إلى ما وصفته تقارير حقوقية بـ"إبادة مدن"، بعدما حولها الجيش الإسرائيلي إلى تلال من الركام.
ومع انعدام مقومات الحياة وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي، فضل كثير من الفلسطينيين البقاء فوق أنقاض منازلهم على العيش في خيام قماشية لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف.
ولفت محيسن إلى أن الوضع لم يكن بهذه القسوة قبل فترة قصيرة؛ إذ كانت شاحنات تعبئة المياه و"التكايا" الخيرية تصل إلى المنطقة بشكل شبه منتظم، قبل أن يتغير المشهد تمامًا مع نصب إسرائيل المكعبات الصفراء بالقرب من المنازل.
وأضاف أن الفلسطينيين باتوا يتجنبون التقدم نحو هذه المناطق خوفًا من استهداف مباغت.
الخطر يقترب كل يوم
ورغم توقف الحرب، تبقى الحياة في هذه المناطق "مغامرة يومية"، على حد وصف محيسن، إذ ترفض عائلته مغادرة منزلها الملاصق للمنطقة الصفراء لغياب أي بدائل للسكن.
وتحدث في هذا الصدد: "نحن اليوم نخاطر بحياتنا، فلا مكان يحتوينا إلا هذا المكان. كل يوم الخطر يقترب منا".
وأوضح أنهم أصبحوا يتحركون في هذه المنطقة بحذر شديد خشية استهدافهم من الجيش الإسرائيلي المتواجد شرق هذه المكعبات الصفراء، مضيفًا: "أصبحنا نخاف التحرك في المنطقة، ونخاف على أولادنا، ونخشى الخروج ليلًا".
ولا تقف المعاناة عند حدود الخوف فقط، فأنقاض منزل محيسن ما زالت تضم رفات 13 من أفراد عائلته، بينهم نجله واثنان من أشقائه وأطفالهم، قضوا جراء قصف إسرائيلي خلال الحرب.
وطالب محيسن بإزالة هذه المكعبات الإسمنتية التي وصفها بـ"النكبة" الجديدة التي تصيب الشعب الفلسطيني، بعد النكبة التي أصابتهم في 1948 حينما أعلن قيام إسرائيل على أراضيهم، معربًا عن أمله في أن يعيش بحرية حتى فوق ركام بيته.