تبدو كلمة "التسلسل" اليوم من بديهيات علم الأحياء، إذ يتحدث العلماء عن تسلسل الجينات والطفرات وترتيب الأحماض الأمينية في البروتينات كما لو أن جزيئات الحياة كانت دائمًا نصوصًا مفتوحة يمكن قراءتها.
لكن في النصف الأول من القرن العشرين، كان الواقع مختلفًا. عرف الباحثون أن البروتينات تتكون من وحدات أصغر تسمى الأحماض الأمينية، إلا أن ترتيب هذه الوحدات داخل بروتين كامل ظل مجهولًا.
هنا ظهر عالم الكيمياء الحيوية البريطاني فريدريك سانغر، الذي تمكّن من تغيير هذا الواقع مرتين. قرأ أولًا ترتيب الأحماض الأمينية في الإنسولين، مثبتًا أنّ البروتين يمتلك بنية خطية محددة، ثم انتقل إلى الأحماض النووية وطوّر طريقة أتاحت قراءة ترتيب قواعد الحمض النووي "DNA".
سؤال صغير قاد إلى قراءة الإنسولين
ولد سانغر في 13 أغسطس/ آب 1918 في ريندكومب بمقاطعة غلوسترشير البريطانية، ودرس في جامعة كامبريدج. وفكر بداية في دراسة الطب على خطى والده، قبل أن يجد أن العمل المخبري يناسبه أكثر، ليتجه إلى الكيمياء الحيوية ويبدأ مسيرة علمية اتسمت بالعمل التجريبي والصبر بعيدًا عن الأضواء.
بدأ مشروع سانغر حول الإنسولين من سؤال يبدو بسيطًا: ما الحمض الأميني الموجود عند بداية سلسلة البروتين؟
وللإجابة، طوّر مادة كيميائية ترتبط بالطرف الأول من سلسلة البروتين، عرفت لاحقًا باسم "كاشف سانغر"، وأتاحت له الحصول على نقطة ثابتة داخل جزيء لم يكن من الممكن رؤيته أو قراءته مباشرة.
ولم تكن في ذلك الوقت أجهزة قادرة على إدخال بروتين كامل إليها والحصول على تسلسله كما يحدث اليوم، لذلك لجأ سانغر إلى تفكيك الإنسولين إلى مقاطع أقصر، ثم فصل هذه الأجزاء على ورق ترشيح بالاستفادة من اختلاف شحنتها وحركتها في مجال كهربائي.
وبعد ذلك، قارن المقاطع المتداخلة وأعاد تركيبها تدريجيًا، في عملية تشبه جمع قطع أحجية كبيرة، إذ كانت البقع التي تظهر على الورق تمثل أجزاء مختلفة من البروتين.
واحتاج العمل إلى سنوات من التجارب المتكررة، قبل أن يتمكن سانغر من تحديد ترتيب 51 حمضًا أمينيًا موزّعة على سلسلتين، ومعرفة كيفية ارتباطهما.
واكتمل نموذج تسلسل الإنسولين عام 1955، قبل أن يحصل سانغر عام 1958 على جائزة نوبل في الكيمياء عن أبحاثه في بنية البروتينات، ولا سيما الإنسولين.
إنجاز تجاوز حدود مرض السكري
لم تقتصر أهمية اكتشاف سانغر على معرفة بنية هرمون مرتبط بتنظيم مستوى الغلوكوز في الدم، بل قدم عمله أول دليل حاسم على أن البروتين يمتلك تسلسلًا كيميائيًا محددًا.
فالأحماض الأمينية كانت معروفة قبل سانغر، لكن عمله أثبت أن مواقعها ليست عشوائية أو قابلة للتبديل، وأن ترتيبها يمثل جزءًا أساسيًا من هوية البروتين ووظيفته، تمامًا كما يؤدي تغيير ترتيب الحروف إلى تغيير معنى الكلمة.
وفتح ذلك الباب أمام فهم أعمق للعلاقة بين بنية البروتين ووظيفته، إذ إن ترتيب الأحماض الأمينية في الإنسولين وطريقة اتصال سلسلتيه يحددان شكله وقدرته على الارتباط بالمستقبلات وأداء وظيفته داخل الجسم.
وأصبح تحديد التسلسل لاحقًا أساسًا لمجالات واسعة، من دراسة الإنزيمات إلى تطوير وتصنيع البروتينات المستخدمة في العلاجات.
من البروتين إلى الحمض النووي
انتقل سانغر عام 1962 إلى مختبر مجلس البحوث الطبية للبيولوجيا الجزيئية في كامبريدج، وهناك تحول اهتمامه تدريجيًا من البروتينات إلى الأحماض النووية.
وقد تبدو المهمة أبسط نظريًا، فالحمض النووي يستخدم أربع قواعد أساسية فقط، مقارنة بعشرين حمضًا أمينيًا شائعًا تدخل في تركيب البروتينات، إلا أن المشكلة كانت في الطول الهائل لسلاسل "DNA" وصعوبة التمييز بين وحداتها المتعاقبة.
وبدأ سانغر بتطوير وسائل لقراءة جزيئات صغيرة من الحمض النووي الريبي "RNA"، ثم انتقل إلى "DNA"، محافظًا على المبدأ الذي قاده إلى النجاح مع الإنسولين: بدلًا من محاولة قراءة الجزيء كاملًا دفعة واحدة، يمكن تقسيمه إلى أجزاء واستخراج التسلسل من الاختلافات بينها.
طريقة "إنهاء السلسلة"
قاد هذا التفكير سانغر، بالتعاون مع ستيف نيكلن وآلان كولسون، إلى تطوير طريقة "إنهاء السلسلة"، التي أصبحت واحدة من أهم التقنيات في تاريخ علم الوراثة.
فعندما يجري نسخ الحمض النووي، يضيف إنزيم البوليميراز قاعدة جديدة إلى طرف السلسلة النامية، ثم يواصل إضافة القواعد واحدة تلو الأخرى.
واستخدم الفريق قواعد معدلة تعرف باسم "ثنائية منزوعة الأكسجين"، يمكنها الدخول في السلسلة أثناء عملية النسخ، لكنها تمنع إضافة قاعدة أخرى بعدها، لتتحول كل واحدة منها إلى نقطة توقف.
وبوضع الحمض النووي المراد قراءته مع إنزيم النسخ والقواعد الطبيعية وكميات صغيرة من القواعد الموقفة، تتوقف بعض النسخ عند مواضع مبكرة وأخرى عند مواضع لاحقة، ما ينتج مجموعة كبيرة من قطع الحمض النووي ذات أطوال مختلفة.
وبعد فصل هذه القطع من الأقصر إلى الأطول، يصبح بالإمكان معرفة القاعدة التي أنهت كل قطعة، ومن ثم إعادة بناء ترتيب القواعد في السلسلة الأصلية.
ونشرت طريقة "إنهاء السلسلة" عام 1977، وكانت نسختها الأولى تعتمد على علامات مشعة وأربع تجارب منفصلة، واحدة لكل قاعدة من قواعد الحمض النووي.
وكانت قوة الفكرة في بساطتها، إذ لم يعد العلماء بحاجة إلى رؤية القاعدة مباشرة، بل جعل سانغر موقع كل قاعدة يترك أثراً يمكن قياسه وقراءته.
أول جينوم كامل
أتاحت التقنية الجديدة لفريق سانغر تحقيق خطوة أخرى غير مسبوقة، تمثلت في قراءة أول جينوم كامل قائم على الحمض النووي، وهو جينوم فيروس صغير يعرف باسم "فاي إكس 174".
وكشفت عملية القراءة أن الجينات يمكن أن تتداخل، أي إن المنطقة نفسها من الحمض النووي قد تدخل في تعليمات جينية مختلفة وفق نقطة بداية القراءة وطريقتها.
وواصل فريق سانغر عمله بقراءة جينوم الميتوكوندريا، ليكشف أيضًا أن بعض إشاراته تختلف عن الصيغة التي كان ينظر إليها باعتبارها "الشفرة الجينية العامة".
وأظهرت هذه الإنجازات أن أهمية التسلسل لا تكمن في الحصول على سلسلة من الأحرف فقط، بل في استخدام ترتيبها لفهم الطريقة التي تخزن بها الخلايا المعلومات وكيفية استخدامها.
وفي عام 1980، حصل سانغر على جائزة نوبل في الكيمياء للمرة الثانية، وتقاسم جانبًا منها المتعلق بتسلسل الأحماض النووية مع والتر غيلبرت، بينما كُرّم بول بيرغ عن أبحاث أخرى في كيمياء الأحماض النووية.
وبذلك، أصبح سانغر واحدًا من عدد قليل جدًا من العلماء الذين حصلوا على جائزة نوبل مرتين، وجمع الإنجازين خيط علمي واحد: تحديد ترتيب الوحدات الأساسية التي تصنع الحياة.
الطريق إلى الجينوم البشري
تحولت طريقة سانغر خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى أنظمة آلية تستخدم الأصباغ الفلورية وتقنيات الفصل الكهربائي، وأصبحت الأجهزة قادرة على قراءة الإشارات وتحويلها مباشرة إلى سلسلة من الأحرف.
وساهمت الأتمتة في رفع سرعة عمليات التسلسل بصورة كبيرة، وأصبح بالإمكان تقسيم الجينومات الضخمة إلى مقاطع صغيرة، وقراءة كل منها على حدة، ثم إعادة جمعها بواسطة الحواسيب.
وكانت تقنية سانغر إحدى الأدوات الأساسية التي قام عليها مشروع الجينوم البشري، أحد أضخم المشروعات العلمية الدولية في علم الأحياء.
وحمل مركز بريطاني تأسس للمشاركة في المشروع اسم سانغر، وقدّم لاحقًا أكبر مساهمة منفردة في الجهد الدولي الذي قاد إلى إعلان المسودة الأولى للجينوم البشري عام 2000.
ومثّل المشروع توسعًا هائلًا في الفكرة التي بدأها سانغر داخل المختبر، إذ انتقل تحديد التسلسل من دراسة جزيئات محدودة إلى إنتاج كميات ضخمة من البيانات البيولوجية وقراءة مليارات القواعد التي يتكون منها الجينوم البشري.
وظهرت لاحقًا تقنيات "الجيل التالي" التي تستطيع قراءة ملايين المقاطع في الوقت نفسه، ما أدى إلى خفض تكلفة تحليل الجينومات وتسريع العملية بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك، لم تختفِ طريقة سانغر، إذ لا تزال تستخدم في قراءة مقاطع محددة من الحمض النووي والتحقق من بعض التغيرات الجينية ومراجعة نتائج تقنيات التسلسل الأسرع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناطق محددة وواضحة من الجينوم.
عالم صنع أدوات لأسئلة لم يرها
تقاعد سانغر عام 1983، قبل اكتمال مشروع الجينوم البشري وقبل أن يصبح تسلسل الحمض النووي أداة تدخل في تشخيص الأمراض ودراسة السرطان وتتبع الأوبئة والبحث في تاريخ الإنسان والكائنات الحية.
وعاش سنوات كافية ليرى الأدوات التي ساهم في ابتكارها تتوسع إلى مجالات ربما لم تكن متصورة عندما بدأ تجاربه الأولى، لكنه لم يقدم نفسه يومًا باعتباره صاحب نظرية كبرى.
وعرف بين زملائه بوصفه عالمًا عمليًا يعمل بيديه داخل المختبر، ويتمتّع بصبر استثنائي وقدرة كبيرة على الحكم التجريبي.
ورفض سانغر لقب الفروسية لأنه لم يرغب في أن ينادى "سير"، كما وافق بتردد على إطلاق اسمه على مركز أبحاث الجينوم الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أبرز المؤسسات العلمية في هذا المجال.
وتنسجم هذه الشخصية مع طبيعة إرثه العلمي، إذ لم يقل سانغر للباحثين ماذا سيجدون داخل كل بروتين أو جينوم، وإنما منحهم الأدوات التي تمكنهم من قراءة الإجابة بأنفسهم.
وتكشف مسيرته تحولًا أساسيًا في علم الأحياء الحديث. فقبل أعماله، كان الإنسولين هرمونًا معروف الوظيفة من دون معرفة تسلسله الكامل، وكان الحمض النووي معروفًا بوصفه حاملًا للمعلومات الوراثية من دون وسيلة عملية لسرد أحرفه.