الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026
Close

"غوغل" في قلب التنافس الأميركي الأوروبي.. من يملك سلطة تنظيم المؤسسات؟

"غوغل" في قلب التنافس الأميركي الأوروبي.. من يملك سلطة تنظيم المؤسسات؟

شارك القصة

تحوّلت الغرامات الأوروبية على "غوغل" من قضية منافسة رقمية إلى مواجهة سياسية وتجارية مع واشنطن
تحوّلت الغرامات الأوروبية على "غوغل" من قضية منافسة رقمية إلى مواجهة سياسية وتجارية مع واشنطن
تحوّلت الغرامات الأوروبية على "غوغل" من قضية منافسة رقمية إلى مواجهة سياسية وتجارية مع واشنطن
الخط
فرض الاتحاد الأوروبي غرامتين بقيمة 890 مليون يورو على "غوغل"، لتتحول قضية المنافسة الرقمية إلى خلاف مع واشنطن حول من يضع قواعد الاقتصاد الرقمي العالمي.

في جولة جديدة من المواجهة الطويلة بين الاتحاد الأوروبي وشركات التكنولوجيا الكبرى، فرضت المفوضية الأوروبية، في 23 يوليو/ تموز 2026، غرامتين على شركة "غوغل" بلغ مجموعهما 890 مليون يورو، أي نحو مليار دولار، بسبب مخالفتها قانون الأسواق الرقمية.[1]

بعد يوم واحد، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيفتح تحقيقًا تجاريًا ضد الاتحاد الأوروبي، متهمًا إياه بـ"سرقة" الشركات الأميركية، ومهددًا بأن يدفع "ثمنًا كبيرًا" بسبب ما وصفه بالسلوك غير القانوني وغير الأخلاقي.[2]

بهذا الانتقال السريع من مكاتب المفوضية الأوروبية في بروكسل إلى البيت الأبيض، تحوّلت قضية تتعلّق بطريقة ترتيب نتائج البحث وشروط متجر تطبيقات إلى مواجهة سياسية بين قوتين اقتصاديتين متحالفتين.


لم يعد السؤال محصورًا في ما إذا كانت "غوغل" قد فضّلت خدماتها على خدمات منافسيها، وإنما اتسع ليشمل مسألة أكثر جوهرية:
من يملك الحق في وضع قواعد الاقتصاد الرقمي العالمي؟ الولايات المتحدة التي تحتضن الشركات والمنصات الأكبر، أم الاتحاد الأوروبي الذي يستضيف مئات الملايين من مستخدميها ويحاول إخضاعها لقوانينه؟

انتقل الخلاف حول ممارسات "غوغل" من ملف تنظيمي أوروبي إلى مواجهة تجارية مع واشنطن
يرى الاتحاد الأوروبي أن سيطرة "غوغل" على بوابة البحث تمنحها القدرة على منافسة الخدمات الأخرى والتحكم في ظهورها - غيتي 

حين تصبح المنصة لاعبًا وحَكَمًا


تتعلّق الغرامة الأولى، البالغة 460 مليون يورو، بطريقة عرض "غوغل" نتائج البحث، إذ خلصت المفوضية الأوروبية إلى أن الشركة منحت خدماتها الخاصة معاملة تفضيلية مقارنة بالخدمات المنافسة، خصوصًا في مجالات التسوق والفنادق والنقل والرياضة.[3]

تكمن المشكلة، من وجهة النظر الأوروبية، في أن "غوغل" لا تشارك في السوق كشركة منافسة فحسب، وإنما تدير أيضًا البوابة الرئيسية التي يصل المستخدمون عبرها إلى الخدمات الرقمية. فعندما يبحث المستخدم عن فندق أو رحلة جوية أو منتج، تستطيع الشركة تحديد الخدمات التي تظهر أولًا والطريقة التي تُعرَض بها، في حين قد تُدفَع الخدمات المنافسة إلى مراتب أدنى.


تتحوّل المنصة بذلك إلى حَكَم في المباراة ولاعب فيها في الوقت نفسه، بما يمنحها القدرة على توجيه المستخدمين نحو خدماتها الخاصة، حتى عندما تتوافر بدائل منافسة قد تكون أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.

