قابس.. حين يصبح الهواء مصدر قلق
قد تبدو قابس للوهلة الأولى مدينة نابضة بالحياة، بواحتها الممتدة حتى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، إذ تصفها اليونسكو بأنها الواحة الساحلية الوحيدة من نوعها في حوض المتوسط. لكن خلف هذا المشهد، يعيش السكان منذ عقود على وقع أزمة بيئية غيّرت، بحسب شهاداتهم، تفاصيل الحياة اليومية.
في المدينة الواقعة جنوب شرقي تونس، تتكرر الشكاوى من الانبعاثات والروائح والنفايات الصناعية وتلوث المياه، فيما تتصاعد المطالب بإيجاد حل جذري للتلوث المرتبط بالمنطقة الصناعية والمجمع الكيميائي التونسي.
ولم تعد المطالب ببيئة نظيفة أصواتًا متفرقة، بل تحولت إلى احتجاجات متكررة يتصدرها شعار: "الشعب يريد تفكيك الوحدات".
قابس.. حياة تحت وطأة الانبعاثات
يصف سكان المناطق القريبة من المجمع الكيميائي حياتهم بأنها أشبه بكابوس، خصوصًا مع تكرر الروائح والانبعاثات التي يقولون إنها تؤثر في صحتهم وصحة أطفالهم.
وتقول إحدى السيدات: "إنه كابوس، لقد بدأنا نعيش في كابوس. بمجرد أن نشم الرائحة، يتعين عليّ التصرف، إذ تعجز ابنتي عن تحريك يديها ورجليها. أبسط حق لنا هو أن نتنفس هواءً نظيفًا".
من جهته، يرى صانع المحتوى والناشط البيئي إسلام أزريلي، في حديث إلى "مهمة صحفية"، أن المشكلة ليست في وجود الصناعة بحد ذاتها، وإنما في طبيعة الأنشطة الصناعية وتأثيراتها البيئية.
ويقول أزريلي للتلفزيون العربي إن الأنشطة الصناعية "ألحقت الضرر بالزراعة والواحة والبحر"، ويتحدث كذلك عن استنزاف المياه الجوفية ومخاوف صحية لدى السكان.
ومن أبرز الملفات التي يثيرها طرح مادة الفوسفوجيبس، وهي نفاية صلبة تنتج عن معالجة خام الفوسفات لإنتاج حمض الفوسفوريك. ويقدّر أزريلي ما يُطرح منها في البحر عند شط سيدي عبد السلام بنحو 3000 طن يوميًا، متحدثًا عن احتوائها على عناصر تثير مخاوف بيئية وصحية.
وتشير وكالة حماية البيئة الأميركية، في شرحها العام لهذه المادة، إلى أن الفوسفوجيبس قد يحتوي على مواد مشعة طبيعية مثل الراديوم، كما يمكن أن ترتبط عمليات إنتاجه بوجود معادن ثقيلة ومياه شديدة الحموضة، وهو ما يفسر الحاجة إلى طرق مضبوطة لتخزينه وإدارته.
حادثة مدرسة شط السلام
في صباح الثلاثاء 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، استقبل المستشفى الجامعي في قابس حالات اختناق جديدة بين تلاميذ المدرسة الإعدادية في شاطئ السلام، وعزت مصادر طبية محلية الحالات إلى انبعاثات غازية من الوحدات الصناعية للمجمع الكيميائي.
وتروي جنات عجيمي، والدة إحدى الفتيات المتضررات، أنها تلقت اتصالًا يخبرها بأن ابنتها تشعر بالدوار، فتوجهت إلى المدرسة لتجد تلميذات يعانين من صعوبة في التنفس والوقوف والمشي.
وتقول إن فرق الحماية المدنية نقلت المصابات إلى المستشفى الجامعي، وإن ابنتها بقيت بعد الحادثة نحو 15 يومًا في المنزل قبل أن تعود تدريجيًا إلى الدراسة، لتعود الأعراض، وفق روايتها، عند انتشار الروائح والغازات مجددًا.
ولم تكن حادثة أكتوبر معزولة؛ إذ سبقتها وتلتها حالات أخرى، ووافقت السلطات التربوية في نهاية ذلك الشهر على نقل 24 تلميذًا وتلميذة ممن تعرضوا لاختناقات إلى مدارس أخرى، وفق وكالة تونس إفريقيا للأنباء.
من الاختناق إلى مطلب تفكيك الوحدات
أثارت الحوادث غضبًا واسعًا في قابس، ودفعت السكان والنشطاء إلى تنظيم تحركات متكررة للمطالبة بوقف مصادر التلوث.
ويقول إسلام أزريلي: "المطلب الوحيد الذي رفعه أهالي قابس هو تفكيك الوحدات الصناعية، حتى نتمكن من استنشاق هواء نقي والعيش في بيئة سليمة".
لكن الانتقال من وصف الأعراض إلى إثبات أن مرضًا بعينه ناجم مباشرة عن مصدر واحد للتلوث يحتاج إلى أدلة علمية أكثر دقة.
وتوضح المهندسة الجيولوجية خديجة الإمام أن إثبات علاقة مباشرة بين مرض محدد ومصدر واحد للتلوث ليس ممكنًا دائمًا، لكنها تشير إلى أن التعرض طويل الأمد لمزيج من الملوثات الصناعية يُعد عامل خطر معروفًا في الأدبيات العلمية.
ومن هنا، تقول الإمام، تتجاوز القضية الأضرار الصحية المباشرة لتطرح أيضًا مسألة العدالة البيئية والاجتماعية: من يتحمل كلفة النشاط الصناعي، ومن يحصل على منافعه؟
البحر الذي تغيّرت ملامحه
لا تتوقف مخاوف سكان قابس عند صحة الإنسان. فالمدينة التي ارتبط تاريخ جزء من سكانها بالبحر والصيد تشهد أيضًا شكاوى من تراجع الثروة البحرية وتغير الشريط الساحلي.
ويتحدث أزريلي خصوصًا عن السلاحف البحرية من نوع "كاريتا كاريتا"، قائلًا إن ناشطين وثقوا خلال موسم امتد ثلاثة أو أربعة أشهر أكثر من ألف سلحفاة بحرية نافقة.
غير أن هذا الرقم، وكذلك أسباب النفوق، لا يكفيان وحدهما لإثبات أن التلوث الصناعي هو السبب المباشر لكل تلك الحالات، ما لم تدعمهما دراسات أو تحاليل مستقلة تحدد أسباب النفوق.
وكان البحر مصدرًا أساسيًا للرزق لدى عائلات كثيرة. ويقول الصياد نزيه العودي إن الصيادين بدأوا يلمسون آثار التلوث الصناعي منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.
ويقدّر العودي أن عدد أنواع الأسماك التي كانت موجودة في المنطقة تجاوز 350 نوعًا، في حين لم يعد الصيادون، بحسب روايته، يرصدون اليوم سوى أقل من 80 نوعًا في مياه قابس القريبة.
التلوث يصل إلى الواحات
على مسافة قريبة من المجمع الكيميائي تمتد واحات قابس، وهي من العناصر التي تمنح المنطقة خصوصيتها الطبيعية والزراعية.
ويقول مزارعون إن الانبعاثات تركت آثارًا واضحة على الأشجار والمحاصيل. ويتحدث أحمد فلاح عن الرمان الذي اشتهرت به المنطقة، ويعزو تلف بعض الأوراق والثمار بعد هطول الأمطار إلى الملوثات الموجودة في الجو.
ومن المهم هنا الفصل بين الملاحظة الميدانية وتحديد السبب العلمي: فالمزارعون يصفون ما يرونه على الأشجار، لكن إثبات تركيب مياه الأمطار أو نسبة مساهمة مصدر صناعي بعينه يحتاج إلى قياسات وتحاليل.
ويقول المزارع عبد الحميد الذوادي عن سرعة التغير الذي يراه في الأوراق: "في المساء تكون خضراء، وفي صباح اليوم التالي تصبح صفراء".
وتوضح المهندسة الجيولوجية خديجة الإمام أنها تناولت، ضمن أبحاثها، واقع التلوث الذي يطال التربة ومصادر مياه الري في عدد من الواحات المحاذية للمنطقة الصناعية.
وتقول إن النتائج أظهرت ارتفاعًا نسبيًا في تركيز بعض العناصر في مواقع قريبة من الأنشطة الصناعية مقارنة بمواقع أبعد.
وتوضح أن ارتفاع بعض المعادن الثقيلة فوق مستوياتها الطبيعية قد يحولها إلى مصدر خطر، وأن حركة الملوثات لا تتوقف بالضرورة عند البحر، بل يمكن أن تتم عبر الهواء والمياه وصولًا إلى التربة والمنظومات الزراعية.
ماذا تقول الجهات الرسمية؟
لم يتلق فريق برنامج "مهمة صحفية" ردًا على أسئلته من الجهات الرسمية. لكن غياب الرد لا يعني غياب المواقف أو الإجراءات الرسمية.
ففي يونيو/ حزيران 2017، أقر مجلس وزاري مضيق وقف سكب الفوسفوجيبس في البحر بقابس وتفكيك الوحدات الملوثة المرتبطة بإنتاجه، مع التوجه إلى إنشاء وحدات جديدة تحترم المعايير البيئية. وظل تنفيذ هذا القرار أحد أبرز مطالب الحركات البيئية في المنطقة.
وفي 11 أكتوبر 2025، أعلنت الرئاسة التونسية توجيه فريق مشترك من وزارتي الصناعة والبيئة إلى مصنع الحامض الفسفوري. وقالت إن معاينات أظهرت إخلالات في الصيانة والتشغيل أدت إلى تسربات غازية، إضافة إلى عدم إجراء بعض الاختبارات المطلوبة للمعدات في مواعيدها.
كما نشرت مجموعة البنك الإفريقي للتنمية في يوليو/ تموز 2025 وثائق تدقيق بيئي واجتماعي لمواقع المجمع، بينها موقع قابس، ضمن مشروع لدعم التأهيل البيئي لوحداته الصناعية. وتشير الحلقة، استنادًا إلى هذا التدقيق، إلى مخالفات تتعلق بالانبعاثات وإدارة النفايات وفجوة بين بعض الممارسات القائمة ومتطلبات المعايير البيئية والاجتماعية.
وفي يناير/ كانون الثاني 2026، تسلم الرئيس قيس سعيّد التقرير النهائي لفريق عمل مكلف بالبحث عن حلول عاجلة للوضع البيئي في قابس، معلنًا العمل على إجراءات تقنية ومالية وهيكلية لإزالة مصادر التلوث.
وفي فبراير/ شباط من العام نفسه، رفضت المحكمة الابتدائية في قابس طلبًا استعجاليًا لوقف نشاط الوحدات التي يصفها مقدمو الدعوى بالملوثة، وفق وكالة تونس إفريقيا للأنباء، التي قالت إن القرار استند إلى عدم ثبوت الضرر في الملف المعروض أمام القضاء.
أما أحدث المواقف الرسمية البارزة فجاء خلال زيارة سعيّد إلى قابس في 11 أغسطس/ آب 2026، حين قال إن الوحدات التي ستُشغّل ينبغي أن تكون قد خضعت للإصلاح والتأهيل وأصبحت مطابقة للمعايير، مؤكدًا حق السكان في بيئة سليمة.
حين يصبح الفن أداة احتجاج
لم يقتصر رفض سكان قابس على المظاهرات. فقد استخدم بعض شباب المدينة الموسيقى والغرافيتي ومواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن مطالبهم.
ومن بينهم محمد علي الشريف، الذي يقول إنه فقد عينه اليسرى بعدما أصابته قنبلة غاز مسيل للدموع في الوجه خلال إحدى المظاهرات المرتبطة بملف المجمع الكيميائي.
ويروي الشريف تفاصيل الحادثة قائلًا: "كان عمري 20 عامًا عندما وقع ذلك. خرجت من منزل عمي متوجهًا لمتابعة المظاهرة، وما إن وصلت حتى أصابتني قنبلة من الغاز المسيل للدموع في وجهي، واستقرت في عيني".
واختار الشريف موسيقى الراب ليحكي تجربته وتجربة مدينته، بينما تحولت جدران في قابس إلى مساحات للغرافيتي تحمل رسائل مرتبطة بالتلوث والبحر ومصادر رزق السكان.
بين قرار حكومي يعود إلى 2017، واحتجاجات متواصلة، وخطط جديدة لتأهيل المنشآت، بقيت الفجوة بين ما يطالب به جزء واسع من سكان قابس وما نُفذ فعليًا في الميدان محور الأزمة.
فالخلاف لم يعد يدور حول وجود مشكلة بيئية من عدمه؛ حتى الخطاب الرسمي بات يقر بالحاجة إلى إصلاحات جذرية. لكنه لا يزال قائمًا حول الطريق إلى الحل: هل يكون بتأهيل الوحدات القائمة، أم بتفكيك الملوِّث منها ونقل النشاط إلى نموذج صناعي مختلف؟
وبين هذين المسارين، يواصل المحتجون في قابس ترديد مطلبهم الذي اختصرت به المدينة سنوات من التحركات: "الشعب يريد تفكيك الوحدات".