انطلق عرض فيلم "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان في دور السينما بالعالم، بعد ترقّب طويل. وطُرحت تذاكر عدد من عروضه الافتتاحية قبل عام كامل من موعد طرحه الرسمي، في خطوة غيرِ معتادة في صناعة السينما. وتجاوزت إيرادات الفيلم 700 مليون دولار خلال أول اثني عشر يومًا من بدء عرضه في السابعَ عشَر من يوليو/ تموز الماضي.
ويُقدّم الفيلم معالجة سينمائية فريدة لملحمة كتبها الشاعر الإغريقي هوميروس قبل ثلاثة آلاف عام كتتمة للإلياذة الشهيرة. ويصعب فهم الأوديسة بمعزل عن الإلياذة، الملحمة الأخرى لهوميروس، غير أنّ الإلياذة نُظّمت لتحكي قصة البطولة والمجد العسكري، بينما جاءت "الأوديسة" بعد انتهاء الحرب لتحكي قصة أخرى عن النصر الذي يتحوّل لمأساة، عن واقع ما بعد انتهاء ضجيج السيوف، وزوال غبار المعركة.
ويُعدّ الفيلم أحدث أعمال المخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان، ويضمّ مجموعة كبيرة من نجوم السينما في مقدمتهم: مات ديمون في دور أوديسيوس، إلى جانب توم هولاند، وآن هاثاواي، وروبرت باتينسون، ولوبيتا نيونغو، وزندايا، وشارليز ثيرون،. وصُوّر الفيلم بالكامل باستخدام كاميرات "آيماكس" السينمائية، ليكون بذلك أول فيلم روائي طويل يُصوّر بهذه الطريقة.
و"آيماكس" هي طريقة للتصوير والعرض تعتمد على شاشات وكاميرات ضخمة، وتهدف لإنشاء صور عالية الدقة والوضوح، من خلال استخدام شرائط فيلم أكبر من المعتاد خلال التصوير بما يُتيح عرض تفاصيل أكثر، واستخدام شاشات تغطي الجدار من الأرض إلي السقف بما يعطي شعورًا بالاندماج.
غير أنّ هذه التقنية ليست متاحة سوى في عدد محدود من دور السينما في العالم، وهو ما جعل عشّاق السينما يُسافرون لحضور الفيلم في دور السينما التي تعتمد هذه التقنية.
ما هي قصة "الأوديسة"؟
يروي الفيلم رحلة عودة أوديسيوس ملك إيثاكا إلى مملكته بعد حرب طروادة، حيث واجه في رحلته مخاطر جسيمة وكائنات أسطورية، بينما تحاول زوجته وابنه الحفاظ على المملكة بانتظار عودته.
ويفتتح نولان فيلمه بمشهد يُبرز الغاية من الملحمة، حصان خشبي كبير نصفه في الماء والطين، يظنه أهل طروادة قربانًا تركه اليونانيون للآلهة بينما يختبئ بداخله أوديسيوس مع جنوده، يُسحب الحصان إلى الداخل وليلًا يخرج الجنود، فيبدأ القتال الذي ينتهي بسقوط طروادة بعد حصار دام عشر سنوات، فيغدو الحصان بذلك رمزًا للخديعة والغدر، وغضب الآلهة.
وبعد عشر سنوات من الحرب، ينتصر أوديسيوس وينطلق في رحلة عودته إلى وطنه. ومن هنا يسير الفيلم في خطين متوازيين، فغضب الآلهة على أوديسيوس وفق الأسطورة يدفعه إلى عشر سنوات أخرى من التيه في البحر يُواجه فيها كائنات مخيفة. بينما في إيثاكا، تجد زوجته نفسها محاصرة بخُطّاب يتنافسون على الزواج منها للاستيلاء على العرش، بينما ينطلق ابنه تيليماخوس، في رحلة بحث عن والده أملًا في إنقاذه واستعادة المملكة.
ما أسباب الجدل الذي رافق فيلم "الأوديسة"؟
ورغم نجاح الفيلم والايرادات الضخمة التي حقّقها الفيلم، إلا أنّه أثار جدلًا واسعًا منذ الإعلان عن أسماء أبطاله. فالفيلم الذي يحكي ملحمةً إغريقية ليس من بين أبطاله اسم يوناني، كما أنّ بعض الألفاظ التي وردت فيه كانت عصرية لا تُناسب الحقبة التي يدور فيها الفيلم، بالإضافة إلى اللكنة الاميركية التي لم تخف على المشاهدين.
أما الرسائل التي حملها الفيلم، فهي وفق نقّاد ومشاهدين، متعددة أبرزها عواقب الخداعِ في الحروب. كما يثير الفيلم أسئلة عن الدمار الذي تُخلّفه الحروب وعن نقض العهود خلالها.
وعن أسباب الجدل الذي صاحب عرض الفيلم، أوضحت الناقدة السينمائية نورهان عماد الدين أنّ فيلم "الأوديسة" هو فيلم منتظر بعد فيلم نولن الأخير "أوبنهايمر" الذي كان ظاهرة وحقّق أيضًا ايرادات عالمية وجدلًا عالميًا كبيرًا.
وقالت عماد الدين في حديث إلى التلفزيون العربي من القاهرة، إنّ الجدل بدأ مع الإعلان عن المشروع، وفريق العمل، وبعد العرض تمحور الجدل حول الالتزام بالحقائق التاريخية، والممثلين الذين لا يُشبهون اليونانيين مع أنّ "الأوديسة" هي أسطوره يونانية، إضافة إلى اللغة التي كانت لغة حديثة.
وبشأن توقيت إصدار الفيلم، شرحت عماد الدين أنّ الفيلم يمكن ربطه بالواقع الحالي في هذه المنطقة، مشيرة إلى أنّ الأسطورة تتحدّث عن حرب طروادة التي يُشاع أنّها بدأت من أجل هيلانا واستعاده الملكة المخطوفة، لكن الحقيقة أنّ سبب وهدف هذه الحرب هو السيطرة على طرق التّجار والمضيق الاستراتيجي، وهو ما يُشبه ما يحدث اليوم.
ورأت أنّ قيمة هذا الفيلم تتمثّل في أنّه يُقدّم متعة حقيقية وأسئلة إنسانية عاشت 2700 سنة، وهي عبارة عن ثوابت عند البشر لناحية كل ما يتعلّق بالفقد والحب والشرف والموت.