في غزة، تحوّلت التفاصيل الصغيرة إلى امتحانات قاسية. لم تعد المياه خدمة عامة، ولا الخبز مادة بديهية، ولا المدرسة مكانًا طبيعيًا للطفولة، ولا المستشفى ملجأ مضمونًا للمرضى والمصابين.
فقد صار كل ما كان يشبه الحياة العادية مهمةً تتطلب وقتًا وجهدًا وخطرًا: الوقوف في الطابور، حمل الأوعية، البحث عن شبكة إنترنت، التنقل بين الخيام، انتظار علبة دواء، أو محاولة إقناع طفل بأن النوم ممكن وسط الخوف.
وتقول لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إن إسرائيل ارتكبت إبادة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، في خلاصة وضعت الكارثة في إطارها القانوني الأوسع. غير أن الوجه اليومي لهذه الإبادة لا يظهر فقط في القرارات والتقارير، بل في تحويل البقاء نفسه إلى نظام حياة جديد، حيث يستهلك النجاة كل طاقة الإنسان تقريبًا.
يوم يبدأ بسؤال الماء
وفي حياة عادية، يبدأ اليوم غالبًا من موعد عمل أو مدرسة أو زيارة أو وجبة. في غزة، يبدأ اليوم من سؤال أبسط وأقسى: هل يوجد ماء؟
ليست المسألة عطشًا فقط. الماء يعني الشرب، والطبخ، وغسل الأواني، وتنظيف الجسد، وتخفيف الحر، والوقاية من المرض. حين يغيب الماء الآمن، لا تتعطل الراحة فحسب؛ يتعطل الجسد نفسه، وتصبح النظافة امتيازًا، وتتحول الأمراض الجلدية والمعوية إلى جزء من المشهد اليومي.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ما زالت الأمراض الجلدية والإسهال المائي الحاد والأمراض التنفسية من أكثر الأمراض حضورًا في مراجعات المراكز الصحية في غزة، وسط الاكتظاظ وسوء شروط المياه والصرف الصحي. وبين 14 و20 يونيو/ حزيران 2026، قدّم شركاء القطاع الصحي أكثر من 239 ألف استشارة عبر 14 نقطة خدمة، وكانت نحو 23% منها مرتبطة بأمراض قابلة للإبلاغ.
هكذا يصبح البحث عن الماء جزءًا من معنى اليوم. يحمل الأطفال أوعية تفوق أعمارهم، وينتظر الكبار صهريجًا قد يأتي أو لا يأتي، وتصبح كمية الماء المتاحة هي التي تحدد شكل الوجبة، وعدد مرات غسل اليدين، وإمكان الاستحمام، وحتى كرامة الجسد داخل الخيمة.
جغرافيا تضيق على أهلها
ولم تعد غزة مساحة مفتوحة لسكانها، ولو كانت صغيرة أصلًا. فقد صار القطاع مقسّمًا بخطوط عسكرية ومناطق محظورة وممرات خطرة، لا يعرف المدنيون دائمًا أين تبدأ ولا أين تنتهي.
وتذكر الأمم المتحدة أن معظم قطاع غزة بات خارج متناول الفلسطينيين أو شديد التقييد أمامهم، وأن "الخط البرتقالي" الحالي يضع نحو 64.9% من مساحة القطاع تحت سيطرة إسرائيلية أكثر مباشرة، فيما تتكدس الحياة في المساحات المتبقية.
هذا التضييق الجغرافي لا يعني فقط فقدان الأرض. يعني أيضًا فقدان الحركة. طريق كان يوصل إلى مصدر ماء يصبح خطرًا. شارع كان يقود إلى عيادة يصبح مقطوعًا. مساحة فارغة كان يمكن أن تُنصب فيها خيمة تدخل ضمن منطقة لا يمكن الاقتراب منها. البحر، الذي كان منفذًا نفسيًا ومصدر رزق للصيادين، بات محظورًا عمليًا، مع استمرار القيود على الوصول إليه وإطلاق النار قرب الساحل، وفق تقارير الأمم المتحدة.
