يعد الدستور الوثيقة الأهم في الدولة، فهو يحدد شكل نظام الحكم، وينظم العلاقة بين السلطات، ويضمن حقوق المواطنين وحرياتهم. لكن في سوريا، شابَ الاضطراب الحياةَ الدستورية، إذ شهدت البلاد أكثر من عشرة دساتير بين دائمة ومؤقتة، عدا عن مشاريع دساتير لم ترَ النور.
ولعلّ هذا العدد الكبير من الدساتير، مقارنة بعمر الدولة السورية، مؤشّر على غنى الحياة السياسية وتنوع التجارب الدستورية، لكنه يعكس في الوقت نفسه، ضعف الاستقرار السياسي في البلاد، وتأثّر الدستور بالتقلبات والصراعات السياسية.
يكثف هذا المقال سيرة الدساتير السورية، منذ دستور عام 1920، مرورًا بالدساتير التي أُقرت في خلال الانتداب وسنوات الاستقلال الأولى والانقلابات العسكرية، ثم مرحلة حكم البعث ونظام الأسد.
المملكة السورية والانتداب
كانت سوريا الحالية جزءًا من الدولة العثمانية، حتى دخلتها جيوش الحلفاء ومعها القوات العربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، في خريف عام 1918، قبل نحو شهرين من نهاية الحرب العالمية الأولى.
أعلن الأمير فيصل عزمه على إقامة حكومة دستورية مستقلة تشمل جميع الأراضي السورية وتحترم حقوق الأقليات، وتلتزم بمبادئ العدالة والمساواة، وتعامل جميع العرب على قدم المساواة، بغضّ النظر عن دينهم أو منبتهم الطائفي، ولا تميّز في القانون بين المسلمين والمسيحيين واليهود[1].
وفي يونيو/ حزيران 1919، دُعي أعضاء المجلس العمومي في ولايتي دمشق وحلب المنتخبين على مقتضى القانون العثماني ليكونوا أعضاء في "المؤتمر السوري". وكان في مقدّمة أعماله "وضع القانون الأساسي، وتهيئة مشروعات القوانين اللازمة مع الإشراف عن كثب على أعمال الحكومة، بغية إبراز كفاءة الشعب السوري للحرية على مقتضى الحياة الدستورية"[2].
أعلن المؤتمر استقلال سوريا وتنصيب فيصل ملكًا عليها في مارس/آذار 1920. وعيّن لجنة دستورية برئاسة هاشم الأتاسي، صاغت دستورًا وضع الأسس لنظام ملكي دستوري نيابي. لكن دستور 1920 لم يطبّق، بسبب دخول الجيش الفرنسي دمشق إثر معركة ميسلون، قبل أن ينتهي المؤتمر، الذي اعتمد الدستور في قراءته الأولى، من اعتماد جميع مواده في القراءة الثانية[3].
احتلّ الفرنسيون سوريا عملاً باتفاقية سايكس-بيكو (1916)، المعدّلة بمقررات مؤتمر سان ريمو (1920). وواجهوا مقاومة أخذت شكلاً مسلّحًا حينًا، وسياسيًّا أغلب الأحيان. تجلت المقاومة المسلّحة بصورة أساسيّة في مرحلتين، الأولى بين 1919 و 1921، في مناطق الساحل السوري ذات الأغلبية العلوية، بقيادة الشيخ صالح العلي، حيث تمكن العلويون من صد الجيش الفرنسي ومنعه من احتلال جبالهم مدة عامين[4]. والمرحلة الثانية والأهم، دشّنتها الثورة السورية الكبرى بقيادة الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش، وامتدت لتشمل المدن الرئيسية وجنوب البلاد من 1925 إلى 1927[5].
كان من نتائج الثورة تنامي دور الأحزاب الوطنية، وتطوير مؤسسات سياسية محلّية، وانتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورًا للبلاد. وأجريت انتخابات الجمعية التأسيسية في ربيع عام 1928، فوضعت مسودة دستور جعل من سوريا دولة ذات نظام جمهوري برلماني. كان صوغ الدستور مهمة أسهل كثيرًا من إقناع فرنسا بقبوله، فالجمعية التأسيسية أكملت عملها في غضون بضعة أسابيع، لكن المندوب السامي الفرنسي استغرق نحو عامين لتعديله وإصداره[6].
لذلك، يُسمّى "دستور 1930"، نسبة لسنة صدوره، رغم وضعه وإقراره في الجمعية التأسيسية عام 1928. وقد عطّلته فرنسا مرارًا، منذ بدء تطبيقه عام 1930، واستمر العمل به بعد الاستقلال (1946) وحتى حدوث الانقلاب العسكري الأول في سوريا.
