غزة في وجدان العرب: نزوح بلا نهاية وحدٌّ أدنى من الحياة
على مدى أشهر طويلة وثقيلة، عاش الفلسطينيون في قطاع غزة، ومعهم العرب أينما كان، أهوال حرب إبادة بأتمّ معنى الكلمة شُنّت عليهم، ولا تزال، ولو بأشكال وأنماط مختلفة.
في هذه الحرب، لم تعد صورة الدمار الذي شمل معظم أنحاء غزة كافية، ولا حتى مشاهد المجازر المروّعة التي كانت تستهدف المدنيّين في بيوتهم، أو حتى في خيامهم. فكلفة الحرب كانت أقسى من كلّ ذلك، حتى أصبح السؤال الطاغي:
أين ينام الناس؟ ماذا يفعلون حين يحتاج أحد أفراد الأسرة إلى دواء؟ وكيف يتحوّل الماء والغذاء إلى معركة يومية؟
في إطار تنفيذ استطلاع المؤشر العربي في قطاع غزة، طرحت مجموعة أسئلة للوقوف على بعض جوانب الأوضاع الإنسانية القاسية التي عاشها السكان خلال الحرب.
أما الإجابات فجاءت قاسية وواضحة، كأنها شهادة جماعية على معنى "العيش في الطوارئ" حين يطول زمنها، علمًا بأن هذا الاستطلاع نُفّذ ميدانيًا في أبريل/ نيسان 2025.
نزوح لا يتوقف.. وخريطة سكن تشبه خرائط الكوارث
عند قراءة أبرز خلاصات المؤشر العربي 2025، لا يمكن ألا تستوقفك هذه النسبة الصادمة: 93%. هي نسبة أولئك الذين نزحوا من بيوتهم إلى أماكن أخرى مرّة أو أكثر خلال فترة الحرب.
خلال فترة الحرب، هل اضطررت إلى النزوح؟
يعني ذلك أنّ النزوح لم يكن استثناءً في غزة، بل صار القاعدة، وهو يفسّر بصورة أو بأخرى كيف تحوّل المكان إلى حالة مؤقتة، وكيف صار "البيت" معنى هشًّا قابلًا للانقطاع في أي لحظة.
لكنّ "مأساة" النزوح لا تُقرَأ من الرقم فقط، فحين سئل المواطنون عن طبيعة سكنهم، جاءت إجاباتهم لتعكس حجم الانهيار في المأوى، ولتصوّر غزة وقد أعادت إنتاج نفسها كشبكة بدائل اضطرارية:
طبيعة سكن المستجيبين في قطاع غزة
- 48% يعيشون في منزل/ بيت (مكتمل أو متضرر).
-
24% يعيشون في خيام.
-
13% يعيشون في مبانٍ عامة (مستشفى، مركز أيتام).
-
تتّسع الدائرة إلى بدائل أكثر قسوة لدى نسبة وإن كانت أقلّ لكنها شديدة الدلالة على مستوى الانكشاف:
-
إقامة في مبانٍ مهجورة أو غير مكتملة، أو في كراجات ومستودعات، بل وحتى في الشارع والساحات العامة
-
بهذا المعنى، تصبح "خريطة السكن" أقرب إلى خريطة طوارئ طويلة: بيت متضرر، خيمة، مبنى عام، وكلها محاولات متكررة لصناعة حدّ أدنى من الاستقرار في واقع لا يسمح به.
حين يصبح الدواء نادرًا والجوع متكررًا
في غزة، لا تعود الاحتياجات الأساسية تفاصيل هامشية، بل تتحول إلى معيار للعيش نفسه.
ففي غزة، لا تقف الكلفة عند خسارة المنزل، بل تنتقل إلى ما هو أقسى: انكسار شروط البقاء. أرقام الاستطلاع تُظهر أن ما كان يُفترض أن يكون حقًا طبيعيًا صار "غير متاح" لدى شرائح واسعة، من الكهرباء والاتصال، وصولًا إلى الطبابة والغذاء والمياه.