أما الغرامة الثانية، البالغة 430 مليون يورو، فتتعلّق بمتجر "غوغل بلاي". ووفق المفوضية، فرضت الشركة قيودًا منعت مطوّري التطبيقات من إبلاغ المستخدمين مجانًا بوجود عروض بديلة خارج المتجر أو توجيههم إليها، مثل مواقع المطورين أو متاجر التطبيقات الأخرى، حيث قد تكون الأسعار أقل بسبب تجنّب العمولة التي تفرضها "غوغل".

رأت المفوضية أيضًا أن قيمة الرسوم التي فرضتها "غوغل" على المطورين عند توجيه المستخدمين إلى وسائل شراء بديلة، فضلًا عن مدة استيفاء هذه الرسوم، تجاوزتا ما يسمح به قانون الأسواق الرقمية.[4]


الغرامتان بالأرقام

أمهلت المفوضية "غوغل" 60 يومًا لإنهاء المخالفات وتعديل ممارساتها، وإلا واجهت الشركة غرامات دورية إضافية. وردّت "غوغل" برفض منطق القرار، إذ قال رئيس الشؤون العالمية فيها، كينت ووكر، إن تطبيق متطلبات الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى إزالة خصائص يعتمد عليها المستخدمون، مثل عرض الأسعار الفورية والإتاحة المباشرة للفنادق والرحلات والمطاعم، فضلًا عن تفكيك بعض إجراءات الأمان في متجر "غوغل بلاي".

وأضاف ووكر أن ما يفرضه قانون الأسواق الرقمية، من وجهة نظر الشركة، لا يعزّز المنافسة بقدر ما يؤدي إلى "تراجع جودة المنتج" استجابة لمطالب مجموعة صغيرة من المنافسين. وأعلنت "غوغل" نيتها الطعن في القرار.[5]

تظهر هنا عقدة الخلاف، فما تعتبره "غوغل" تكاملًا يجعل المنتج أسرع وأسهل، يراه الاتحاد الأوروبي استغلالًا للسيطرة على البنية التحتية الرقمية لإقصاء المنافسين. وما تقدّمه الشركة بوصفه اختيارًا حرًا للمستخدم، تراه بروكسل اختيارًا صُمّمت واجهته مسبقًا لدفعه في اتجاه محدد.


كيف يعمل تفضيل الذات

من معاقبة الاحتكار إلى منعه مسبقًا


ليست هذه المواجهة الأوروبية الأولى مع "غوغل". فمنذ عام 2017، فرض الاتحاد الأوروبي على الشركة سلسلة من الغرامات المرتبطة بخدمة التسوق ونظام "أندرويد" والإعلانات الرقمية

في 2 يوليو 2026، رفضت محكمة العدل الأوروبية طعن "غوغل" في غرامة تبلغ نحو 4.1 مليار يورو، بعدما خلصت إلى أن الشركة استخدمت نظام "أندرويد" لترسيخ هيمنتها على سوق البحث عبر الإنترنت والحد من قدرة المنافسين، لتنتهي بذلك معركة قضائية استمرت نحو ثماني سنوات.[6]

وكانت المفوضية الأوروبية قد فرضت، في سبتمبر/ أيلول 2025، غرامة أخرى بلغت 2.95 مليار يورو، بعدما خلصت إلى أن "غوغل" منحت خدماتها في تكنولوجيا الإعلانات الرقمية معاملة تفضيلية على حساب مزودي الخدمات المنافسين والمعلنين والناشرين الإلكترونيين.[7]

وباحتساب العقوبتين الجديدتين، تبلغ قيمة الغرامات الأوروبية القائمة المرتبطة بممارسات "غوغل" الاحتكارية نحو 10.38 مليارات يورو. ولا يشمل هذا الرقم غرامة "أدسنس" البالغة 1.49 مليار يورو، التي ألغتها المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي عام 2024، فيما لا يزال استئناف المفوضية على الحكم قيد النظر.

تمثّل الغرامتان الأخيرتان أول عقوبتين تُفرضان على "غوغل" بموجب قانون الأسواق الرقمية، لكنهما القرار الخامس والسادس ضد الشركة في سجل قضايا المنافسة الأوروبية، بما في ذلك قرار "أدسنس" الذي أُلغي قضائيًا لاحقًا.[8]


أبرز الغرامات الأوروبية على غوغل

قانون الأسواق الرقمية.. التدخل قبل وقوع الضرر


دخل قانون الأسواق الرقمية حيز التطبيق الفعلي على أول مجموعة من الشركات المصنّفة "حراس بوابة" في مارس/ آذار 2024.

