الثلاثاء 10 مارس / مارس 2026
Close

قصة الانقلابات في الجيش السوري من الاستقلال حتى حكم البعث

قصة الانقلابات في الجيش السوري من الاستقلال حتى حكم البعث محدث 10 يوليو 2025

شارك القصة

لطالما كان الجيش السوري اللاعب الحاسم للإمساك بالسلطة في البلاد - غيتي
لطالما كان الجيش السوري اللاعب الحاسم للإمساك بالسلطة في البلاد - غيتي
الخط
بدأت الانقلابات في الجيش السوري في سنوات الاستقلال الأولى، ولم تتوقف باستيلاء حزب البعث على السلطة، بل اتخذت طابعًا داخليًا بين البعثيين أنفسهم.

لعب الجيش دورًا مركزيًا في تاريخ سوريا، تجاوز وظيفته العسكرية إلى التدخل في الحياة السياسية وإعادة تشكيلها، تدفعه تدخلات خارجية وصراعات داخلية، حتى أصبح اللاعب الحاسم للإمساك بالسلطة.

تجلّى ذلك في انقلابات عسكرية، بدأت في سنوات الاستقلال الأولى، ولم تتوقف باستيلاء حزب البعث على السلطة، بل اتخذت طابعًا داخليًا بين البعثيين أنفسهم. فما قصة الانقلابات في الجيش السوري ما قبل حكم البعث؟

تأسيس الجيش السوري

خلال فترة الانتداب على سوريا (1920-1946)، استخدمت فرنسا جيوشها بشكل محدود، وأنشأت تشكيلات عسكرية محلية، أبرزها "قوات المشرق الخاصة"، تضمّ جنودًا سوريين ولبنانيين بإمرة ضباط فرنسيين. ازدادت ضغوط الداخل والخارج لإجبار فرنسا على إنهاء الانتداب أواخر الحرب العالمية، ووقعت مواجهات مع القوى الوطنية، بلغت حدّ مهاجمة الفرنسيين للبرلمان السوري، في 29 مايو/ أيار 1945، فانشقّ ضباط وجنود سوريون والتحقوا بالثوار.

عُقدت اجتماعات بين الفرنسيين وممثلين عن الحكومتين السورية واللبنانية، في يوليو/ تموز 1945، لبحث تسليم القوات العسكرية، بما فيها الشرطة. وأصبحت تحت السيادة الكاملة لسلطات البلدين في 1 أغسطس/ آب 1945، وتقرّر أن يكون هذا اليوم العيد الرسمي للجيش، وذلك قبل نحو تسع أشهر من جلاء القوات الفرنسية، وإعلان استقلال سوريا في 17 أبريل/نيسان 1946.

حرب فلسطين والانقلابات الأولى (1949 – 1954)

صوتت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 1947، فخرجت مظاهرات في سوريا والدول العربية ترفض القرار، ودعت جامعة الدول العربية إلى التطوع لنجدة فلسطين، فتشكّل "جيش الإنقاذ" المؤلّف من عسكريين ومدنيين متطوعين، من مختلف البلاد العربية، لكنه لم يفلح في وقف الهجمات الصهيونية والمجازر بحق الفلسطينيين. وتحت الضغط الشعبي، قررت الجامعة العربية بالإجماع إرسال الجيوش النظامية، ومنها الجيش السوري، إلى فلسطين، لكنها منيت بهزيمة كبرى صيف عام 1948.

تبادل السياسيون وقادة الجيش الاتهامات بالمسؤولية عن "النكبة"، وكان من تداعياتها تدخّل الجيش في السياسة، وتغلغل الأحزاب الأيديولوجية فيه، كالحزب السوري القومي الاجتماعي[1]، وحزب البعث العربي الاشتراكي[2]. والسياسة أسوأ مرض يمكن أن يصيب الجيش، وتجمع مصادر مختلفة أنّ أكرم الحوراني "أول من أدخل هذا المرض إلى الجيش السوري تبعته بقية الأحزاب، فانقسم الجيش إلى فئات عدّة تلعب بها السفارات أحيانًا وتعصف بها الحزبية أحيانًا أخرى، وتسيطر عليها الأطماع الشخصية في أكثر الحالات"[3]. وعلى خلفية التوتر بين السياسيين والعسكر، وانكشاف فضيحة فساد تتعلق بتموين الجيش، وقع أول انقلاب عسكري، ليلة 29-30 مارس/ آذار 1949، بقيادة رئيس الأركان الزعيم حسني الزعيم[4].