وكلما ضاقت المساحة، ازداد الاحتكاك بين الناس والحاجة. خيام أكثر في مساحة أقل، نفايات أكثر، مراحيض أقل، خصوصية شبه معدومة، وتوتر يومي بين عائلات لا تريد سوى أن تجد مترًا آمنًا تقيم فيه.
الخبز كاختبار للكرامة
ولا يُختصر الجوع في غزة بغياب الطعام. الجوع هنا هو أيضًا طابور طويل، وسعر متقلب، ومطبخ جماعي لا يكفي الجميع، ووجبة بلا تنوع، وأم تؤجل حصتها لطفلها، وأب يعود من السوق بيدين شبه فارغتين.
حتى عندما تدخل المساعدات أو السلع التجارية، لا يعني ذلك أن العائلات استعادت قدرتها على الاختيار. فالسؤال لا يكون: ماذا نريد أن نأكل؟ بل: ما الذي يمكن الحصول عليه اليوم؟
وأشار آخر تصنيف متاح للأمن الغذائي من مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 1.6 مليون شخص في غزة ظلوا متوقعين في مستوى الأزمة أو أسوأ حتى أبريل/ نيسان 2026، بينهم 571 ألفًا في مرحلة الطوارئ. كما تذكر الأمم المتحدة أن الأسعار في غزة، رغم تراجعها التدريجي، ما زالت تقارب ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فيما دخلت سلع غير أساسية بنسب لافتة مقارنة بالاحتياجات الحرجة.
وفي هذه الظروف، تصبح الوجبة حدثًا عائليًا مشحونًا. ليس لأنها تجمع الأسرة كما في السابق، بل لأنها تذكّرها بكل ما فقدته: المطبخ، البراد، طاولة الطعام، رائحة البيت، وحق الأطفال في أن يطلبوا ما يحبون لا ما يتوفر.
الخيمة التي لا تصبح بيتًا
وبعد ألف يوم، لم يعد النزوح حالة مؤقتة يمكن احتمالها بانتظار العودة القريبة. تحوّل النزوح إلى شكل قاسٍ من الإقامة المفتوحة: خيمة تُرقّع، بطانية تُنقل من مكان إلى آخر، أرضية تُفرش فوق الرمل أو الركام، وحياة كاملة تُضغط في مساحة لا تكفي للنوم.
وتقدّر الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، في تقييم أضرار واحتياجات نُشر في أبريل 2026، أن أكثر من 1.2 مليون فلسطيني في غزة باتوا بلا منازل، أي ما يقارب 60% من السكان، وأن نحو 76.6% من الوحدات السكنية تضررت مباشرة.
كما قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الدمار خلّف نحو 61 مليون طن من الركام، في واحدة من أعقد مهام التعافي وإزالة الأنقاض.
والبيت ليس جدرانًا فقط. هو مكان تبديل الملابس، ودفتر العائلة، وصور الراحلين، وخصوصية النساء، وهدوء الأطفال، ومكان المرض والتعافي.
وحين يتحول البيت إلى ذكرى، تصبح الخيمة عنوانًا لا يطمئن أحدًا. فهي لا تحمي من الحر جيدًا، ولا من المطر، ولا من الحشرات، ولا من نظرات الآخرين، ولا من الخوف.
مستشفى منهك ومرضى أكثر
وفي غزة، لم تعد المستشفيات أماكن للعلاج وحده. صارت نقطة تجمع لكل ما أنتجته الإبادة: جرحى، مرضى، نازحون، أمهات يبحثن عن علاج لأطفالهن، أصحاب أمراض مزمنة ينتظرون دواءً، وطاقم طبي يعمل فوق قدرته.
والعلاج نفسه صار سلسلة من النواقص: دواء غير متوفر، مختبرات مهددة بالتوقف، وقود قليل، مولدات متعبة، أجهزة ناقصة، وأسرة لا تكفي.
هذا وتقول OCHA إن الخدمات الطبية ما زالت مقيدة بنقص الإمدادات، وإن “الأونروا” أبلغت عن نفاد أو قرب نفاد أصناف حيوية، بينها نحو 20% من الأدوية وأكثر من 95% من لوازم المختبرات والمواد الاستهلاكية، ما يضع خدمات المختبرات تحت خطر الانقطاع.
