قرارات إسرائيلية جديدة تغيّر واقع الضفة الغربية.. ماذا تبقى من أوسلو؟
أطلقت إسرائيل مؤخرًا سلسلة إجراءات جديدة في الضفة الغربية، بدأت بمحاولات لتغيير الوضع القائم والسيطرة على مزيد من أراضي مناطق "ألف" و"باء".
كما سمحت للمستوطنين بتملك الأراضي هناك، وألغت التشريعات الأردنية، فيما يصف الفلسطينيون هذه الخطوات بأنها ضم زاحف وفرض للسيادة الإسرائيلية على بقية الضفة الغربية.
والأحد الماضي، أقرت الحكومة الإسرائيلية قرارات تستهدف إحداث تغييرات في الواقع القانوني والمدني بالضفة الغربية المحتلة بهدف تعزيز السيطرة عليها، منها توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ لتشمل مناطق مصنفة "ألف" و"باء".
ويتيح هذا الإجراء لإسرائيل تنفيذ عمليات هدم ومصادرة بحق ممتلكات فلسطينية حتى في مناطق تخضع إداريًا وأمنيًا للسلطة الفلسطينية.
وبموجب اتفاقية "أوسلو 2" 1995 تخضع المنطقة "ألف" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة "باء" للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، فيما تقع "جيم" تحت سيطرة إسرائيل الكاملة، وتقدر بنحو 60% من مساحة الضفة.
ومنذ بدئها حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كثفت إسرائيل اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتهجير والتوسع الاستيطاني، في مسار يرى فلسطينيون أنه يمهد لضم الضفة الغربية رسميًا.
ويبقى السؤال: هل نحن أمام ضم فعلي للضفة؟ وما المتبقي من اتفاقية أوسلو؟ وما الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين لمواجهة هذا الواقع؟ وهل تستطيع السلطة الفلسطينية التصدي لهذا الضم؟
انقلاب على أوسلو وإطلاق "الرصاصة الأخيرة"
وفي هذا الإطار، أكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان أن قرارات الاحتلال الأخيرة لن تكون نهاية المطاف، بل تمثل انقلابًا فعليًا وإطلاق الرصاصة الأخيرة على اتفاق أوسلو.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من رام الله أن رئيس الحكومة الحالية بنيامين نتنياهو، الذي وقع "بروتوكول الخليل" سابقًا، نفذ إجراءات خطيرة في البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، ونقل صلاحيات بلدية الخليل إلى ما تسمى "الإدارة المدنية"، معتبرًا ذلك خرقًا فاضحًا وانقلابًا على كل الاتفاقيات الدولية.
وأشار شعبان إلى أن الاحتلال تدخل أيضًا في مناطق "ألف" و"باء"، خصوصًا في المواقع الأثرية، وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية تعمل على ضم هذه المواقع إلى سلطة الآثار الإسرائيلية، ما يعني أننا أمام موجة جديدة من الهدم لا تقتصر على مناطق "جيم"، بل تمتد إلى "ألف" و"باء"، وهو انقلاب حقيقي على الاتفاقيات.
وشدد شعبان على أن ما يجري ليس حربًا على الفلسطينيين فقط، بل على العالم بأسره وعلى القرارات الدولية، إذ لم يُنفذ أي من عشرات قرارات مجلس الأمن ومئات قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ورأى أن الحكومة الإسرائيلية لا ترى شيئًا سوى القضاء على الفلسطينيين وإنهاء قضيتهم.
وأضاف أن الاتفاق بين الأحزاب الدينية لتشكيل الائتلاف اليميني الحالي نصّ على ثلاث قضايا أساسية: توسيع الاستيطان، شرعنة البؤر القائمة، والتعامل مع الفلسطينيين إما بالقتل أو الطرد أو تحويلهم إلى عمال في المستوطنات.