حسني الزعيم.. قائد الانقلاب الأول

ولد حسني الزعيم لعائلة كردية في مدينة حلب سنة 1889، ودرس في مدارسها ثمّ التحق بالجيش العثماني، ورقّي إلى رتبة ملازم أول سنة 1917. وقع في أسر الإنكليز خلال الحرب العالمية الأولى، وبعد إطلاق سراحه تطوّع في الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل. بعد احتلال الفرنسيين سوريا، التحق بالكلية العسكرية عام 1920، وتنقّل في قطعات الجيش مترقّيًا حتى رتبة عقيد عام 1941، حيث سُرّح وحوكم بقضايا فساد. أمضى الزعيم سنوات في السجن، قبل أن يطلق الرئيس شكري القوتلي سراحه، ويعيده للخدمة برتبة زعيم، ويعيّنه مديرًا للشرطة والأمن العام، ثم رئيسًا للأركان سنة 1948. وبعد الانقلاب، عزل الزعيم رئيس الجمهورية القوتلي ونفاه، وعطّل الدستور وحلّ البرلمان، وبدأ حكمًا استبداديًا.

أدّت الإنقلابات المتتالية إلى تسييس الجيش وانخراطه في الحكم، وكانت موازنته تزداد بعد كلّ انقلاب، ومعها ينمو حجمه، إلا أنّ العسكر لم يتمكّنوا من الانسجام كفريق واحد والاستفراد بالحكم والسيطرة على الحياة السياسية

دشّن انقلاب الزعيم تدخّل القوى الخارجية في الجيش، فالأميركيون ساهموا في التحضير للانقلاب[5]، لأنهم أرادوا تصديق "اتفاقية التابلاين" لمرور أنابيب نقل النفط السعودي عبر الأراضي السورية وفق شروط الشركة الأميركية، التي كانت الحكومة السورية ترفضها في عهد القوتلي، إضافة إلى توقيع الهدنة مع إسرائيل بالشروط الإسرائيلية[6]. ووُقّعت اتفاقية التابلاين في 16 مايو/ أيار، والهدنة في 20 يوليو/ تموز 1949، وكانت سوريا آخر من وقّعها، بعد مصر ولبنان والأردن.

تكشّفت للناس حقيقة الحكم الجديد وعلاقاته بالأميركيين، ووصل التململ إلى الجيش نتيجة فساد الزعيم واستبداده، حيث جمَعَ السلطات التنفيذية والتشريعية بيده، ومنحَ نفسه رتبة "مشير". وكان مما عجّل في نهايته قضية زعيم الحزب السوري القومي أنطون سعادة، إذ استضافه المشير وأكرمه، ثم غدَرَ به وسلّمه إلى السلطات اللبنانية، التي حكمت عليه بالإعدام، على خلفية تمرّد مسلّح نفّذه حزبه، ما أثار نقمة الضباط السوريين المنتسبين إلى حزب سعادة.

دشّن انقلاب حسني الزعيم تدخّل القوى الخارجية في الجيش في سوريا - غيتي
دشّن انقلاب حسني الزعيم تدخّل القوى الخارجية في الجيش في سوريا - غيتي
دشّن انقلاب حسني الزعيم تدخّل القوى الخارجية في الجيش في سوريا - غيتي

سامي الحناوي ينقلب على رفيق دربه

لم يطل حكم حسني الزعيم سوى "137 يومًا هزت سوريا"، ففي 14 أغسطس/ آب 1949، قاد رفيق دربه الزعيم سامي الحناوي، انقلابًا بدعم من العراق، وقضى الزعيم برصاص الانقلابيين، وتحديدًا ضباط من الحزب السوري القومي، انتقامًا لأنطون سعادة، الذي أعدمته السلطات اللبنانية، قبل 36 يومًا من انقلاب الزعيم[7].

تتشابه سيرة سامي الحناوي مع سلفه، فهو من أكراد حلب، ولد فيها سنة 1896، وتدرج في مدارسها، والتحق بالجيش العثماني، فجيش الملك فيصل، ثم القوات الخاصة الفرنسية خلال الانتداب، والجيش السوري بعد الاستقلال. لكنّه، خلافًا للزعيم، يفتقر للطموح الشخصي، إذ لم يمارس أي مسؤولية سياسية، ودعا الرئيس هاشم الأتاسي لتشكيل حكومة جديدة.

