الإثنين 14 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

فرنسا والمغرب.. ربع نهائي يتجاوز كرة القدم

فرنسا والمغرب.. ربع نهائي يتجاوز كرة القدم

شارك القصة

فرنسا والمغرب.. مواجهة تتجاوز كرة القدم
فرنسا والمغرب.. مواجهة تتجاوز كرة القدم
فرنسا والمغرب.. مواجهة تتجاوز كرة القدم
الخط
مواجهة فرنسا والمغرب في ربع نهائي كأس العالم 2026 تحمل أبعادًا تتجاوز كرة القدم، من ذاكرة 2022 إلى أسئلة الهوية والهجرة والتاريخ المشترك.

عندما يدخل لاعبو فرنسا والمغرب أرض ملعب بوسطن، لن تبدأ مباراة ربع نهائي عادية في كأس العالم 2026. ستعود إلى الواجهة ذاكرة نصف نهائي قطر، وأسئلة الهوية والهجرة، والعلاقات القديمة بين بلدين تفصل بينهما الجغرافيا وتجمعهما ملايين القصص العائلية والإنسانية.

تجمع المواجهة منتخبًا فرنسيًا اعتاد الوصول إلى المراحل الأخيرة، بمنتخب مغربي نجح خلال نسختين متتاليتين في تغيير موقع كرة القدم العربية والإفريقية داخل المونديال.

تبحث فرنسا عن خطوة جديدة نحو نهائي ثالث على التوالي، بينما يريد المغرب إثبات أن إنجاز 2022 لم يكن لحظة استثنائية انتهت بانتهاء البطولة، وإنما بداية انتقال كامل من خانة المفاجأة إلى خانة المنافسة.


مبابي وحكيمي يتواجهان مجددًا بعد نصف نهائي مونديال قطر
مبابي وحكيمي يتواجهان مجددًا بعد نصف نهائي مونديال قطر

ذاكرة نصف نهائي قطر


التقى المنتخبان في نصف نهائي مونديال قطر يوم 14 ديسمبر/ كانون الأول 2022، عندما فازت فرنسا بهدفين دون مقابل في استاد البيت بمدينة الخور.

أنهت تلك المباراة أول رحلة لمنتخب عربي وإفريقي إلى نصف نهائي كأس العالم، لكنها لم تُنهِ الأثر الذي تركه المغرب. فقد خرج "أسود الأطلس" من البطولة بمكانة جديدة، بعدما تجاوزوا إسبانيا والبرتغال ونافسوا فرنسا على بطاقة الوصول إلى النهائي.


بعد أربعة أعوام، تبدو المعادلة مختلفة.
لاعبو المغرب يحتفلون

لم يعد المغرب يدخل المواجهة بصفة "الحصان الأسود"، ولا يكفي وصف وصوله إلى ربع النهائي بالمفاجأة 

تجاوز المنتخب المغربي هولندا بركلات الترجيح في دور الـ32، ثم تغلب على كندا بثلاثة أهداف دون مقابل، ليصل إلى مواجهة فرنسا بوصفه أحد المنافسين الحقيقيين على اللقب. وقال المدرب محمد وهبي عشية المباراة إن بلوغ ربع النهائي لا يمثل نهاية الطموح، لأن هدف المغرب يبقى الفوز بكأس العالم.

لا تتعلق المباراة بثأر رياضي مباشر بقدر ما تمنح المغرب فرصة لإعادة كتابة النهاية. فالمنتخب لا يستطيع تغيير نتيجة 2022، لكنه يستطيع منعها من التحول إلى سقف دائم لطموحه.

نصف النهائي في 2022 ورهان 2026.png

تاريخ حاضر في خلفية الملعب


تحمل أي مواجهة بين فرنسا والمغرب طبقات تاريخية لا تظهر في جدول النتائج.

خضع المغرب لنظام الحماية الفرنسية خلال النصف الأول من القرن العشرين، قبل حصوله على الاستقلال عام 1956. واستمرت بعد ذلك علاقات سياسية واقتصادية وثقافية متشعبة بين البلدين.

لا يدخل اللاعبون الملعب ممثلين لهذا التاريخ، ولا ينبغي اختزال المباراة في مواجهة رمزية بين قوة استعمارية سابقة وبلد خضع للاستعمار. لكن الماضي يفسر جانبًا من الشحنة العاطفية المحيطة باللقاء، خصوصًا لدى جماهير ترى كرة القدم مساحة نادرة لإعادة ترتيب موازين القوة، ولو لمدة تسعين دقيقة.

