الأربعاء 18 فبراير / فبراير 2026
Close

فضل شاكر.. في مرايا أحمد الأسير والفن حين يُؤدلج ويتطيّف

فضل شاكر.. في مرايا أحمد الأسير والفن حين يُؤدلج ويتطيّف محدث 19 يوليو 2025

شارك القصة

فضل شاكر من الغناء إلى تحريمه فالعودة إلى الفن مجددا-فيسبوك
فضل شاكر من الغناء إلى تحريمه فالعودة إلى الفن مجددا-فيسبوك
الخط
بعد تغيّر المعادلات في لبنان وسوريا، فضل شاكر يطالب بتسوية قضيته ويكشف عن ابتزاز رسمي... فهل تنجح محاولاته للعودة؟

تعود قضية المطرب اللبناني فضل شاكر إلى الواجهة مجدّدًا بعد نحو اثني عشر عامًا على المواجهات التي شاركت فيها مجموعة سلفية مسلّحة ضد الجيش اللبناني.

وقد اتُّهم شاكر، الذي كان مقرّبًا من زعيم المجموعة أحمد الأسير، بالتورّط في تلك الأحداث، وصدر بحقه عدد من الأحكام بالسجن، وإن تمّت تبرئته من بعض القضايا، كتشكيل عصابة مسلحة، ما دفعه إلى العيش في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان منذ ذلك الوقت.

تبدّلت المعادلات الداخلية اللبنانية وفي الجوار السوري التي دفعت جماعة الأسير إلى الاصطدام بالجيش اللبناني، بفرار الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد من سوريا ولجوئه إلى روسيا في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتراجع نفوذ حزب الله بعد ضربات إسرائيلية شملت اغتيال أمينه العام حسن نصر الله في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي.

ورغم تلك المتغيرات، ما تزال المعادلات القديمة تحكم التعامل مع قضية فضل شاكر، الذي يؤكد براءته من التهم المنسوبة إليه، ويكرّر رغبته في العودة إلى الحياة الطبيعية والغناء مجددًا.

وتداولت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع قبل أيام زيارة المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب إلى لبنان مطلع هذا الشهر، ومحاولتها دخول مخيم عين الحلوة حيث يقيم شاكر لتسجيل أغنية ثنائية (دويتو) بينهما. 

ضجة احاطت لقاء شيرين عبد الوهاب مع فضل شاكر في مخيم عين الحلوة-فيسبوك
{ضجة احاطت لقاء شيرين عبد الوهاب مع فضل شاكر في مخيم عين الحلوة-فيسبوك

وقد تسبب منعها من دخول المخيم في زيادة الاهتمام بقضية شاكر، وأثار جدلًا لم ينتهِ حتى بعد السماح لها بلقائه في الحادي عشر من الشهر الجاري، وتصوير مشاهد من فيديو كليب أغنيتهما المشتركة "حدوتة".

والأغنية باللهجة المصرية، من كلمات وألحان الشاعرة والموسيقية اليمنية جمانة جمال، وإخراج محمود رمزي، ومن المقرر أن تُطرح لاحقًا هذا الشهر.

وليست هذه المرة الأولى التي تزور فيها شيرين بيروت للقاء شاكر في عين الحلوة، فقد سبق أن زارته عام 2023 من دون الحصول على تصريح أمني، ما استدعى خضوعها وزوجها السابق حسام حبيب (الذي رافقها حينها) لتحقيقات أمنية.

ويأتي هذا التعاون الثنائي بعد نحو عشرين عامًا من أول أغنية مشتركة لهما حققت انتشارًا كبيرًا، وهي "كل عام وأنت حبيبي" التي قدّماها عام 2004 من ألحان مروان خوري.

هل تعرّض فضل شاكر للابتزاز لحل مشكلته؟ 

في خضم الجدل، أصدر المكتب الإعلامي لفضل شاكر بيانًا أكّد فيه مجددًا براءته من التهم المنسوبة إليه، واصفًا إياها بـ"الملفقة"، مشيرًا إلى أنه لم تُصدر بحقه أي مذكرة أو حكم قضائي قبل دخوله إلى مخيم عين الحلوة، وأنه لجأ إليه هربًا من تهديد بالقتل، بينما "انهالت" عليه الأحكام بعد ذلك.

ودعا شاكر إلى التعامل مع قضيته باعتباره مواطنًا عاديًا، مشيرًا إلى أن "99% من المشكلة ستُحل" إذا جرت معالجتها بعيدًا عن التسييس.