عادت الحياة النيابية، وسيطر حزب الشعب الموالي للعراق على الحكومة، وبدأ دعاة الوحدة السورية العراقية مساعيهم، حتى "وصلت الأمور إلى أوجها بعدما أصبحت الأرض ممهدة والرأي العام متيقظًا بتلك المناقشة الكبيرة في الصحف بشأن التقارب مع العراق"[8]. عمل الحناوي على تحجيم الضباط البارزين الذين لا يوافقون على المشروع العراقي، مثل العقيد أمين أبو عساف، وهو درزي من السويداء، وكان القائد التنفيذي الفعلي لانقلاب الحناوي. وبتشجيع من أكرم الحوراني، اتصل أبو عساف ببعض الضباط للتحرّك حفاظًا على النظام الجمهوري واستقلال سوريا، فأقنع العقيد أديب الشيشكلي، وطلب منه قيادة الانقلاب، قائلاً: "أريدك أن تقود الحركة وتكون باسمك خوفًا من الفشل باسم غيرك حيثُ تُستَغَل الطائفية، وأنت مسلم سني تمثل الأكثرية في الجيش ولك شعبية واسعة"[9].

لم يمارس سامي الحناوي أي مسؤولية سياسية، ودعا الرئيس هاشم الأتاسي لتشكيل حكومة جديدة - عنب بلدي
لم يمارس سامي الحناوي أي مسؤولية سياسية، ودعا الرئيس هاشم الأتاسي لتشكيل حكومة جديدة - عنب بلدي

انقلاب أديب الشيشكلي

وضع أبو عساف الخطة، وجمع ضباطه فجر 19 ديسمبر/ كانون الأول 1949 للاجتماع بالشيشكلي رئيس الحركة، الذي أخبرهم بالمهمة، وهي الإطاحة بالحناوي وأنصاره، "لأنهم قبضوا أموالاً من العراق ويرغبون بضمّ سوريا الحرة المستقلة إلى العراق المكبّل بمعاهدة مع بريطانيا ليشكلوا اتحادًا، وإلغاء الحكم الجمهوري"، وأنّ الإنقلاب "حركة تصحيح محدودة ضمن الجيش ويبقى الحكم المدني على حاله. على أن يوقف المرتبطون بالعراق نشاطهم، حتى يتم وضع الدستور لحكم جمهوري، وبعدها تجري انتخابات حرّة"[10].

مع استمرار الشدّ والجذب بين الضباط الطموحين والساسة المدنيين، احتاج الضبّاط إلى حلفاء من القوى السياسية، وكان حزب البعث أكثر من استغلّ ذلك، لاسيما بعد التخلّص من خصم عنيد هو الحزب السوري القومي الاجتماعي

أبقى الانقلاب على هاشم الأتاسي رئيسًا للدولة، واكتفى باعتقال الحناوي وإحلال الشيشكلي مكانه، فأصبح الرجل القوي الذي يفرض هيمنته على الحكم والجيش[11]. لكن الاضطرابات السياسية لم تتوقف، واشتدّ خلاف الجيش والحكومة حول قيادة الأمن الداخلي، فالحكومة تريد جعلها تحت إشراف وزارة الداخلية لا الدفاع، والشيشكلي يرفض. استقالت الحكومة وتشكّلت وزارة جديدة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1951 تجاهلت طلبات الشيشكلي، فقام بالانقلاب الثاني له والثالث في سوريا.

اعتُقل رئيس الوزراء والوزراء، فاستقال الرئيس الأتاسي، وتولى الزعيم فوزي سلو رئيس الأركان مهام رئاسة الدولة مع جميع الصلاحيات التنفيذية، وصدرت مراسيم بحل البرلمان وتولّي الأمناء العامين في الوزارات مهام الوزراء، وحل الأحزاب السياسيّة. وبقي الشيشكلي صاحب النفوذ الحقيقي، وفرض أجواء بوليسية على البلاد أطبقت على الحريات. ورغب في منح نظامه شرعية دستورية صورية، فعرض مشروع دستور جديد للاستفتاء الشعبي في 10 يوليو/ تموز 1953، وفي اليوم نفسه "انتُخب" رئيسًا للجمهورية بدلاً من سلو[12].

ولد الشيشكلي في حماه سنة 1909، والتحق بالكلية العسكرية سنة 1930، وانشقّ عن الفرنسيين لينضمّ إلى الثورة ضدهم عام 1945. اهتمّ بالسياسة باكرًا، وانتسب في شبابه للحزب السوري القومي الاجتماعي. لمع نجمه في حرب فلسطين، وشارك في الانقلاب الأول، إذ اختاره الزعيم ليكون على رأس الفرقة المدرّعة التي قلبت حكم القوّتلي[13]. سعى إلى تطوير الجيش، الذي كان سيئ القيادة والتدريب والتجهيز، وعمل بمساعدة فرنسا على تحويله إلى قوّة محاربة حديثة، فأحال ضباطًا مسنين إلى التقاعد، وعيّن ضباطًا شبانًا في مراكز المسؤولية، وأرسل بعضهم إلى فرنسا وإيطاليا وألمانيا الغربية وإنكلترا للتدريب[14].

عُرِفَ عن الشيشكلي قوله: "أعدائي يشبهون الأفعى، رأسها جبل الدروز ومعدتها حمص، وذنبها حلب، فإذا سحقت الرأس ماتت الأفعى"[15]. ولم تكن علاقته ودّية مع قائد الثورة السورية الكبرى الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش، وساءت عندما قُبض على منصور، أحد أبناء سلطان بتهمة الاشتراك في مظاهرة لحزب البعث ضد النظام. وبعد تلقّيه تحذيراتٍ من احتمال نشوب تمرّد في السويداء، عمد الشيشكلي خلال استعراض عسكري في مناسبة رسمية، إلى عرض أسلحة غنمها الجيش السوري أثناء حرب فلسطين، بعد أن سحبها من مستودعات الجيش، على أنها مصادرة من محافظة السويداء، وأن إسرائيل على اتصال مع الدروز في الجبل وزوّدتهم بها من أجل الثورة على الحكومة بدعم منها، سعيًا منه لتبرير إرساله قوّة من الجيش تقمع المعارضة هناك[16].

اصطدمت القوات التي توجّهت إلى السويداء بمقاومة أوقعت في صفوفها إصابات، مما أثار الجيش ضدّ السكان، فوقعت "مذبحة ضدّ الأهالي استُعملت فيها الأسلحة الثقيلة، وارتُكبت بعض الأعمال الفظيعة ومن ثم احتل الجيش الجبل بأكمله وهرب الزعماء الدروز إلى الأردن"[17]. فبدأ العقيد أبو عساف اتصالاته للتحرّك ضدّ الشيشكلي، وكان يرى أنه "لا يمكن القيام بحركة خارج دمشق إلا من حلب نظرًا لمركزها العسكري والسياسي، ولوجود محطة للإذاعة فيها ليعلم المواطنون وضباط الجيش عن الحركة وينضموا إليها"، ورفض عرضًا من بغداد لإذاعة البيانات وتقديم المساعدة رفضًا قاطعًا، "بسبب ارتباطها بالنفوذ البريطاني"، وقناعته أن "المساعدات الخارجية غير واردة، ويجب على أبناء سوريا داخليًا أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم"[18].

فرض الشيشكلي أجواء بوليسية على البلاد أطبقت على الحريات - تلفزيون سوريا
فرض الشيشكلي أجواء بوليسية على البلاد أطبقت على الحريات - تلفزيون سوريا

الانقلاب على الشيشكلي وعودة الأتاسي

بعد إحكام السيطرة على المناطق الشرقية والشمالية والغربية، وضمان تأييد المنطقة الوسطى للحركة، بدأ التحرّك من حلب يوم 25 فبراير/ شباط 1954، ببيان أذاعه النقيب مصطفى حمدون، يطالب الشيشكلي بمغادرة البلاد تجنبًا لسفك الدماء وتقديمه للمحاكمة. انضمّ حمدون إلى الحركة قبل أيام من تنفيذها، وهو المنقول حديثًا إلى المنطقة الشمالية، لكنّ بعض المصادر تنسب له قيادة الانقلاب لمجرّد إذاعته البيان الأول، في حين أنّ العقيد أمين أبو عساف هو القائد الفعلي، ولم يضع اسمه وتوقيعه على بيان العصيان، وذيّله بتوقيع قادة المناطق العسكرية، للتأكيد أن القيادة جماعية، والحركة بعيدة عن الصبغة الطائفية[19]. غادر الشيشكلي البلاد بعد أن بعث إلى رئيس مجلس النواب استقالته، موضحًا أنه كان باستطاعته سحق الثائرين ولكن على حساب إحداث انشقاق في الجيش وإضعاف دفاع سوريا في وجه العدو المتربص على الحدود[20].

دعا الانقلابيون الرئيسَ الأتاسي للعودة وإتمام ولايته، واجتمع البرلمان القديم، وأعيد العمل بدستور 1950، وكأنّ مرحلة حكم الشيشكلي لم تكن. جرت الانتخابات النيابية بإشراف حكومة تكنوقراط لضمان حياد السلطة، وانتخب البرلمان الجديد شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية. كانت تلك المرّة الأولى والوحيدة في تاريخ سوريا، تنتقل السلطات بين رئيس الجمهورية المنتهية ولايته (هاشم الأتاسي)، ورئيس الجمهورية المنتخب (القوتلي)، بشكل دستوري أنيق ومنظّم[21].

أدّت الإنقلابات المتتالية إلى تسييس الجيش وانخراطه في الحكم، وكانت موازنته تزداد بعد كلّ انقلاب، ومعها ينمو حجمه. مع ذلك، لم يتمكّن العسكر من الانسجام كفريق واحد والاستفراد بالحكم والسيطرة على الحياة السياسية، بدليل سقوط الشيشكلي وعودة النظام الديمقراطي البرلماني. ومع استمرار الشدّ والجذب بين الضباط الطموحين والساسة المدنيين، احتاج الضبّاط إلى حلفاء من القوى السياسية، وكان حزب البعث أكثر من استغلّ ذلك، لاسيما بعد التخلّص من خصم عنيد هو الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي فقد مواقعه في الجيش، بعد حملة طاولته سنة 1955، لاتّهامه باغتيال العقيد عدنان المالكي نائب رئيس الأركان. وبتنسيق بين البعث وقيادة الجيش، اندفعت سوريا نحو الوحدة مع مصر، التي يحكمها جمال عبد الناصر وضباطه حكمًا عسكريًا عبر "مجلس قيادة الثورة".

شبه انقلاب يصنع الوحدة وانقلاب يسقطها

بدا للبعثين أن الوحدة مع مصر وسيلتهم لهزيمة المنافسين، ورأى العسكريون أنها ستخلصهم من السياسيين المدنيين وتضمن لهم الحكم، معتقدين أنّ عبد الناصر سيشجعهم على تأسيس مجلس للثورة على النسق المصري[22].

المصريون يسيطرون على قيادة الجيش السوري

في 12 يناير/ كانون الثاني 1958، زار وفد عسكري سوري برئاسة رئيس الأركان عفيف البزري القاهرة سرًا، والتقى عبد الناصر لبحث توحيد القيادة العسكرية. لكن الوفد دفع باتجاه وحدة سياسية، ليصبح توحيد الجيشين مقدمة لوحدة البلدين، بدون استشارة الحكومة السورية أو استئذانها، فأُسقِط في يدها وأوفدت صلاح البيطار، وزير الخارجية وأحد مؤسسي حزب البعث، لسؤال عبد الناصر رأيه، دون منح البيطار صلاحية التفاوض. فما كان منه سوى أن ضم صوته إلى العسكريين[23]، وكان مدير الاستخبارات عبد الحميد السرّاج، تقدّم بمذكرة للحكومة تشرح سبب رحلة الضباط المفاجئة وظروفها[24]. قبل عبد الناصر عرض الضباط والبعثيين، بشرط أن تكون الوحدة اندماجية، ويسري على سوريا ما يسري على مصر، مثل إلغاء الأحزاب وتقييد الصحافة وتحكّم الدولة بالاقتصاد. وأُعلِنت "الجمهورية العربية المتحدة" برئاسته، في 22 فبراير/ شباط 1958.

بتنسيق بين البعث وقيادة الجيش، اندفعت سوريا نحو الوحدة مع مصر، التي يحكمها جمال عبد الناصر وضباطه حكمًا عسكريًا عبر "مجلس قيادة الثورة"

رغم الدور الحاسم للضباط السوريين في تحقيق الوحدة عبر عمليتهم شبه الانقلابية، سيطر المصريون على قيادة الجيش السوري. ولم يكد يمضي شهر حتى شنّوا حملة تطهير ضدّ الضباط الشيوعيين، ثمّ الضباط اليساريين عمومًا، وصولاً إلى البعثيين. تزعزعت معنويات الضباط والجنود السوريين، وتدهورت القيم العسكرية المهنية نتيجة عمليات التطهير المتكررة. وأُلغي سلاح الجو السوري ليقتصر على الجيش المصري، ونُقلت الكلية العسكرية في حمص جزئيًا، وكلية سلاح الجو في حلب كاملة إلى مصر، ولم يُقبل فيهما إلا عدد رمزي من السوريين[25]. واعتمد المصريون على ضبّاط سوريين محافظين لا ينتمون إلى أحزاب سياسية، ظنًا منهم أن هؤلاء لن يشكّلوا خطرًا على النظام.

بدا للبعثين أن الوحدة مع مصر وسيلتهم لهزيمة المنافسين في سوريا - غيتي
بدا للبعثيين أن الوحدة مع مصر وسيلتهم لهزيمة المنافسين في سوريا - غيتي
بدا للبعثين أن الوحدة مع مصر وسيلتهم لهزيمة المنافسين في سوريا - غيتي

ضباط سوريون يتحركون لتحقيق الحكم الذاتي

لم يطل صبر الجيش السوري، خصوصًا بعد قرارات تأميم أضرّت بأصحاب النفوذ من الطبقات المحافظة، التي ينتمي لها عدد غير قليل من الضباط الذين لم تشملهم حملات التطهير. وفي 28 سبتمبر/ أيلول 1961، تحرك ضباط سوريون يقودهم معاون رئيس شؤون الضباط، المقدّم عبد الكريم النحلاوي (وهو دمشقي)، بدعم سعودي وأردني، للسيطرة على العاصمة وتحقيق الحكم الذاتي لسوريا ضمن الجمهورية العربية المتحدة. لم يرضخ عبد الناصر، واعتبر الأمر مجرد عصيان عسكري محلي، فأصدر أمرًا للجيش بقمع العصاة، لكنّ أحدًا لم يلبّ أمره، بل انضمّت وحدات عسكرية في حلب واللاذقية للحركة. وأعلنت مجموعة النحلاوي إنهاء الوحدة والعودة إلى اسم سوريا السابق "الجمهورية السورية"، ولإثبات ولاء الضباط الانفصاليين للعروبة عدّلوا الاسم ليصبح "الجمهورية العربية السورية"[26].

في نوفمبر/تشرين الثاني 1961، أجريت انتخابات لتشكيل برلمان جديد ينتخب رئيسًا للجمهورية، ويضع دستورًا للبلاد. ورغم أنها كانت في ظل قانون الطوارئ ما يجعل ادعاء الطغمة العسكرية احترامها للديمقراطية مهزلة، لكن تشوّق الناس لعودة الحياة الديمقراطية دفعهم للمشاركة بقوة رغم الدعوة المتكررة من أجهزة الإعلام المصري للسوريين إلى مقاطعة الانتخابات[27].

انقلاب جديد.. وتظاهرات شعبية منددة

اجتمع البرلمان الجديد، وانتُخب ناظم القدسي رئيسًا للجمهورية، وكُلّف معروف الدواليبي بتشكيل الحكومة، خلافًا لرغبة قادة الانقلاب. فتح النائبان خالد العظم وأكرم الحوراني معركة داخل البرلمان ضد قوانين الطوارئ والرقابة وضوابط الحريات المدنية، وخاصة حكم العسكر، وخلص البرلمان إلى لائحة مطالب، منها قيام حكومة وحدة وطنية تلغي حالة الطوارئ وتطلق الحريات السياسية والمدنية. لم يرق هذا التطور نحو الدمقرطة لطغمة النحلاوي التي رأت فيها إضعافًا للعسكر وإنهاءً لدورها في السياسة، فقامت بانقلاب جديد في 28 مارس/ آذار 1962، فاعتقلوا النواب والوزراء، وضغطوا على الرئيس القدسي لحل البرلمان، إلا أنه رفض فاعتقلوه أيضًا[28].

لم يستطع الانقلابيون منع التظاهرات الشعبية المطالبة بعودة الحكومة المدنية، وإطلاق سراح القدسي والسياسيين المعتقلين، ما شكّل تحدّيًا سافرًا للحكم العسكري، وأكّد أن الشعب مصمم على إنهاء حكم العسكر، وعلى وضع حد لتدخل الجيش في السياسة، فبدأت سلطة النحلاوي وجماعته تنهار[29]. واستعاد السوريون حرياتهم، وعادت الحياة الدستورية إلى طبيعتها، لكنّ تلك المرحلة لم تستمرّ سوى بضعة أشهر، وانتهت بانقلاب عسكري حمل حزب البعث إلى السلطة.

أعلنت مجموعة النحلاوي إنهاء الوحدة والعودة إلى اسم سوريا السابق - غيتي
أعلنت مجموعة النحلاوي إنهاء الوحدة والعودة إلى اسم سوريا السابق - غيتي

انقلاب البعث 1963

يُشار إلى تاريخ 8 مارس/ آذار 1963، كبداية لحكم حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، لكن لبعض قادته رأي آخر. "لم يقم الحزب بثورة 8 آذار، ولم يشترك رسميًّا لا في التخطيط والتهيئة ولا في التوقيت والتنفيذ، وإنما دُعي من قبل هؤلاء العسكريين المؤتلفين لتأليف حكومة جبهة قومية يرأسها صلاح البيطار، وللاشتراك في عضوية المجلس الوطني للثورة"[30]. والحزب "انتهى في سوريا عام 1958، كتنظيم بقواعده وقيادته، رسميًّا بإعلان من قادته، استجابة للشروط التي وضعها عبد الناصر للوحدة. وعمليًّا بذلك التبعثر والتشتت الذي أصاب قواعده وأفراده، والموجود منه فقط من اعتادوا ادّعاء ملكيته، عفلق والبيطار، ومن يهمّه الاحتماء وراء واجهته وتاريخه من العسكريين، ومن الانتهازيين المدنيين، فتحوّل (الحزب) العتيد إلى مجرّد أداة متنوعة لاستعمال أهداف متناقضة"[31].

واقع الحال أنّ "اللجنة العسكريّة"، التي بدأت خليةً سريةً شكّلها ضباط بعثيون في القاهرة عام 1960، وضمّت محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الأسد، عبد الكريم الجندي، وأحمد المير (توسّعت لاحقًا ودخلها ضباط آخرون)، ولم تكن جزءًا عضويًّا من هيكلية الحزب، فهي من قادت الانقلاب، بالتعاون مع ضباط ناصريين، وآخرين لا ينتمون إلى أحزاب سياسيّة، مثل زياد الحريري قائد جبهة الجولان، وضباط بعثيين آخرين من خارج اللجنة[32].

نجح حزب البعث وضباطه في تثبيت سلطتهم، وبدأت قصة أخرى عنوانها التنافس بين البعثيين أنفسهم، في صراع اختلطت فيه العوامل الأيديولوجية والطائفية والمناطقية

أسس الانقلابيون مجلسًا لقيادة الثورة من عشرين عسكريًّا (12 بعثيًا و8 ناصريين) ومدنيَين اثنين، يتمتع بكافة السلطات التنفيذية والتشريعية. واختير العقيد لؤي الأتاسي رئيسًا للمجلس وقائدًا للجيش بعد ترقيته إلى رتبة فريق، ومنح قادة الانقلاب أنفسهم مناصب رفيعة: أصبح الحريري رئيسًا للأركان برتبة فريق، والناصريان محمد الصوفي وزيرًا للدفاع وراشد القطيني نائبًا لرئيس الأركان. أما "اللجنة العسكرية" فاحتفظت بمناصب هامة: محمد عمران قائدًا للواء الخامس في حمص ثمّ اللواء 70 المدرّع، وصلاح جديد مسؤولاً عن شؤون الضباط، وحافظ الأسد قائدًا لقاعدة الضمير الجويّة بعد ترقيته[33]. ومع كل مناصبهم، لم يشعر أعضاء "اللجنة العسكرية" بالأمان والثقة بمقدرتهم على حكم البلاد، لكونهم ضبّاطًا صغارًا من الأقليات ويفتقرون لأي قاعدة شعبية، فاحتاجوا واجهة سنّية إضافة إلى لؤي الأتاسي، ووجدوا ضالّتهم في أمين الحافظ الذي لم يكن بعثيًّا ولكنه مقرّب منهم، وسمّوه وزيرًا للداخليّة[34].

استقرّت سلطة الانقلاب خلال أشهر، وبدأت اللجنة العسكرية البعثية تقصي الشركاء تباعًا، فتخلّصت من زياد الحريري في يونيو/ حزيران 1963، أثناء زيارته إلى الجزائر بصفته رئيسًا للأركان، حيث صدرت قرارت تسريح أو نقل 25 ضابطًا محسوبين عليه، وأُعطي تعليمات بالتوجّه إلى واشنطن ملحقًا عسكريًا في السفارة السوريّة، ففضّل الابتعاد، ولجأ للإقامة في باريس. وإثر ذلك تنحّى لؤي الأتاسي عن مناصبه (رئيس مجلس قيادة الثورة وقائد الجيش)، فقامت اللجنة العسكرية بترقية أمين الحافظ ليحلّ محلّه[35]. وانتهى أمر الناصريين بعد محاولة انقلاب فاشلة بقيادة جاسم علوان، ودعم المخابرات المصرية، في 18 يوليو/ تموز 1963، إذ "حاولوا الاستيلاء على الإذاعة ومركز قيادة الجيش. فكانت لهم السلطة بالمرصاد يتقدمها أمين الحافظ وهو يحمل سلاحًا رشاشًا ومعه وحدات عسكرية بعثية ودبابات وقوات من (الحرس القومي)، الميليشيا البعثية التي أنشئت قبل أسابيع ويقودها حمد عبيد العضو في اللجنة العسكرية"[36].

على هذا النحو، نجح حزب البعث وضباطه في تثبيت سلطتهم، وبدأت قصة أخرى عنوانها التنافس بين البعثيين أنفسهم، في صراع اختلطت فيه العوامل الأيديولوجية والطائفية والمناطقية، وخرج منه حافظ الأسد منتصرًا، ليؤسّس نظامً استبداديًا عانى منه السوريون لأكثر من نصف قرن.

المراجع


[1] أسسه أنطون سعادة سنة 1932
[2] حزب البعث العربي، أسسه ميشيل عفلق وصلاح البيطار عام 1947، والحزب العربي الاشتراكي، أسسه أكرم الحوراني عام 1950، واندمج الحزبان عام 1952.
[3] عبد الله فكري الخاني، سوريا بين الديمقراطية والحكم الفردي، ط1 (دمشق: دار النفائس، 2004)، ص89. انظر أيضاً: هاشم عثمان، الأحزاب السياسية في سورية، ط1 (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2001). ص345.
[4] الزعيم رتبة عسكرية نغيّرت تسميتها إلى عميد.
[5] للمزيد عن الدور الأميركي في انقلاب الزعيم: مايلز كوبلاند، لعبة الأمم، تعريب: مروان خير، ط1 (بيروت، انترناشنال سنتر، 1970). ص 73
[6] الخاني، سوريا بين الديمقراطية والحكم الفردي. ص87
[7] كمال ديب، تاريخ سورية المعاصر، ط2 (بيروت: دار النهار، 2012). ص123
[8] باتريك سيل، الصراع على سورية، ترجمة سمير عبده ومحمود فلاحة، ط1 (دمشق: طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1986). ص110
[9] أمين أبو عساف، ذكرياتي، ط1 (دمشق: د.ن.، 1996). ص281
[10] أبو عساف، ذكرياتي، ص283
[11] الخاني، سوريا بين الديمقراطية والحكم الفردي، ص93
[12] ديب، تاريخ سورية المعاصر، ص 130،131
[13] سيل، الصراع على سوريا، ص121
[14] سيل، الصراع على سوريا، ص161
[15] سيل، الصراع على سورية. ص178
[16] أبو عساف، ذكرياتي، ص394
[17] سيل، الصراع على سورية. ص182
[18] أبو عساف، ذكرياتي، ص401
[19] أبو عساف، ذكرياتي، ص410
[20] سيل، الصراع على سورية، ص 192
[21] الخاني، سوريا بين الديمقراطية والحكم الفردي، ص 140
[22] سيل، الصراع على سوريا، ص414، 416
[23] ديب، تاريخ سوريا المعاصر. ص172، 173
[24] سيل، الصراع على سوريا، ص417
[25] ديب، تاريخ سوريا المعاصر. ص193
[26] المصدر نفسه، ص207
[27] ديب، تاريخ سورية المعاصر، ص212
[28] المصدر نفسه، ص216
[29] المصدر نفسه.
[30] منيف الرزاز، التجربة المرة، مؤسسة منيف الرزاز للدراسات القومية، الطبعة الأولى، 1986، ص 91، وقد شغل الرزّاز بين عامي 1965 و 1966 منصب الأمين العام للقيادة القومية، أعلى سلطة في التنظيم الحزبي
[31] مُطاع صفدي، حزب البعث مأساة المولد مأساة النهاية، ط1 (بيروت: دار الآداب، 1964)، ص 312، 213
[32] ديب، تاريخ سورية المعاصر، ص 235
[33] المصدر نفسه، ص 239
[34] المصدر نفسه، ص 241
[35] المصدر نفسه، ص247
[36] المصدر نفسه، ص246
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة
المزيد من