في الوقت الذي كانت فيه صور الدمار والضحايا تتدفق من قطاع غزة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، كانت هناك حرب أخرى تُدار خلف الشاشات، حرب هدفها الوحيد طمس الرواية الحقيقية وإعادة تشكيل ما يراه العالم.
ومن المعروف أنه في ظل الاتهامات المتصاعدة بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، أطلقت جهود مكثفة لترويج رواية الاحتلال، مدعومة بالدعاية الإعلامية والرقمية المعروفة بالهاسبارا.
وفقًا لوثائق حديثة لم تُنشر سابقًا، أصبح الحصول على أموال من إسرائيل مقابل النشر على منصات التواصل الاجتماعي مربحًا للغاية. وبعض المؤثرين يتقاضون نحو سبعة آلاف دولار لكل منشور على منصات مثل تيك توك وإنستغرام. وبلغت الفواتير 900 ألف دولار أميركي لمجموعة تضم ما بين 14 و18 مؤثرًا.
لكن الجديد هو أن هذه المنصات، التي تحولت إلى ساحات دعائية ضخمة يضخ فيها المال بكثافة لترويج رواية الاحتلال فيما يتعلق بحرب الإبادة على غزة، بدأت تتصدع من الداخل. وحدث ما لا يُحمد عقباه.
وفضيحة "الهسبارا" أو للبروباغندا حدثت عندما رفضت إسرائيل دفع مستحقات المؤثرين وسعت إلى تزوير العقود.
حيث أن بعض من شاركوا في نشر هذه الرواية المدفوعة أصبحوا اليوم يطالبون حكومة الاحتلال نفسها بملايين الشواقل مقابل عمل دعائي لم يتقاضوا أجره، أي أنهم روجوا لرواية الاحتلال ولجرائم الإبادة لكن لم يحصلوا على أموالهم.
فعدم دفع الأموال التي كانت تنفق لتوجيه ما يراه العالم كشفًا لجانب خفي من معركة الرواية.
فضيحة "الهسبارا"
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، يطالب موظفون سابقون ومتعاقدون مع مديرية الدبلوماسية العامة الإسرائيلية، التي تشرف على منظومة الهاسبارا، بملايين الشواقل مقابل أعمال دعائية نفذوها منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وهذه المديرية كانت مسؤولة عن إدارة حملات الدعاية بعد اندلاع حرب الإبادة على غزة، لضمان عرض الصورة الرسمية للاحتلال على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية حول العالم.
وبمرور الوقت، بدأت هذه الآلة الدعائية نفسها تكشف ما يجري خلف الكواليس.
ووفق صحيفة كالكاليست الإسرائيلية، استعانت الحكومة بعدد من الشركات الخاصة والمقاولين لتشغيل أجزاء من الحملات الدعائية بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
حيث يؤكدون أن العمل كان فوضويًا منذ البداية وبعض هذه الشركات وفرت استوديوهات خاصة لإجراء مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت، بهدف تسهيل الظهور الإعلامي المكثف أمام القنوات الدولية.
لكن بعد انتهاء الحملات، تقول هذه الشركات إنها لم تتلق مستحقاتها المالية. إحدى الشركات تطالب بأكثر من نصف مليون شيكل، بينما تطالب شركة أخرى تدعى "Intellect" بما يزيد على مليون ونصف مليون شيكل مقابل أنشطة دعائية خارجية.
وبعض هذه الأنشطة لم تقتصر على المحتوى الرقمي، فقد شملت تمويل رحلات لناشطين ومؤثرين إلى أوروبا للمشاركة في حملات مضادة للمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، خصوصًا خلال جلسات الاستماع المرتبطة بالقضية أمام محكمة لاهاي. أي أنهم كانوا يحاولون حبك الحكاية من كافة الجهات، لكن المصاري كانت الأولوية.
فوضى مالية
وفي تفاصيل هذه الفوضى المالية والإدارية، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن هناك بالفعل مخالفات في بعض ممارسات التعاقد داخل مديرية الدبلوماسية العامة، لكنه رفض الخوض في التفاصيل بسبب استمرار الإجراءات القانونية.
والأرقام والقضايا التي تلاحق الاحتلال كشفت حجم المعركة وفضحت ما كان يُراد طمسه: منذ بداية الحرب على غزة، خصصت حكومة الاحتلال مئات الملايين من الشواقل لجهود الدعاية الدولية.
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي وحده، تمت الموافقة على ميزانية إضافية بلغت 150 مليون شيكل لدعم الحملات الإعلامية، تضاف إلى ميزانية قائمة بالفعل تتجاوز 520 مليون شيكل.
وبظل ميزانيات ضخمة، ومحتوى مدفوع، ومؤثرين يروجون للرواية عبر المنصات الرقمية، تطرح التساؤلات الأهم بالنسبة لكثيرين: كم من الروايات التي انتشرت على المنصات خلال حرب الإبادة المدفوعة كانت حقيقية؟ وكم منها كان مجرد جزء من آلة الهاسبارا الدعائية التي حاولت طمس ما كان يحدث على الأرض من قتل ووحشية ممنهجة؟
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلًا كبيرًا حيث كتب حسن جوكولو "تخيل أن تقضي سنوات في الدفاع عن القنابل والإبادة الجماعية والدعاية… ثم تدرك أنك مجرد دعاية مجانية لحكومة. مفلس أخلاقيًا ومفلس ماليًا. يا لها من مأساة!".
وقال ديلان "لقد أنفقوا الملايين وهم يكذبون بشأن غزة، والآن لا يستطيعون حتى دفع رواتب أكاذيبهم. قمة المفارقة".
أما كايلز فقال "هذا ما يحدث عندما تسرع في شن حملة دعائية للإبادة الجماعية من دون عقود. إنها عدالة بيروقراطية".
بدروه قال دونتيس "لا تعاطف مع مرتزقة الدعاية. لقد اختاروا التستر على جرائم الحرب من أجل المال، والآن يتباكون على الأجور غير المدفوعة".