وتحت هذا الضغط، يتغير معنى المرض. الحمى البسيطة تثير القلق. الجرح الصغير قد يتحول إلى مشكلة. الحمل يصبح رحلة محفوفة بالخوف. الأمراض المزمنة تصبح سباقًا مع الدواء. حتى التعافي يحتاج إلى شروط لم تعد متاحة: غذاء كافٍ، ماء نظيف، راحة، نظافة، ومساحة آمنة.
طفولة بلا جدول مدرسي
ومن بين أكثر وجوه الحياة اليومية انكسارًا في غزة، تبدو الطفولة كأنها فقدت أدواتها الأساسية: المدرسة، اللعب، الروتين، النوم الهادئ، والسؤال البريء عن الغد.
ولم يعد الطفل يستعد ليوم دراسي، بل ليوم من الانتظار: انتظار الماء، انتظار الطعام، انتظار خبر عن قريب، انتظار انتهاء القصف أو إطلاق النار، وانتظار مساحة آمنة للعب لا تختبئ فيها ذخائر غير منفجرة.
وتقدّر اليونيسف أن نحو 700 ألف طفل بين 4 و17 عامًا فقدوا التعليم الوجاهي الرسمي لما يقرب من ثلاثة أعوام دراسية متتالية، وأن نحو 98% من المباني المدرسية في غزة تضررت، فيما لا يحصل نحو 420 ألف طفل على أي تعلم وجاهي. كما تشير المنظمة إلى أن معظم الأطفال في غزة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي.
والتعليم هنا ليس ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد النجاة. في غزة، المدرسة كانت تمنح الطفل جدولًا ومعنى ونافذة على المستقبل. حين يغيب التعليم، يزداد ثقل اليوم على الأطفال، وتصبح مهام البقاء بديلًا من الدرس واللعب. طفل يحمل الماء بدل الحقيبة، وطفلة تقف في طابور الطعام بدل طابور الصباح، ومراهق يرى سنواته تتآكل من دون امتحان واضح للحياة المقبلة.
حين يصبح الوقت عبئًا
في الحروب، يُقال إن الناس يريدون فقط البقاء على قيد الحياة. غير أن ألف يوم تكشف أن البقاء وحده ليس كافيًا لوصف ما يجري في غزة. فالسكان لا يواجهون الموت فحسب؛ يواجهون تآكل الزمن.
كل يوم يشبه الذي قبله: ماء، طعام، خيمة، خوف، مرض، طابور، خبر سيئ، محاولة صغيرة لإنقاذ شيء من الحياة. ومع التكرار، يصبح الوقت نفسه عبئًا، لأن الغد لا يحمل وعدًا واضحًا، والأمس لا يمكن استعادته.
رغم ذلك، لا تختفي الحياة تمامًا. تظهر في أم تنظف خيمة كأنها بيت، وفي معلم يحاول جمع أطفال حول لوح صغير، وفي طبيب يواصل العمل وسط النقص، وفي عائلة تقسم وجبة لا تكفي، وفي طفل يرسم بيتًا ربما لم يعد قائمًا. هذه التفاصيل لا تخفف الجريمة، ولا تجمّل الكارثة. لكنها تقول إن الفلسطينيين في غزة لا يدافعون عن حياتهم بمعناها البيولوجي فقط، بل عن معنى الحياة نفسها.
بعد ألف يوم، يبدو السؤال أكبر من:
كيف نجا الناس؟ والسؤال الأشد قسوة هو: أي حياة تُترك للناجين؟
- ففي غزة، لم تُدمَّر المباني وحدها. دُمّر الإيقاع الطبيعي لليوم، وتحوّلت العادات الصغيرة إلى معارك: شرب الماء، إعداد الطعام، علاج طفل، فتح كتاب، النوم بلا خوف. لذلك، حين يُقال إن الحياة اليومية أصبحت معركة بقاء، فليس ذلك تعبيرًا مجازيًا. إنه الوصف الأقرب لما فعله ألف يوم من الإبادة بمكان كان يحاول، رغم الحصار والحروب السابقة، أن يعيش.