تمنح الرياضة الدول الأصغر سياسيًا واقتصاديًا فرصة مواجهة القوى الكبرى وفق شروط متساوية: ملعب واحد، وعدد متساوٍ من اللاعبين، ونتيجة لا تحددها القوة الاقتصادية أو النفوذ الدولي.

لهذا لا تُقرأ مباراة فرنسا والمغرب فقط من خلال التشكيلات والخطط، وإنما من خلال ذاكرة سياسية واجتماعية لا تزال حاضرة في علاقة البلدين. وتختصر المواجهة روابط ما بعد الاستعمار والتداخل العائلي والإنساني بين المجتمعين.


الجماهير تستعد لمباراة ربع النهائي

جماهير فرنسا والمغرب تستعد لمواجهة تحمل أبعادًا تتجاوز الملعب - غيتي

مباراة تُلعب داخل فرنسا أيضًا


لا تقتصر متابعة اللقاء على الرباط والدار البيضاء وباريس. توجد المباراة أيضًا داخل عائلات وأحياء فرنسية تضم أجيالًا من المهاجرين المغاربة والمغاربيين وأبنائهم.

عاش في فرنسا عام 2023 نحو 3.5 ملايين مهاجر مولودين في إفريقيا، وكان ستة من كل عشرة منهم مولودين في بلدان المغرب العربي، وعلى رأسها الجزائر والمغرب وتونس.

تجعل هذه التركيبة الاجتماعية مباريات فرنسا أمام منتخبات شمال إفريقيا مختلفة عن معظم المواجهات الدولية. فالجمهور لا ينقسم دائمًا بين فرنسي ومغربي على نحو حاد، وقد يجد الشخص نفسه متعلقًا بالمنتخبين في الوقت نفسه: واحد يمثل بلد الميلاد والحياة اليومية، والآخر يمثل العائلة والذاكرة والجذور.

لهذا تثير المباراة أسئلة لا تجيب عنها الأعلام وحدها: هل يصبح تشجيع المغرب رفضًا لفرنسا؟ وهل يفترض الانتماء إلى المجتمع الفرنسي التخلي عن الروابط العائلية والثقافية مع بلد الأصل؟

تقدم كرة القدم إجابة أكثر مرونة. يستطيع الفرد حمل أكثر من انتماء، حتى عندما تجبره المباراة على اختيار قميص واحد لمدة ليلة.
المباراة داخل فرنسا أيضًا

اللاعبون مرآة للهوية المركبة


تظهر العلاقات المتداخلة بين البلدين داخل الملعب أيضًا. فقد تشكل جانب مهم من الكرة المغربية الحديثة عبر لاعبين ولدوا أو نشؤوا في أوروبا، وتلقوا تكوينهم في أنديتها قبل اختيار تمثيل بلد عائلاتهم.

يقدم المدافع عيسى ديوب إحدى أبرز قصص المواجهة الحالية. وُلد في تولوز لأب سنغالي وأم مغربية، ومثّل منتخبات فرنسا للفئات العمرية، قبل أن يختار الانضمام إلى المنتخب المغربي.

أصبح ديوب لاحقًا أحد أبطال عبور المغرب أمام هولندا، بعدما سجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع قبل التأهل بركلات الترجيح. ويجد نفسه الآن مطالبًا بإيقاف كيليان مبابي والهجوم الفرنسي، بعدما كان يتطلع في مرحلة سابقة إلى تمثيل فرنسا.

لا تعكس هذه الاختيارات تناقضًا بسيطًا بين الولاء والخيانة. بعض اللاعبين يمثل البلد الذي نشأ فيه، وبعضهم يختار بلد الوالدين، فيما يجد آخرون أن هويتهم لا يمكن اختصارها بجنسية كروية واحدة.

ويضم المنتخب المغربي الحالي ستة لاعبين وُلدوا في فرنسا، في صورة تعكس حجم التداخل بين المدرستين الكرويتين والمجتمعين.


لاعبون بين بلدين

بين مبابي وحكيمي

تمنح العلاقة بين كيليان مبابي وأشرف حكيمي المباراة وجهًا شخصيًا آخر.
لعب النجمان معًا لسنوات في باريس سان جيرمان، وظهرت صداقتهما داخل الملعب وخارجه، لكن كلًا منهما يدخل المواجهة حاملًا مسؤولية مختلفة. مبابي قائد فرنسا وهدافها الأول، وحكيمي أحد قادة أنجح جيل في تاريخ كرة القدم المغربية. 