في النموذج التقليدي لمكافحة الاحتكار، كان على السلطات أن تثبت أولًا وجود هيمنة وإساءة لاستخدامها، ثم تخوض تحقيقات وإجراءات قضائية قد تمتد سنوات، بحيث تأتي العقوبات أحيانًا بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل.

أما قانون الأسواق الرقمية فيفرض التزامات مسبقة على المنصات التي تُعد بوابات أساسية بين الشركات والمستخدمين. فلا يجوز لها، مثلًا، تفضيل خدماتها في ترتيب النتائج، أو منع المستخدمين من إزالة بعض التطبيقات المثبتة مسبقًا، أو تقييد استخدام وسائل دفع ومتاجر تطبيقات بديلة.

يمكن للمفوضية الأوروبية فرض غرامات تصل إلى 10% من الإيرادات العالمية السنوية للشركة، وترتفع إلى 20% عند تكرار المخالفة، إضافة إلى غرامات دورية تصل إلى 5% من متوسط الإيراد اليومي.[9]

الهدف هو التدخل قبل أن تتحوّل الممارسة إلى احتكار يصعب تفكيكه، بدل الانتظار حتى تظهر أضراره بعد سنوات. ووفق المفوضية، لا يحل قانون الأسواق الرقمية محل قواعد المنافسة التقليدية، وإنما يكملها عبر وضع قائمة مسبقة بما يجب على المنصات المهيمنة فعله أو الامتناع عنه.[10]


مكافحة الاحتكار التقليدية وقانون الأسواق الرقمية

استهدف القانون في البداية ست مجموعات: "ألفابت" و"أمازون" و"آبل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" الأميركية، و"بايت دانس" الصينية المالكة لـ"تيك توك"، قبل أن تضاف شركة "بوكينغ" بوصفها حارس بوابة لمنصة الحجوزات "Booking.com".

يضم التصنيف حاليًا سبع شركات تتولى تشغيل 23 خدمة رقمية أساسية، تشمل محركات البحث ومتاجر التطبيقات وأنظمة التشغيل ومنصات التواصل والإعلانات الرقمية.[11]

تقول المفوضية الأوروبية إن تصنيف "حراس البوابة" يستند إلى معايير موضوعية، تشمل حجم الشركة وعدد مستخدميها وموقعها في السوق، لا إلى جنسيتها. غير أن النتيجة العملية تفضي إلى أن معظم الشركات التي تنطبق عليها هذه المعايير أميركية، لأن الولايات المتحدة تهيمن على غالبية المنصات الرقمية الكبرى التي تؤدّي دور البوابات الأساسية بين الشركات والمستخدمين.

لهذا تعتبر واشنطن أن القانون، رغم حياده النظري، ينعكس في التطبيق بصورة غير متناسبة على الشركات الأميركية.


أوروبا تنظّم ما لا تستطيع منافسته


يمكن فهم تشدد الاتحاد الأوروبي بوصفه امتدادًا لنموذج سياسي يمنح حماية المنافسة والخصوصية وحقوق المستهلك وزنًا أكبر من حرية الشركات في تصميم أسواقها.

يعكس التشدد أيضًا مشكلة أوروبية أعمق، تتمثل في أن القارة التي تملك واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم لا تملك شركات تضاهي المنصات الأميركية في البحث والتواصل الاجتماعي والحوسبة السحابية وأنظمة تشغيل الهواتف والإعلان الرقمي.

وفي هذا السياق، أشار تقرير "مستقبل التنافسية الأوروبية"، الذي أعدّه الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي بتكليف من المفوضية الأوروبية، إلى أن التكنولوجيا الرقمية كانت عاملًا رئيسيًا في اتساع فجوة الإنتاجية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي.

حذّر التقرير من أن أوروبا مرشحة لمزيد من التراجع ما لم تعالج نقاط ضعفها في الابتكار والاستثمار، لافتًا إلى أنها لم تستفد من الثورة الرقمية الأولى بالقدر الذي استفادت منه الولايات المتحدة، وأن العديد من شركاتها الناشئة يواجه صعوبة في الحصول على التمويل اللازم للتوسع. ويدفع ذلك بعض الشركات إلى نقل أنشطتها أو البحث عن فرص النمو في السوق الأميركية.[12]


في ظل هذا العجز، تحوّلت القواعد إلى أحد أهم مصادر القوة الأوروبية. فالاتحاد لا يستطيع منافسة "غوغل" بمحرك بحث أوروبي بالحجم نفسه، لكنه يستطيع تحديد الشروط التي تعمل بموجبها داخل سوق تضم 452 مليون نسمة. ولا يملك نظام تشغيل يوازي "أندرويد" أو "آي أو أس"، لكنه يستطيع إلزامهما بالسماح بخيارات أوسع للمستخدمين والمطورين.