شاكر يؤكد براءته ويدعو للتعامل مع قضيته انسانيا وليس سياسيا-موقع شاكر على فيسبوك
شاكر يؤكد براءته ويدعو للتعامل مع قضيته انسانيا وليس سياسيا-موقع شاكر على فيسبوك

وأضاف: "أصبح لديّ أمل، بعدما غادرتنا فلول النظام السوري وتبدّلت القواعد، أن يتحوّل ملفي إلى قضية محقة، بعيدة عن تصفية حسابات ضيقة لأطراف سياسية أثبتت أنها ظلمت كثيرين، وأنا منهم".

وكشف عن تعرضه لمحاولات ابتزاز مالي من بعض المسؤولين في أجهزة رسمية، قائلًا:

تعرّضت لابتزاز مالي من بعض المسؤولين في أجهزة رسمية، طلب بعضهم مليوني دولار، وآخرون 5 ملايين، فيما طالبني آخرون بعقاراتي وأملاكي مقابل براءة أنا حاصل عليها أصلًا

وأكد في ختام بيانه استعداده لاستئناف مشواره الفني، داعيًا جمهوره إلى انتظار أعماله الجديدة. غير أن استئناف هذا المسار يظل محفوفًا بالمخاطر، ليس فقط من السلطات التي لا يزال شاكر مطلوبًا لها، بل أيضًا من رافضي عودته إلى الغناء لأسباب دينية، وفق تقرير غير مؤكّد نشرته صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله.

إعادة محاكمة لو سلّم نفسه

ووفقًا لتقرير صحيفة "الأخبار"، فإنّ عددًا ممن وصفتهم بـ"المتشدّدين دينيًا"، ويقيمون في محيط إقامة شاكر، تداولوا فكرة تصفيته تنفيذًا لـ"فتوى شرعية" بعد تراجعه عن توبته عن الغناء.

وأوضحت أن زيارة شيرين عبد الوهاب شكّلت "الشرارة التي استفزّت جيرانه"، لتنتشر عناصر مسلحة متشدّدة على الأسطح المحيطة بمنزل شاكر في حي المنشية، ما أثار مخاوفه ودفعه إلى التواصل مع مرجعيات داخل المخيم لحمايته، معربًا عن خشيته من "التعرض للقتل لأسباب شرعية"، كما ورد في التقرير.

يتمتع فضل شاكر بشهرة واسعة بفضل أغانيه العاطفية -فيسبوك
يتمتع فضل شاكر بشهرة واسعة بفضل أغانيه العاطفية -غيتي

وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المخاوف دفعت شاكر إلى تسريع جهوده لتسوية ملفه القضائي، موضحة أن ثمة بحثًا مع استخبارات الجيش بشأن آلية تتيح له تسليم نفسه تمهيدًا لإعادة محاكمته.

قانونيًا، لا يمكن حل قضية شاكر أو إعادة النظر فيها من دون أن يسلّم نفسه للقضاء العسكري، إذ تسقط الأحكام الغيابية في هذه الحالة وتعاد محاكمته، ويصبح من حقه طلب استدعاء الشهود وتقديم الوثائق التي قد تبرّئه. ومن بين الشهود من سبق أن أدلى بشهادته في محاكمة الأسير، مؤكدًا أن علاقة شاكر به كانت قد انقطعت قبل وقوع الهجوم.

أحكام غيابية بالسجن مع الأشغال

في ديسمبر/ كانون الأول 2020، أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة في لبنان حكمين غيابيين بحق شاكر بتهمة "التدخل في أعمال الإرهاب".

نصّ الحكم الأول على سجنه 15 عامًا مع الأشغال الشاقة وتجريده من حقوقه المدنية، بعد إدانته بـ"التدخل في أعمال إرهابية اقترفها إرهابيون، مع علمه بالأمر، عن طريق تقديم خدمات لوجستية".

أما الحكم الثاني، فقضى بسجنه سبع سنوات مع الأشغال الشاقة والتجريد من حقوقه المدنية، وتغريمه خمسة ملايين ليرة لبنانية، بعد إدانته بـ"تمويل مجموعة الأسير والإنفاق على أفرادها وتأمين ثمن أسلحة وذخائر حربية".

ورغم أن شاكر ما زال فارًّا من وجه العدالة، فإن أحمد الأسير أوقف في 15 أغسطس/ آب 2015 في مطار بيروت أثناء محاولته مغادرة البلاد باستخدام جواز سفر مزوّر، وصدر بحقه حكم بالإعدام عام 2017.

انتشار الجيش اللبناني في عبرا بعد الاشتباكات مع أنصار الأسير عام 2013 -غيتي
انتشار الجيش اللبناني في عبرا بعد الاشتباكات مع أنصار الأسير عام 2013 -غيتي

ووقعت الاشتباكات التي يقول القضاء اللبناني إن شاكر تورّط فيها بدعم أحد أطرافها، في 23 يونيو/ حزيران 2013، بين أنصار الأسير والجيش اللبناني في بلدة عبرا قرب صيدا، إثر هجوم شنته جماعة الأسير على حاجز للجيش، ما أدى إلى مقتل 18 عسكريًا و11 مسلحًا.

ويصف أنصار الأسير هذه الاشتباكات بـ"الفخ" الذي دُبّر لهم من قبل حزب الله، مؤكدين أن مسلحين من الحزب شاركوا فيها ضدهم. وقد نفى الأسير، في التحقيقات التي جرت معه بعد اعتقاله عام 2015، نيّته أو نيّة جماعته استهداف الجيش، كما نفى مشاركة فضل شاكر في تلك المواجهات.

وجاءت تلك الاشتباكات وسط أجواء من الاحتقان الطائفي في لبنان وسوريا، على خلفية الثورة الشعبية على بشار الأسد عام 2011.

وبعد سيطرة الجيش اللبناني على بلدة عبرا وفرار الأسير وعدد من أنصاره، دعا خمسة رؤساء حكومات لبنانيين، في بيان تلاه حينها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الجيش اللبناني إلى أداء مهامه الأمنية "بشكل عادل وشامل"، وبما يحقق المساواة بين اللبنانيين، في إشارة إلى المطالبات بإزالة السلاح من جميع الأطراف، بما فيها حزب الله.

وأعربوا عن تضامنهم مع "أهلنا في كل المناطق الذين يشعرون بأن القانون يُطبّق على فريق دون سواه".

لقاء على وقع الثورة

لا يُعرف تحديدًا متى تعرّف فضل شاكر إلى رجل الدين السلفي أحمد الأسير، لكن الثورة على الأسد شكّلت نقطة الالتقاء الأبرز بينهما.

كان شاكر حينها مطربًا معروفًا بأغانيه العاطفية ويتمتّع بجماهيرية واسعة جدًا في المنطقة، بينما لم يكن للأسير، الذي يكبره بعام، أي حضور يُذكر.

واللافت أن الغناء كان أول ما جمع بين الرجلين قبل أي تقارب ديني أو سياسي، إذ كان والد الأسير عازف عود ومغنيًا في الحفلات الشعبية والأعراس في مدينة صيدا، كبرى مدن الجنوب اللبناني.

شاكر (يمين الصورة) والأسير (الثاني من اليسار) في صورة تعود لعام 2012-غيتي
شاكر (يمين الصورة) والأسير (الثاني من اليسار) في صورة تعود لعام 2012-غيتي

ويُروى أن الأسير الابن، الذي انضم إلى الجماعة الإسلامية اللبنانية وهو في السادسة عشرة من عمره، أقنع والده بترك الغناء لعدم توافقه مع تعاليم الإسلام.

دكتور جيكل ومستر هايد

من المفارقات التي جمعت الأسير بفضل شاكر أن بدايات الأخير في الغناء كانت أيضًا في الأعراس الشعبية والحفلات، وبعضها مع والد الأسير. ومن خلالها، نشأت علاقة بين المطرب الشاب فضل شاكر، الذي أصبح نجمًا لاحقًا، ووالد الأسير، الذي سيصبح نجله لاحقًا ظاهرة مسلّحة في بلد يعاني من انقسامات مذهبية وصراع طائفي تصاعد بعد الثورة على الأسد.

ويروي الأسير أن علاقته بفضل شاكر لم تكن قديمة، بل بدأت بتردد شاكر على مسجد بلال بن رباح (الذي أسّسه الأسير عام 1997 في بلدة عبرا قرب صيدا)، بعد أن قدّم له واجب العزاء في وفاة والدته.

قمع الاسد للثورة الشعبية ساهم في صعود ظاهرة الأسير في لبنان-غيتي
قمع الاسد للثورة الشعبية ساهم في صعود ظاهرة الأسير في لبنان-غيتي

لكن ثمّة قواسم مشتركة تجمع بين الرجلين رغم اختلاف المسارين قبل الثورة؛ فقد نشأ كلاهما في بيئة فقيرة: شاكر في مخيم عين الحلوة لأب لبناني وأم فلسطينية، والأسير في صيدا لأب سنّي وأم شيعية، في ظروف معيشية لا تختلف كثيرًا عن تلك السائدة في المخيمات الفلسطينية.