وفي الأرقام، قال 90% إنهم احتاجوا أدوية أو مستلزمات طبية لهم أو لأحد أفراد الأسرة خلال الحرب ولم يجدوها. رقم كهذا لا يصف مشكلة في الإمداد فقط، بل يفتح السؤال على مصير المرضى المزمنين والجرحى والأطفال وكبار السن، وعلى معنى "الطبابة" حين تصبح مرتبطة بالقدرة على الوصول قبل أن تُقفل الأبواب.
أما الغذاء، فالقصة ليست نقصًا عابرًا. 85% قالوا إنهم أو أحد أفراد الأسرة عانوا الجوع عدة مرات خلال الحرب. وفي بلد محاصر ومضروب البنية الأساسية، يصبح الجوع مؤشرًا على انقطاع سلاسل التوريد وتراجع القدرة الشرائية وانهيار القدرة على التخزين، وتحوّل تفاصيل الطعام إلى هاجس يومي.
ثم تأتي المياه بوصفها نقطة الانهيار الأكثر حساسية: 81% أفادوا بأنهم أو أحد أفراد الأسرة لم يجدوا مياهًا للشرب عدة مرات خلال الحرب. وحين تُقاس الحياة بالماء، يصبح كل شيء آخر تابعًا: الصحة، القدرة على الحركة، النظافة، الوقاية، وحتى احتمال انتشار الأمراض.
الحدّ الأدنى من الحياة
- 90% قالوا إنهم كانوا في حاجة إلى أدوية أو مستلزمات طبية لهم أو لأحد أفراد الأسرة خلال الحرب ولم يجدوها.
- 85% أفادوا بأنهم أو أحد أفراد الأسرة عانوا الجوع عدة مرات خلال الحرب.
- 81% قالوا إنهم أو أحد أفراد الأسرة لم يجدوا مياهًا للشرب عدة مرات خلال الحرب.
ولا تتوقف الصورة عند ما عاشه الناس في بيوتهم أو أماكن نزوحهم؛ بل تمتد إلى ما شاهدوه حولهم:
نحو نصف المستجيبين تقريبًا قالوا إنهم كانوا شاهدين على حالات متعددة اضطر فيها أفراد إلى الرجاء من أجل الحصول على طعام أو ماء.
الرجاء هنا ليس صورة عابرة لالتقاطها في تقرير؛ إنه علامة على تحوّل الاحتياجات الأساسية إلى مورد نادر، وعلى اتساع دائرة العوز إلى حدّ يصبح معه "طلب الماء والطعام" جزءًا من المشهد اليومي.
غزة في وجدان العرب
ورغم أن هذه الأرقام تُروى من داخل غزة، فإن "غزة" لم تبقَ داخل حدودها، إذ امتد أثر الحرب إلى المزاج العام العربي.
وفي هذا السياق، رصد المؤشر كيف تعامل مواطنو المنطقة العربية مع الحرب على غزة ولبنان بوصفها أمرًا يمسّهم بشكل مباشر:
87% قالوا إنهم يشعرون بضغط نفسي بسبب الحرب.
وعلى مستوى المتابعة، أفاد 70% من المستجيبين أنهم يتابعون أخبار الحرب على غزة، مقابل 28% أفادوا أنهم لا يتابعون.
وأفادت أغلبية متابعي الحرب أن أهم مصدرين للمتابعة هما القنوات الفضائية (57%)، وشبكة الإنترنت (35%).
في الخلاصة..
هذه الأرقام لا تروي فقط قصة مجاعةٍ وعطشٍ ودواءٍ مفقود؛ إنها تشرح كيف تُكتب السياسة من تحت، من تفاصيل النجاة اليومية. وحين تصبح غزة مرآةً لأوسع مشاعر الضغط النفسي والمتابعة في العالم العربي، يصبح طبيعيًا أن تُطرح علامات الاستفهام بالجملة: كيف يرى العرب القوى المؤثرة في مسار الحرب؟ وأي سياسات يرونها قادرة على تغيير المشهد؟