تملك أوروبا سوقًا استهلاكية ضخمة، لكنها لا تزال تفتقر إلى منصات رقمية تنافس الشركات الأميركية عالميًا

تملك أوروبا واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، لكنها لا تزال تفتقر إلى منصات رقمية تضاهي الشركات الأميركية - غيتي

تُعرَف هذه القدرة بمفهوم "تأثير بروكسل"، الذي صاغته أستاذة القانون في جامعة كولومبيا أنو برادفورد لوصف قدرة الاتحاد الأوروبي على تصدير معاييره التنظيمية إلى العالم بفضل حجم سوقه.

قد تجد الشركات متعددة الجنسيات أن تطبيق معيار أوروبي واحد على جميع عملياتها أقل كلفة من تطوير منتجات أو خدمات مختلفة لكل سوق، فتتحوّل القواعد الأوروبية عمليًا إلى معايير دولية من دون أن يفرضها الاتحاد مباشرة على الدول الأخرى.[13]

ظهر ذلك سابقًا مع قواعد حماية البيانات، ويتكرر الآن مع تنظيم المنصات والذكاء الاصطناعي.


حين تصبح شركات التكنولوجيا مصلحة قومية


لم يبدأ الرد الأميركي مع الغرامة الأخيرة. ففي فبراير/ شباط 2025، أصدر ترمب مذكرة رئاسية تعهّد فيها بحماية الشركات الأميركية من الضرائب والغرامات والقيود التنظيمية الأجنبية التي تعتبرها إدارته تمييزية أو غير متناسبة.

وصفت المذكرة هذه الإجراءات بأنها محاولة لنقل أموال وملكية فكرية من الولايات المتحدة إلى حكومات أجنبية، وأتاحت الرد عليها بالرسوم الجمركية وغيرها من التدابير التجارية.[14]

وبعد إعلان المفوضية الأوروبية الغرامة الأخيرة على "غوغل"، رأى الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير أن القرار يمثل أحدث حلقة في نهج أوروبي "متزايد العدوانية" يستهدف شركات التكنولوجيا الأميركية.

اعتبر غرير أن هذه الخطوة، إلى جانب إجراءات أوروبية أخرى، تستهدف أكثر الشركات الأميركية تنافسية، وتخلق حالة كبيرة من عدم اليقين بالنسبة إلى صادرات السلع والخدمات الأميركية إلى أوروبا، بما يهدد استقرار التجارة عبر الأطلسي.[15]

وجاء إعلان ترمب عزمه فتح تحقيق بموجب المادة 301 من قانون التجارة للعام 1974[16] لينقل التهديد إلى مسار قانوني رسمي. فهذه المادة تسمح للإدارة الأميركية بالتحقيق في ممارسات أو سياسات أجنبية تعتبرها غير عادلة أو مقيّدة للتجارة، وقد تفضي إلى فرض رسوم جمركية أو تدابير تجارية انتقامية.[17]

وإذا انتهى التحقيق إلى مثل هذه الإجراءات، قد تمتد تداعيات النزاع إلى قطاعات أوروبية لا صلة مباشرة لها بالخلاف الرقمي، بما في ذلك السيارات والأدوية والمنتجات الصناعية.


ماذا تعني المادة 301

تزداد حساسية المسألة لأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي توصلا، في أغسطس/ آب 2025، إلى إطار للتجارة المتبادلة، نص على تطبيق رسوم أميركية بنسبة 15% على معظم السلع الأوروبية، مقابل التزامات أوروبية بفتح الأسواق أمام عدد من السلع الأميركية، من بينها إلغاء الرسوم على السلع الصناعية ومعالجة بعض الحواجز غير الجمركية.[18]

لم يحسم ذلك الإطار الخلافات المتعلقة بالتنظيم الرقمي، التي بقيت من أكثر ملفات العلاقة التجارية عبر الأطلسي إثارة للتوتر.


