يصف قطاع غزة بأنه "جحيم على الأرض"، ويرى أن أطفاله "محكوم عليهم بالموت"، ويؤكد أن "المجاعة هي آخر الكوارث التي تصيب أهل غزة"، مشيرًا إلى أن إنكار إسرائيل لها يُعد "أبشع تعبير عن نزع الإنسانية عن الفلسطينيين".
يقول ذلك فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، الذي يخوض منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حربَ وجودٍ مع إسرائيل التي منعته من دخول قطاع غزة أكثر من مرة، كما حظرت عمل الوكالة الدولية التي يترأسها.
ثمة سابقة عالمية خطيرة، وفقًا للازاريني، تتمثل في "تجاهل" إسرائيل القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف في غزة، وهو ما خلق "أزمة إفلات من العقاب" لم يشهدها العالم من قبل، خاصة أن "كل شيء يحدث أمام أعيننا، ولا يمكننا أن نقول إننا لا نعرف"، وإذا "قبلنا هذه السابقة في سياق غزة، فلا يوجد أي سبب على الإطلاق يمنع تطبيقها في أي مكان آخر".
يشدّد لازاريني على ذلك قبل وبعد إعلان الأمم المتحدة المجاعة رسميًا في محافظة غزة يوم الجمعة الماضي، في أول إعلان من نوعه في تاريخ الشرق الأوسط.
وقال خبراء الأمم المتحدة إن أكثر من نصف مليون شخص في غزة يواجهون ظروفًا "كارثية"، وهو أعلى مستوى في "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" التابع للأمم المتحدة، المعروف اختصارًا بـ "آي بي سي"، ويتّسم هذا المستوى بالمجاعة والموت.
إعلان المجاعة في غزة
ويعتبر تصنيف الأمن الغذائي "المعيار الذهبي" لهذا النوع من التقييمات، وفقًا لجان مارتن باور مدير تحليل الأمن الغذائي في برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.
وتشكّل محافظة غزة التي أعلنت الأمم المتحدة المجاعة فيها نحو 20% من مساحة القطاع، ومن المتوقع أن تنتشر المجاعة في دير البلح وخانيونس بحلول أواخر سبتمبر/ أيلول المقبل. وتشكل مساحة غزة وخانيونس ودير البلح نحو ثلثي مساحة قطاع غزة.
وفرضت إسرائيل في مطلع مارس/ آذار الماضي حظرًا كاملًا على دخول المساعدات إلى غزة، قبل أن تسمح في أواخر مايو/ أيار بدخول كميات محدودة جدًا من الإمدادات.
ومنذ ذلك الوقت وصلت نحو 260 شاحنة فقط إلى وجهتها من أصل 2,010 شاحنات أُرسلت إلى غزة حتى الشهر الماضي.
وتزامن هذا مع إعلان الولايات المتحدة تأسيس "مؤسسة غزة الإنسانية" مطلع مايو/ أيار ومباشرة عملها في 26 من الشهر نفسه بتوزيع المساعدات، على جثة وكالة "الأونروا" التي كانت تقوم بهذا العمل، بعد أن خضعت الوكالة التي يترأسها لازاريني لعملية شيطنة إسرائيلية واسعة، انتهت بإعلان تل أبيب قطع علاقتها رسميًا مع الوكالة بعد 15 شهرًا من العدوان على قطاع غزة.
وكانت عملية استبدال الأونروا بـ"مؤسسة غزة الإنسانية" واحدًا من أهداف شيطنة الأونروا، بينما يُعتبر الهدف الأكبر إنهاء الولاية الدولية على قطاع غزة، وبالتالي التنصل من أي التزامات قانونية تمليها على إسرائيل عضويتها في المنظمة الدولية، ما يعني الاستفراد بالقطاع.
لازاريني والبوصلة الأخلاقية
في قلب هذا الصراع المحتدم، شكّل لازاريني بوصلة أخلاقية رفضت تغيير وجهتها لصالح إسرائيل أو بالتواطؤ معها، ما جعله هدفًا لهجوم إسرائيلي دائم، بالإضافة إلى مسؤولين أمميين آخرين يقف على رأسهم أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وفرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الأممية الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ورغم أن قرار إسرائيل بحظر الأونروا دخل حيّز التنفيذ في يناير/ كانون الثاني الماضي، وبموجبه ستُمنع من العمل على الأراضي الإسرائيلية وفي القدس الشرقية المحتلة، إلا أن الأمم المتحدة أكدت أن الوكالة الأممية ستواصل عملها في سائر أنحاء الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية.
شيطنة الأونروا
واتهمت إسرائيل تسعة موظّفين في الأونروا بالتورط في هجمات 7 أكتوبر، كما اتهمت الوكالة بتوظيف المئات من أعضاء حماس، من بينهم أفراد في ذراعها المسلّحة كتائب عز الدين القسام.
لكن مراجعة أممية خلصت في أبريل/ نيسان 2024، بعد تحقيقات استمرت نحو شهرين بشأن حياد عمل الأونروا في قطاع غزة، إلى أن إسرائيل لم تقدّم أدلة داعمة لمزاعمها هذه.
وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، إن محققي المنظمة الذين نظروا في اتهامات إسرائيل لموظفي الأونروا بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر، أغلقوا ملف القضية بسبب عدم تقديم إسرائيل الأدلة على مزاعمها.
ودافع لازاريني مرارًا عن حياد الأونروا في مواجهة عمليات الشيطنة الإسرائيلية، مشدّدًا على أنها تقف "على الجانب الصحيح من التاريخ" مهما كان الهجوم الذي تتعرض له، وأن عملها توجهه قيم الأمم المتحدة والقانون الإنساني الدولي.
ووفقًا للمسؤول الأممي، فقد دفعت الأونروا ثمنًا باهظًا بصفتها "العمود الفقري" للعملية الإنسانية في القطاع؛ إذ قُتل نحو 240 من موظفيها كما دُمّر ثلثا منشآتها.
وفي أبريل/ نيسان الماضي كشف لازاريني عن تعرّض أكثر من 50 من موظفيها لسوء المعاملة واستخدامهم دروعًا بشرية خلال احتجازهم من قبل الجيش الإسرائيلي.
وقال لازاريني عبر حسابه على منصة "إكس": "منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، تم احتجاز أكثر من 50 موظفًا من الأونروا، بينهم معلمون وأطباء وعاملون اجتماعيون، وتعرضوا لسوء المعاملة"، موضحًا أنهم "عوملوا بطرق هي الأشد ترويعًا وأبعد ما تكون عن المعاملة الإنسانية، وأفادوا بأنهم تعرضوا للضرب واستخدموا كدروع بشرية".
وأوضح أن المحتجزين "حُرموا من النوم وتعرّضوا للإذلال، والتهديد بإلحاق الأذى بعائلاتهم وسُلِّطت عليهم الكلاب"، وأضاف: "العديد منهم أُجبروا على الإدلاء قسرًا باعترافات، هذا أمر مروّع ومشين بكل المقاييس".
سويسري لأبوين مهاجرين
لازاريني هو ثاني سويسري يترأس مفوضية الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وسبقه في المنصب خمسةَ عشرَ مفوضًا للوكالة منذ إنشائها في ديسمبر/ كانون الأول 1949، وهم:
- هوارد كينيدي (كندا) من مايو/ أيار 1950 إلى 30 يونيو/ حزيران 1951
- جون بلاندفورد (الولايات المتحدة) من 1951 – 1953
- هنري لابويس (الولايات المتحدة) من 1954 – 1958
- جون ديفيس (الولايات المتحدة) من 1959 – 1963
- لورنس مايكلمور (الولايات المتحدة) من 1964 – 1971
- جون رينيه (بريطانيا) من 1971 – 1977
- توماس ماكلهيني (الولايات المتحدة) من 1977 – 1979
- أولوف ريدبيك (السويد) من 1979 – 1985
- جيورجيو جياكوميللي (إيطاليا) من 1985 – 1991
- إيلتر توركمان (تركيا) من 1991 – 1996
- بيتر هانسن (الدنمارك) من 1996 – 2005
- كارين كونينغ أبو زايد (الولايات المتحدة) من 2005 – 2010
- فيليبو غراندي (إيطاليا) من 2010 – 2014
- بيير كراهينبول (سويسرا) من 2014 – 2019
- كريستيان ساوندرز/ قائم بالأعمال (بريطانيا) من 2019 – 2020
- فيليب لازاريني (سويسرا) من 2020 – 2026
وُلد لازاريني عام 1964 في مدينة نوشاتيل السويسرية لأبوين مهاجرين من إيطاليا، وهو حاصل على الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة لوزان والبكالوريوس في الاقتصاد من جامعة نوشاتيل.