وأوضح شعبان أن الاحتلال لم يسيطر بالكامل على مناطق "جيم"، بل على نحو 71% منها، ولا يزال الفلسطينيون يعيشون هناك. ودعا إلى حوار وطني شامل وخطة موحدة تجمع كل القوى الفلسطينية، بعيدًا عن الخلافات حول اتفاق أوسلو، لمواجهة هذا الواقع.
وختم بالقول إن إسرائيل استغلت انشغال العالم بما يجري في غزة لتحقيق جزء أساسي من مشروعها التوراتي المزعوم للسيطرة على الضفة الغربية، معتبرة أن الصراع الحقيقي يتمحور حول الضفة التي تراها "مملكة يهودا والسامرة" ويجب أن تعود إليها.
"منع قيام دولة فلسطينية"
من ناحيته، قال الخبير في شؤون الاستيطان خليل تفكجي إن ما يجري الآن في الضفة الغربية يعكس سياسة إسرائيلية واضحة تهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من رام الله أن ما تم باتفاقيات أوسلو وما يحدث اليوم يمثل دق المسمار الأخير في نعش الاتفاقية.
وبيّن أن اتفاقية أوسلو كانت فيها مرحلة انتقالية أجّلت القضايا الحساسة مثل الاستيطان، القدس، اللاجئين والمياه.
وأضاف أن تقسيم المناطق إلى "ألف" و"باء" و"جيم" جاء نتيجة تلك الاتفاقية، لكن إسرائيل استغلتها لتوسيع نفوذ المستوطنات.
وأوضح أن هناك فرقًا بين المنطقة المبنية داخل المستعمرة، والمخطط الهيكلي لها، ومجال نفوذها. وأشار إلى أن إسرائيل وسّعت مجال نفوذ المستوطنات ليشمل أكثر من 60% من الضفة، رغم أن المخطط الهيكلي لا يتجاوز 6 بالمئة، والمساحة المبنية لا تتعدى 1.6%.
وأكد أن إسرائيل وضعت اتفاقية أوسلو جانبًا، وبدأت بإنشاء البؤر الاستيطانية والسيطرة على مناطق النفوذ والتوسع بشكل كبير.
وعن وجود خطط فلسطينية مضادة، قال التفكجي إنه لا توجد خطط واضحة حتى الآن، مشددًا على أن الصمود الفلسطيني قائم لكنه لا يكفي للبقاء.
وأوضح أن الصراع في مناطق "جيم" يكشف أن البرنامج الإسرائيلي واضح: إسرائيل لا تريد وجود الفلسطينيين.
"إسرائيل تريد تقويض السلطة الفلسطينية"
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت علي الجرباوي إن اتفاقية أوسلو لن تُدفن إلا إذا انتهت السلطة الفلسطينية بالكامل.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي، أوضح أنه لا يتفق مع الرأي القائل إن إسرائيل تريد إنهاء السلطة، فهي تسعى فقط إلى تقويضها وجعلها أداة لتنفيذ ما تريده.
وأضاف أن إسرائيل تريد الأرض دون الفلسطينيين، لذلك تعتمد على طريقتين: إما الطرد الفيزيائي الكامل، وإذا لم تتمكن من ذلك، فإنها تلجأ إلى الطرد القانوني. وأوضح أن إسرائيل تريد مؤسسة فلسطينية تمنح الفلسطينيين جوازات سفر، وهذه الجوازات تفصلهم قانونيًا عن إسرائيل وتمنع أي إمكانية لقيام دولة واحدة يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون معًا.
وأشار الجرباوي إلى أن إسرائيل تسعى لحسم الصراع في الضفة الغربية عبر السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع تقليص عدد السكان الفلسطينيين، أو حشرهم في معازل صغيرة ومفصولة عن بعضها البعض..
وختم بالقول إن القرارات الأخيرة ستجعل أقصى ما يتمناه الفلسطينيون هو الحفاظ على مناطق "ألف" و"باء"، بينما تصبح مناطق "جيم" خارج أي حساب فلسطيني.