"غوغل" محتكرة في الداخل وضحية في الخارج


لا يمكن اختزال المواجهة في انقسام بين أوروبا المؤيدة للتنظيم والولايات المتحدة المدافعة عن حرية السوق، إذ خاضت السلطات الأميركية نفسها خلال السنوات الأخيرة بعضًا من أهم قضايا مكافحة الاحتكار ضد "غوغل".

بدأت وزارة العدل، في عهد ترمب الأول، قضية تتعلق باحتكار البحث، واستمرت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، قبل أن تقرر محكمة اتحادية أن الشركة حافظت بصورة غير قانونية على احتكارها.
وفي سبتمبر 2025، حصلت وزارة العدل على تدابير تمنع "غوغل" من إبرام بعض العقود الحصرية أو الحفاظ عليها، وتفرض عليها إتاحة بيانات محددة وخدمات مرتبطة بالبحث لمنافسين مؤهلين، بينهم شركات تعمل في الذكاء الاصطناعي.[19]
في قضية أخرى، خلصت محكمة أميركية في نيسان/أبريل 2025 إلى أن "غوغل" احتكرت بصورة غير قانونية أجزاء أساسية من سوق تكنولوجيا الإعلانات. وقالت وزارة العدل إن المحكمة وجدت أن ممارسات الشركة أضرّت بالناشرين وبالعملية التنافسية وبمستهلكي المعلومات على شبكة الإنترنت.[20]
وفي قضية ثالثة، حكم القضاء الأميركي لمصلحة شركة "إبيك غيمز" في نزاعها مع متجر "غوغل بلاي". ووجدت هيئة المحلفين أن "غوغل" حصلت على قوة احتكارية أو حافظت عليها في سوق توزيع تطبيقات "أندرويد" وأنظمة الدفع، وأيّدت محكمة الاستئناف أمرًا قضائيًا يفرض قيودًا على تعاملات الشركة مع المطوّرين وموزّعي التطبيقات.[21]

غوغل أمام القضاء الأميركي

تكشف القضايا الثلاث أن الخلاف لا يتعلّق ببراءة "غوغل" من الممارسات الاحتكارية، وإنما بالجهة التي تملك حق محاسبتها. فواشنطن تتعامل مع ضبطها داخل الولايات المتحدة بوصفه شأنًا سياديًا، لكنها ترى في العقوبات الخارجية استهدافًا لأصل اقتصادي أميركي.
مع تحوّل شركات التكنولوجيا إلى جزء من القوة القومية للولايات المتحدة، لم تعد الغرامات المفروضة عليها منفصلة عن الصراع الأوسع على النفوذ التكنولوجي والاقتصادي.

هل تستطيع أوروبا المنافسة بالغرامات؟


رغم ضخامته الظاهرية، يعادل مبلغ المليار دولار نحو ربع واحد في المئة فقط من إيرادات "ألفابت" في عام 2025، التي بلغت قرابة 403 مليارات دولار.[22]

تستطيع الشركة استيعاب الغرامة والطعن فيها ومواصلة التفاوض بشأن تعديلات تقنية. ولهذا قد تكون أهمية القرار القانونية والسوقية أكبر من تأثيره المباشر في ميزانية المجموعة.

الخطر الأكبر على "غوغل" هو أن يشكّل القرار أساسًا لمطالبات خاصة بالتعويض، حيث تستعد شركات أوروبية منافسة لرفع دعاوى قضائية تطالب بتعويضات قد تصل قيمتها الإجمالية إلى عشرة مليارات دولار.

وكانت منصة المقارنة الألمانية "إيديالو" قد حصلت على حكم بتعويض قدره 465 مليون يورو، فيما تطالب شركات أخرى في السويد وإيطاليا وبريطانيا بتعويضات بمليارات الدولارات.[23]


الغرامة والميزانية

يبقى طول الإجراءات نقطة ضعف أساسية. فقد بدأت شكاوى بعض خدمات مقارنة الأسعار بعد تغييرات أجرتها "غوغل" منذ عام 2008، ولم تصل أجزاء منها إلى أحكام نهائية إلا بعد نحو عقدين.

خلال هذه المدة، يمكن أن تخسر الشركات المنافسة مستخدميها وتمويلها، فيما تتحوّل الغرامة المتأخرة إلى مجرد تكلفة ضمن أعمال المجموعة المهيمنة. وفي قضية "أندرويد" وحدها، استغرقت المعركة بين فرض الغرامة والحكم الأوروبي النهائي نحو ثماني سنوات.