ولا يُعتبر لازاريني غريبًا عن منطقة الشرق الأوسط، بل في قلب أزماتها؛ إذ عمل خلال ما يزيد على الثلاثين عامًا ولا يزال في بلدان المنطقة الملتهبة بالحروب والصراعات. فابتداءً من عام 1989 عمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنوب السودان ولبنان والأردن وقطاع غزة، وقاد عمليات الصليب الأحمر في البوسنة وأنغولا ورواندا.
وفي عام 1999 عمل في القطاع الخاص في أحد البنوك في جنيف رئيسًا لقسم التسويق، قبل أن يعود للعمل في المنظمات الدولية عام 2003؛ حيث عمل لصالح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في الموصل بالعراق، وشغل منصب رئيس مكتب "أوتشا" في أنغولا والصومال والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي عام 2010 أصبح نائب مدير قسم التنسيق والاستجابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في مقره الرئيسي في مدينة نيويورك. وعُيّن عام 2013 نائبًا للممثل الخاص للأمين العام ومنسق الأمم المتحدة المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية والممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في الصومال.
وفي عام 2015، عُيّن نائبًا للمنسق الخاص للبنان، حيث شغل أيضًا منصب المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية والممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
في خضم أسوأ النزاعات العالمية
وفي عام 2020، عيّنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مفوضًا عامًا لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ليجد نفسه في خضم أكثر الصراعات تعقيدًا في العالم وأكثرها سوءًا من الناحية الإنسانية.
وبعيد هجوم "طوفان الأقصى" الذي قامت به كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، رأى لازاريني أنه يرقى إلى جرائم الحرب، لكنه لا يبرّر جرائم إسرائيل، وكتب بعد أسبوعين من العدوان على قطاع غزة قائلًا:
في 7 أكتوبر، ارتكبت حركة حماس مجازر لا توصف بحق مدنيين إسرائيليين يرقى الكثير منها إلى مستوى جرائم حرب، ولكن يجب ألا يكون هناك أدنى شك، بأن هذا لا يبرّر الجرائم المستمرة ضد السكان المدنيين في غزة، بما في ذلك أطفالها البالغ عددهم مليون طفل.
وشدّد لازاريني على أن غزة وُصفت بأنها سجنًا كبيرًا في الهواء الطلق، لكن هذا السجن أصبح الآن مقبرةً للسكان المحاصرين بين الحرب والحصار والحرمان.
تتوالى صور المأساة الإنسانية التي لا تطاق من غزة، ويتم قتل النساء والأطفال وكبار السن، وقصف المستشفيات والمدارس، ولم يسلم أحد.
وفي الوقت الذي أكتب فيه هذا، تكون "الأونروا" قد فقدت بالفعل، وبشكل مأساوي، 35 من موظفيها، الكثيرون منهم قتلوا أثناء وجودهم في منازلهم مع عائلاتهم.
أحياء بأكملها تُسوى بالأرض فوق رؤوس المدنيين في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان على وجه الأرض. لا يوجد مكان آمن في غزة.
تأسست وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في ديسمبر/ كانون الأول 1949، بموجب قرار أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في أعقاب حرب 1948 التي تسببت بتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين (نحو 760 ألفًا).
وتولى "برنامج الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين" الذي أنشئ عام 1948 القيام بمهام إغاثية لهؤلاء اللاجئين، قبل أن تتولى ذلك "الأونروا" التي كُلّفت بالاستجابة بطريقة فعالة أكثر للحاجات الاقتصادية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين.
شريان حياة اللاجئين
وتشمل خدمات "الأونروا" اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مناطق عملياتها الخمس وهي: الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان والأردن وسوريا.
وهناك نحو ستة ملايين فلسطيني مسجّلين لدى الأونروا، ويمكنهم الاستفادة من خدماتها التي تشمل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والبنى التحتية للمخيمات والتمويلات الصغيرة والمساعدات الطارئة.
كما أن هناك 58 مخيمًا للاجئين تعترف بها الوكالة الأممية، بينها 19 في الضفة الغربية.
ويدرس أكثر من 540 ألف طفل في مدارس الأونروا، التي تدير كذلك 141 مرفقًا للرعاية الصحية الأولية، وتستقبل قرابة سبعة ملايين مريض كل عام، وتقدّم المساعدات الغذائية والنقدية لنحو 1,8 مليون شخص.
ويضم قطاع غزة ثمانية مخيمات وحوالي 1,7 مليون نازح. ومن بين موظفي الوكالة البالغ عددهم 30 ألفًا، يعمل 13 ألف شخص في قطاع غزة وحده، موزعين على أكثر من 300 منشأة