وبينما يُعدّ شاكر رجلًا وسيمًا وطويل القامة نسبيًا، يبدو الأسير نقيضه شكلًا، كما لو أنه نصفه الآخر المتخفي، المرغوب فيه حينًا والمكروه حينًا آخر؛ بما يعيد إلى الأذهان رواية "دكتور جيكل ومستر هايد" للكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون (1886)، والتي تناولت الصراع داخل الإنسان بين جانبَيه الطيب والشرير.

قمع الأسد وتدخل حزب الله في سوريا

اجتمع الرجلان (شاكر والأسير) حين شعرا بأن وجودهما مهدد، إثر القمع الشديد الذي واجه به نظام بشار الأسد الثورة الشعبية، وتضخّم شعورهما بالخطر بعد بدء حزب الله بإرسال مقاتليه إلى سوريا دعمًا  للنظام.

وربما كان الشعور بالإهانة الطائفية والمظلومية السنية جزءًا من الدوافع، لا سيّما مع تفاقم الظروف الاقتصادية والتمييز الطبقي في مناطق نشأتهما.

كلّ ذلك دفع شاكر، عندما التقى بالأسير، إلى اعتزال الغناء في عام 2012، وإطلاق لحيته، والتخلّي عن مظهره الأنيق، ليبدو نسخة منه، ويتماهى معه.

هكذا تقدّم "الشرير" - بحسب الوصف المجازي - إلى الواجهة، بينما تراجع "الخيّر". المغنّي الذي غنّى الحبّ والجمال تراجع لصالح داعية الحرب، لأن الخطر، كما بدا لهما، وجودي، ولا يردّ عليه إلا بخطاب طائفي وعنيف.

هاجم انصار الاسير التغاضي الرسمي عن سلاح حزب الله داخل لبنان-غيتي
هاجم انصار الاسير التغاضي الرسمي عن سلاح حزب الله داخل لبنان-غيتي

نقطة التحوّل.. قصف حمص

جاءت نقطة التحوّل الأكبر في شخصية شاكر حين تعرّضت مدينة حمص لقصف عنيف من قوات النظام السوري، شارك فيه مئات من مقاتلي حزب الله عام 2012.

وقد عزّز ذلك شعور عدد من معارضي الأسد بوجود "تحالف أقليات" في المنطقة يدافع عنه، لأن بقاء النظام يخدم مصالحهم الطائفية، خصوصًا في لبنان، الذي شهد اشتباكات بين حزب الله ومناصري الأسير في تلك الفترة.

وفي تلك البيئة الطائفية المحتقنة، برز الأسير مدافعًا عمّا اعتبره "الطائفة الأخرى" في سوريا، معتبرًا أن ما يُسمح لحزب الله بممارسته لا يُمكن تجريمه بحقه، فبدأ بالدعوة إلى التظاهر ضد الأسد، وكان من أبرزها مظاهرة كبرى في وسط بيروت في مارس/ آذار 2012، دعمًا لمدينة حمص.

ومع ارتفاع أعداد القتلى في سوريا جرّاء قصف قوات النظام على مدن البلاد، ازداد خطاب الأسير تطرفًا وفرزًا طائفيًا.

واختُزل الصراع، بالنسبة إليه، في اصطفاف طائفي يضم الأسد وإيران وحزب الله وروسيا ضد "السنّة السوريين". وفي اعتصام في يونيو/ حزيران 2012، خاطب أنصاره قائلًا:

"حاول المجرم بشار مع شبيحته الخنازير إرهابكم بالمجازر، تركيعكم بالمجازر، ومعه مجرمون من أمثاله كروسيا المجرمة والشبيحة الإيرانيين. هؤلاء هم القتلة المجرمون. يشربون دمنا".

لاحقًا، انتقل خطابه إلى الداخل اللبناني، حيث اعتبر أن الحرب باتت بين طوائف وليس بين نظام ومعارضة، ما يحتّم الانخراط فيها داخل لبنان أيضًا، وليس في سوريا فقط، داعيًا إلى "انتفاضة حقيقية" ضد حزب الله، ما دام هناك، بحسب تعبيره، "مشروع إيراني حقير، خنزير، يذبحنا ويغتصب نساءنا، وعلى رأس هذا المشروع حسن نصر الله".

تحرّر من الأسير؟

لكن تلك المرحلة انتهت، كما جاء في بيان فضل شاكر الأخير، حيث بدا وكأنه يستعيد ذاته بعد سنوات من التماهي مع شخصية الأسير، الشخصية التي تملّكته كما لو أنها ابتلعته بالكامل.

وربما بقيت بعض الذيول، إلا أن شاكر "الفنان" بدأ يتحرّر من "الأسير" الذي سكنه طويلًا، محاولًا استعادة نفسه، وصوته، و"العودة إلى الحياة"، كما يكرر.

تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من