كما أن فتح السوق لا يؤدي تلقائيًا إلى ظهور منافس أوروبي عالمي. يحتاج ذلك إلى استثمارات ورأس مال وأسواق موحدة وبنية سحابية، فضلًا عن قدرة أكبر على تحويل الأبحاث إلى شركات قابلة للتوسع، وهي مجموعة من نقاط الضعف التي تناولها تقرير دراغي بالتفصيل.[24]


مواجهة بين حليفين لا يستطيعان الانفصال


من غير المرجح أن تقود غرامة "غوغل" وحدها إلى حرب تجارية شاملة، لأن حجم المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يجعل الانفصال أو المواجهة المفتوحة مكلفين للطرفين. وحتى في عام 2026، واصل الجانبان تطوير خطط مشتركة لتعزيز أمن سلاسل توريد المعادن،[25] بالتوازي مع تصاعد خلافهما حول التكنولوجيا.

من هنا، تقف أوروبا أمام اختبار مزدوج: إثبات قدرتها على إخضاع المنصات الأجنبية لقواعدها، وإثبات أن هذه القواعد تفتح بالفعل مساحة للابتكار بدل أن تنتج طبقة إضافية من الإجراءات والغرامات.

إذا اكتفت بالتنظيم، ستبقى قوية في تحديد شروط السوق وضعيفة في امتلاك أدواتها. وإذا خففت قوانينها تحت الضغط الأميركي دون بناء بدائل، فقد تتعمق تبعيتها بدل أن تتراجع.


المراجع



[1] European Commission, Commission fines Google €890 million for breaches of the Digital Markets Act, July 2026

[2] CNBC, Trump threatens EU with ‘substantial TARIFF’ for ‘ROBBING’ U.S. tech giants, July 2026

[3] European Commission, Commission fines Google €890 million for breaches of the Digital Markets Act, July 2026

[4] المصدر نفسه

[5] Foo Yun Chee, Google hit with $1 billion EU fine, in 'constructive' talks to avoid more penalties, Reuters, July 2026

[6] Foo Yun Chee and Sudip Kar-Gupta, Google loses fight against record €4.1 billion EU antitrust fine, Reuters, July 2026

[7] European Commission, Commission fines Google €2.95 billion over abusive practices in online advertising technology, September 2025

[8] Foo Yun Chee, Google hit with $1 billion EU fine, in 'constructive' talks to avoid more penalties, Reuters, July 2026

[9] European Commission, About the Digital Markets Act. digital-markets-act.ec.europa.eu/about-dma_en

[10] المصدر نفسه

[11] European Commission, Gatekeepers Portal. digital-markets-act.ec.europa.eu/gatekeepers-portal_en

[12] European Commission, The future of European competitiveness: Report by Mario Draghi, September 2024

[13] Bradford, A. (2012). The Brussels Effect. Northwestern University Law Review, 107(1), 1–67.

[14] The White House, Defending American Companies and Innovators from Overseas Extortion and Unfair Fines and Penalties, February 2025

[15] USTR, Ambassador Greer Issues Statement on the European Union Creating Uncertainty in our Transatlantic Trade Relationship, July 2026

[16] CNBC, Trump threatens EU with ‘substantial TARIFF’ for ‘ROBBING’ U.S. tech giants, July 2026

[17] USTR, USTR Announces Section 301 Investigation of Vietnam’s Acts, Policies, and Practices Related to Intellectual Property Protection and Enforcement, May 2026

[18] European Commission, Joint Statement on a United States-European Union framework on an agreement on reciprocal, fair and balanced trade, August 2025

[19] U.S. Department of Justice, Department of Justice Wins Significant Remedies Against Google, September 2025

[20] U.S. Department of Justice, Department of Justice Prevails in Landmark Antitrust Case Against Google, ِِApril 2025

[21] United States Court of Appeals for the Ninth Circuit. (2025, July 31). In re Google Play Store Antitrust Litigation (No. 24-6256).

[22] Alphabet Investor Relations, 2025 Q4 Earnings Call, February 2026

[23] Supantha Mukherjee and Foo Yun Chee, Google rivals line up seeking damages after record $1 billion EU fine, Reuters, July 2026

[24] European Commission, The future of European competitiveness: Report by Mario Draghi, September 2024

[25] USTR, Ambassador Jamieson Greer Announces United States-European Union Action Plan for Critical Minerals Supply Chain Resilience, April 2026

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من