صداقة مبابي وحكيمي تتوقف تسعين دقيقة أمام حلم الوصول إلى نصف النهائي.
صداقة مبابي وحكيمي تتوقف تسعين دقيقة أمام حلم الوصول إلى نصف النهائي - غيتي
لن تكون المواجهة بينهما ثنائية مباشرة طوال الوقت، لكنها تختصر جانبًا من قصة اللقاء: لاعبان تشاركا غرفة ملابس واحدة، ثم يقف كل منهما في ليلة مونديالية أمام حلم الآخر.
بالنسبة إلى مبابي، يمثل العبور خطوة نحو تكريس فرنسا بوصفها أحد أكثر المنتخبات ثباتًا في الأدوار الأخيرة. أما حكيمي، فيحمل فرصة قيادة المغرب إلى نصف النهائي للمرة الثانية تواليًا، هذه المرة عبر المنتخب الذي أوقف الرحلة السابقة.

صديقان أمام حلم

المغرب لم يعد الحصان الأسود


لا تكتسب الخلفيات التاريخية والاجتماعية قوتها إلا لأن المباراة متكافئة رياضيًا أكثر مما كانت عليه مواجهات سابقة بين المنتخبين.

تطورت اختيارات المغرب، وارتفعت ثقته بالكرة، ولم يعد رهانه قائمًا على الدفاع والمرتدات وحدهما. فقد أظهر أمام البرازيل وهولندا وكندا قدرته على الاستحواذ وصناعة الفرص والتحول بين أكثر من أسلوب خلال المباراة.

تأهل المغرب إلى ربع النهائي بعدما تغلب على كندا بثلاثة أهداف دون مقابل

قدّم المنتخب المغربي أمام كندا نموذجًا لنضجه الجديد. فعلى الرغم من تفوق أصحاب الأرض في فترات من الشوط الأول، حافظ المغرب على توازنه ثم سجل ثلاثة أهداف من أربع تسديدات على المرمى، ليجمع بين الصلابة والفاعلية الهجومية.

لكن الفريق تلقى ضربة مؤثرة قبل اللقاء، بعدما تأكد غياب إسماعيل صيباري بسبب إصابة في العضلة الخلفية تعرض لها أمام كندا. وكان اللاعب قد سجل خلال مباريات المغرب الثلاث في دور المجموعات، كما نفذ الركلة الحاسمة أمام هولندا.

في الجهة المقابلة، حققت فرنسا الفوز في مبارياتها الخمس السابقة، لكنها احتاجت إلى الصبر وركلة جزاء من مبابي لتجاوز باراغواي بهدف دون مقابل.

تمتلك فرنسا قوة هجومية يقودها مبابي وعثمان ديمبيلي ومايكل أوليس، غير أن مباراة المغرب تمثل اختبارها الأكثر تكاملًا حتى الآن، أمام منتخب يملك الجودة الفنية والصلابة البدنية والقدرة على تغيير إيقاع اللعب.


المنتخب المغربي: من مفاجأة إلى منافس

مباراة كرة قدم أولًا


تجذب الخلفيات السياسية والاجتماعية كثيرًا من الاهتمام، لكنها لا ينبغي أن تطغى على حقيقة أن النتيجة ستُحسم بتفاصيل كروية دقيقة: تمركز دفاعي، كرة ثابتة، انتقال سريع أو لحظة فردية من مبابي أو حكيمي أو أوناحي.

لا يحتاج المغرب إلى حمل التاريخ كله فوق أكتاف لاعبيه، ولا تدخل فرنسا المباراة للدفاع عن ماضيها أو نموذجها الاجتماعي.

تكفي أهمية ربع النهائي وحدها لصناعة الضغط. الفائز سيبلغ المربع الذهبي لمواجهة الفائز من مباراة إسبانيا وبلجيكا، فيما سيغادر الخاسر بطولة بدا خلالها قادرًا على الوصول إلى أبعد نقطة.

لكن كرة القدم لا تستطيع دائمًا التحكم في المعاني التي يضعها الجمهور داخلها. قد تكون المباراة بالنسبة إلى لاعب محاولة للتأهل فقط، بينما تصبح لدى مشجع اختبارًا للهوية، أو استعادة لذكرى عائلية، أو فرصة لرؤية البلد الذي ينتمي إليه قادرًا على هزيمة أحد كبار العالم.


يتجاوز ربع نهائي فرنسا والمغرب حدود الملعب من دون أن يفقد طبيعته الرياضية. إنه لقاء بين منتخبين، وذاكرتين، ومجتمعين يتداخلان أكثر مما توحي به الأعلام المتقابلة.
عند صافرة النهاية، سيتأهل منتخب واحد فقط. لكن الصورة التي ستبقى لن تكون نتيجة المباراة وحدها، وإنما ذلك المشهد الذي يجمع لاعبين وجماهير يحمل كثير منهم أجزاء من فرنسا والمغرب في الوقت نفسه.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي