وتُحدّد السجلات تاريخ تبادل الرسالتين في 16 أغسطس/آب 1858، فيما تحتفظ المجموعة الملكية البريطانية بالشريط الذي سجل رسالة فيكتوريا. وكانت العملية بطيئة بمقاييس اليوم؛ إذ استغرق نقل رسالة الملكة ساعات، لكنها اختصرت رحلة كانت تحتاج عادة إلى أيام طويلة على متن السفن.
لم يكن ذلك "إنترنت القرن التاسع عشر"، فالتلغراف والكابل الحديث شبكتان مختلفتان جذريًا في التقنية والقدرة والبنية. لكن الإنجاز غيّر شيئًا أساسيًا ظل حاضرًا في عالم الاتصالات حتى اليوم: فصل سرعة انتقال المعلومات عن سرعة انتقال البشر والأشياء.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت المسافة بين القارات تتحول من حاجز جغرافي إلى مسألة بنية تحتية واتصال.
واللافت أن الإنترنت الذي يبدو اليوم بلا أسلاك يعتمد بدوره على شبكة كثيفة من الكابلات البحرية. فالبيانات التي تعبر المحيطات لا تسافر في "السحابة" حرفيًا، وإنما تمر في معظمها عبر ألياف ضوئية مدفونة في قاع البحر، وهي الوريث التقني البعيد للأسلاك التي حاول مهندسو القرن التاسع عشر مدها بين ضفتي الأطلسي.
حين كان الخبر يسافر بسرعة السفينة
بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، كان التلغراف قد أحدث تحولًا كبيرًا داخل أوروبا وأميركا الشمالية. وانتشرت شبكات الأسلاك بين المدن، فيما ربط كابل تحت القنال الإنكليزي بريطانيا بالقارة الأوروبية.
لكن الأطلسي بقي فجوة في شبكة الاتصال الناشئة. كان بإمكان الرسالة أن تصل سريعًا إلى أحد الموانئ، ثم لا يكون أمامها سوى انتظار السفينة التي ستعبر بها المحيط.
وكان عبور الأطلسي يستغرق نحو 10 أيام في الرحلات السريعة، وقد يطول أكثر بحسب السفينة والطقس. وهذا يعني أن الأخبار والأسعار والتعليمات التجارية والرسائل الدبلوماسية كانت تصل إلى القارة الأخرى وقد أصبحت قديمة نسبيًا.
ويوضح متحف العلوم في لندن أن الدافع التجاري وراء المشروع كان ضخمًا، إذ إن إمكانية إرسال رسالة بين أوروبا وأميركا الشمالية خلال أقل من يوم كانت قادرة على تغيير طريقة عمل الأسواق والأعمال.
وسط هذه البيئة ظهر رجل الأعمال الأميركي سايروس ويست فيلد. لم يكن مهندسًا متخصصًا في الاتصالات، وإنما رجل أعمال صنع ثروته في صناعة الورق ثم تقاعد شابًا.
وفي 1856 أسس شركة التلغراف الأطلسية، وجمع مستثمرين ودعمًا بريطانيًا وأميركيًا لتنفيذ فكرة بدت شديدة الطموح: مد كابل يزيد مساره البحري على 2000 ميل بحري بين جنوب غربي إيرلندا ونيوفاوندلاند.
لكن المشكلة لم تكن في إنتاج سلك طويل فحسب. كان ينبغي لهذا السلك أن يهبط آلاف الأمتار من السفينة، وأن يقاوم وزنه وضغط البيئة البحرية، وأن يبقى معزولًا كهربائيًا على امتداد المحيط كله.
كيف صُنع سلك ينام في قاع المحيط؟
كان قلب الكابل يتكون من موصل نحاسي تحيط به طبقات من الغوتا بيرشا، وهي مادة طبيعية شبيهة بالمطاط استخدمت لعزل الأسلاك عن المياه، ثم أضيفت حولها ألياف وأسلاك معدنية لمنح الكابل القوة والحماية الميكانيكية.
وتحتفظ مؤسسة سميثسونيان بمجموعة أصلية من مكونات كابل 1858، تظهر الموصل النحاسي وطبقات الغوتا بيرشا والأسلاك الواقية. وهي تكشف أن المشروع كان في جوهره تجربة ضخمة في علم المواد والهندسة البحرية، بقدر ما كان تجربة في الاتصالات.
وكان هناك تحد آخر: لم تكن سفينة واحدة قادرة على حمل الكابل كله. لذلك قُسم بين سفينتين، البريطانية "إتش إم إس أغاممنون" والأميركية "يو إس إس نياجرا".
وكان من المفترض أن تلتقيا في وسط الأطلسي، وأن تصل إحداهما نصف الكابل بالآخر، ثم تنطلق كل سفينة في اتجاه معاكس، فيما تدفع السلك تدريجيًا إلى البحر.
فشلت محاولة 1857 بعدما انقطع الكابل. وفي العام التالي تعرض المشروع لسلسلة أخرى من الإخفاقات والانقطاعات، لكن الفريق عاد إلى المحاولة.
وفي أواخر يوليو/تموز 1858، نجحت السفينتان أخيرًا في وصل الكابل وسط المحيط والانطلاق نحو الضفتين. وصلت "أغاممنون" إلى إيرلندا في 5 أغسطس/آب، ووصل الطرف الآخر إلى نيوفاوندلاند خلال الساعات التالية، قبل استكمال تثبيت الأطراف على اليابسة.
وتربط العينات التاريخية المحفوظة في سميثسونيان الخط بين خليج فالنتيا في إيرلندا وخليج ترينيتي في نيوفاوندلاند.
لقد نجح الجزء الأصعب: صار هناك مسار كهربائي متصل عبر الأطلسي.
16 أغسطس/آب.. رسالة عبر البحر
بعد اختبارات امتدت أيامًا، جاء الاستعراض الرمزي الكبير في 16 أغسطس/آب. أرسلت الملكة فيكتوريا رسالة تهنئة إلى بيوكانان، ورد الرئيس الأميركي عبر الكابل نفسه.
كانت تلك اللحظة جذابة سياسيًا وإعلاميًا، لأنها جعلت فكرة كانت تبدو أقرب إلى الخيال محسوسة أمام الجمهور: أوروبا وأميركا الشمالية تستطيعان "التحدث" من خلال قاع المحيط.
وقد صورت الصحافة الحدث باعتباره نوعًا من المصافحة بين العالمين القديم والجديد.
وتحتفظ مكتبة الكونغرس برسم تاريخي من 1858 يحمل عنوان "مد الكابل - جون وجوناثان يتصافحان"، يصور بريطانيا والولايات المتحدة تتصافحان بينما يمتد الكابل بينهما.
لكن كلمة "فوري" التي استخدمها المحتفلون بالإنجاز تحتاج إلى بعض الحذر. فلم تكن الرسائل تنساب بسرعة البرق التي نتخيلها الآن. كانت الإشارة تضعف بشدة بسبب طول السلك وخصائصه الكهربائية، ولذلك كان استقبال الأحرف عملية بطيئة ومعقدة.
ويذكر متحف العلوم أن رسالة فيكتوريا احتاجت نحو 16 ساعة لإرسالها، ومع ذلك كان ذلك أسرع كثيرًا من انتظار سفينة تعبر الأطلسي.
الانتصار الذي عاش أسابيع
ظهر سريعًا أن نجاح مد الكابل لا يعني بالضرورة نجاح تشغيله. فقد كانت الإشارات ضعيفة، كما أن جودة الكابل وعزله لم تكن مثالية.
وبرز هنا خلاف بين عالم الفيزياء البريطاني ويليام طومسون، الذي سيعرف لاحقًا بلورد كلفن، وكبير الكهربائيين في الشركة وايلدمان وايتهاوس.
وكان طومسون قد طور جهاز الجلفانومتر المرآتي القادر على التقاط الإشارات الضعيفة جدًا، بينما لجأ وايتهاوس إلى استخدام جهود كهربائية أعلى على أمل الحصول على إشارة أوضح.
وتنسب الرواية التي يقدمها متحف العلوم انهيار العزل إلى رفع الجهد الكهربائي، لكن تاريخ الكابل يكشف أيضًا أن مشكلاته لم تبدأ في غرفة التشغيل.
فقد أظهرت تقارير الشركة نفسها وجود عيوب في أجزاء من الكابل قبل الرحلة، كما كانت مادة الغوتا بيرشا معرضة للتدهور إذا خزنت في ظروف غير ملائمة.
لذلك فإن اختزال الفشل في "خطأ واحد" لا يقدم الصورة كاملة؛ كان الكابل نفسه مشروعًا تقنيًا على حدود ما تسمح به معرفة ذلك الزمن.
وخلال أسابيع، توقف الكابل عن العمل.
كانت الخيبة كبيرة؛ فقد احتفل العالم بولادة اتصال عابر للأطلسي، ثم فقده سريعًا. لكن الفشل لم يعد المشروع إلى نقطة الصفر، فقد أثبتت تجربة 1858 شيئًا كان موضع شك قبلها: يمكن إرسال إشارة كهربائية فعلًا عبر كابل يمتد من قارة إلى أخرى في أعماق المحيط.
وأصبحت المشكلة هندسية، لا سؤالًا عن إمكان الفكرة نفسها.
"غريت إيسترن".. السفينة التي أنهت سنوات الفشل
استغرق الأمر سنوات قبل أن يعود فيلد إلى الأطلسي. وأُنشئت شركة جديدة، وصُنع كابل أكثر متانة، ودخلت المشروع سفينة ساعد حجمها الهائل على تغيير قواعد اللعبة: "غريت إيسترن"، التي صممها المهندس الشهير إيسامبارد كينغدم برونيل وكانت آنذاك أكبر سفينة في العالم.
وبفضل حجمها، استطاعت السفينة حمل كامل الكابل تقريبًا بدل تقسيمه بين سفينتين.
وفي 1865 بدأت محاولة جديدة، لكنها انتهت عندما انقطع السلك وغرق طرفه في الأعماق بعد قطع جزء كبير من الرحلة.
وعاد الفريق مرة أخرى في صيف 1866. أبحرت "غريت إيسترن" من إيرلندا في 13 يوليو/تموز، ووصلت إلى هارتس كونتنت في نيوفاوندلاند في 27 يوليو/تموز.
هذه المرة ظل الكابل سليمًا، وأصبحت وصلة الأطلسي المستمرة حقيقة.
ولم يكتف الفريق بذلك. عادت السفينة إلى موقع انقطاع كابل العام السابق، ونجحت بعد أسابيع من المحاولات في انتشاله من قاع البحر، ثم وصلته بكابل جديد وأكملت المسار.
وهكذا دخلت شبكة الاتصال الأطلسية مرحلتها المستقرة بخطين بدل خط واحد.
والفارق بين 1858 و1866 مهم: الأولى أثبتت أن الاتصال ممكن، والثانية جعلته بنية تحتية يمكن الاعتماد عليها.
حين بدأت المعلومة تسبق الإنسان
كان أثر التلغراف البحري أوسع من اختصار زمن الرسائل الشخصية. فجأة أصبح من الممكن نقل أسعار الأسواق والأخبار السياسية والتعليمات العسكرية والمعلومات التجارية عبر القارات، قبل أن تتمكن أي سفينة من حمل الصحف أو الأشخاص أنفسهم.
وتشير شهادات معاصرة للكابل الأول إلى أن إحدى الرسائل المبكرة وفرت معلومات عاجلة عن سفينة متضررة، فيما سمحت رسالة أخرى بإلغاء حركة عسكرية كان من شأنها إرسال قوات بريطانية في رحلة غير ضرورية عبر الأطلسي.
كان ذلك نموذجًا مبكرًا لما سيصبح لاحقًا أمرًا بديهيًا: المعلومة تصل أولًا، والفعل البشري يتحرك على أساسها لاحقًا.
وفي العقود التالية، انتشرت الكابلات البحرية بين القارات والجزر، إلى أن اكتملت في مطلع القرن العشرين شبكة تلغرافية تكاد تطوق العالم.
لم تختف الجغرافيا، لكنها فقدت جانبًا من قدرتها على تأخير الخبر.
تغير كل شيء تقريبًا منذ ذلك الحين: السرعة والمواد والأجهزة وطريقة ترميز المعلومات وحجم البيانات.
استُبدلت نبضات التلغراف بتدفقات ضوئية هائلة تتحرك في ألياف دقيقة، وأصبحت كابلات اليوم تحمل المكالمات والفيديو والمعاملات المالية ورسائل الإنترنت في اللحظة نفسها.
لكن شيئًا من عالم 1858 ما زال قائمًا: القارات لا تتصل ببعضها في الفضاء فقط، وإنما عبر قاع البحر.
ويشير متحف العلوم إلى أن الجزء الأكبر من حركة البيانات الدولية يمر عبر الكابلات البحرية المصنوعة اليوم من الألياف الضوئية، وأن عددًا من مسارات الكابلات الحديثة يتبع بصورة لافتة الممرات التي بدأ مهندسو التلغراف في رسمها خلال القرن التاسع عشر.
لهذا لا تكمن أهمية كابل الأطلسي في أنه كان نسخة بدائية من الإنترنت؛ لم يكن كذلك. أهميته أنه أحدث تحولًا فكريًا بنى عليه عالم الاتصالات الحديث: لم يعد على المعلومة أن تسافر مع الإنسان.