سنوات الاستقلال الأولى والانقلابات العسكرية
بعد سنتين على إنهاء الانتداب الفرنسي وإعلان الاستقلال، كانت الجمهورية السورية وجيشها قليل التدريب والتسليح والخبرة، على موعد مع حرب فلسطين ونكبة عام 1948، والتي كان من أهم تداعياتها فتح الباب أمام تدخّل الجيش في الحياة السياسية. فوقعت سلسلة انقلابات عسكريّة، بدأت في 29 مارس/آذار 1949، بانقلاب رئيس أركان الجيش حسني الزعيم، الذي عزل رئيس الجمهورية شكري القوتلي ونفاه، وحلّ البرلمان، ومنح نفسه رتبة مشير، وبدأ حكمًا عسكريًّا عطّل التجربة الديمقراطية الفتية في البلاد. أوقف الزعيم العمل بالدستور، ونصّب نفسه حاكمًا مطلقًا يدير البلاد عن طريق المراسيم، وشكّل لجنة وضعت مشروع دستور جديد، لكن العمل عليه لم يكتمل، بسبب انقلاب أطاح به في 14 أغسطس/آب 1949.
قاد اللواء سامي الحناوي الانقلاب مدعومًا من العقيد أديب الشيشكلي، ولم يكن لدى الحناوي الحنكة التي تساعده على البقاء في قمة السلطة، ولم يمارس أي مسؤولية سياسية، ودعا الرئيس هاشم الأتاسي لتشكيل حكومة جديدة، فعادت الحياة النيابية واستمرت موجة التفاؤل بإعلان انتخابات نيابية جديدة وإزالة العراقيل أمام المشاركة الكاملة للمرأة، وخُفّض سن الاقتراع إلى 18 سنة[7]. هكذا، "مهّد انقلابان متعاقبان في غضون أربعة أشهر الطريق إلى الجمهورية الثانية. أنهى الإنقلاب الأول الجمهورية الأولى، وفتح الثاني الباب للجمهورية الثانية"[8]. اعتُمد دستور مؤقّت لحين وضع دستور جديد، وأنجزت اللجنة المكلّفة عملها في أبريل/نيسان 1950، وجرى إقراره في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام.
نتيجة تقارب العهد الجديد مع العراق الملكي، ومناقشة فكرة الاتحاد السوري - العراقي، نفذ العقيد الشيشكلي الانقلاب الثالث في 19 ديسمبر/ كانون الأول 1949، وأبقى الأتاسي رئيسًا للدولة، مكتفيًا باعتقال الحناوي وتغيير قيادة الجيش، ليصبح الشيشكلي الحاكم الفعلي غير المعلن. ولم يكد يمضي عام على إقرار الدستور الجديد حتى عطّله الشيشكلي بانقلاب آخر، هو الرابع في تاريخ سوريا والثاني الذي يقوده، في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1951. فاستقال الرئيس هاشم الأتاسي، وأذيع بلاغ عسكري بتولي فوزي سلو وزير الدفاع مهام رئيس الدولة مع جميع الصلاحيات التنفيذية، وصدرت مراسيم بحل البرلمان والأحزاب السياسيّة.
بقي الشيشكلي صاحب النفوذ الحقيقي، إلى أن رغب في منح نظامه شرعية دستورية، فعرض مشروع دستور جديد للاستفتاء الشعبي في 10 يوليو/ تموز 1953 تحت إشرافه، وفي اليوم نفسه "انتُخب" رئيسًا للجمهورية بتصويت مباشر من الشعب بدلاً من فوزي سلو[9]، وكانت المرة الأولى التي لا ينتخب البرلمانُ رئيسَ الجمهورية، وإنما باستفتاء مباشر للشعب. سعى دستور 1953 إلى نظام رئاسي بدلاً من الأنظمة البرلمانية للدساتير السابقة (1920 و1928 و1950)، مؤسّسًا "جمهورية عسكرية" ألهمت الضباط الذين قادوا انقلابات في البلدان العربية المجاورة مثل جمال عبد الناصر في مصر وعبد الكريم قاسم في العراق[10].
استمر دستور 1953 حتى الإطاحة بأديب الشيشكلي، في فبراير/شباط 1954، حيث استؤنفت الحياة البرلمانية، وأعيد العمل بدستور 1950، إلى أن أعلنت الوحدة السورية المصرية عام 1958.
كان دستور "الجمهورية العربية المتحدة" المؤقت مصمّمًا للحكم الفردي المطلق للرئيس جمال عبد الناصر، ولم يستمر العمل به سوى ثلاث سنوات، إذ انتهت الوحدة بعد انقلاب 28 سبتمبر/ أيلول 1961 بقيادة عبد الكريم النحلاوي. وضع الانقلابيون دستورًا مؤقتًا من ثماني مواد، أولها غيّرت اسم البلد من الجمهورية السورية إلى "الجمهورية العربية السورية". وبحسب المادة الثامنة: "يمارس رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء والوزراء السلطة التنفيذية وفق أحكام دستور 1950"[11].
تأسيس الحكم البعثي
لم تصمد سلطة النحلاوي ورفاقه أمام الضغط الشعبي والسياسي، لكن عودة الحياة البرلمانية لم تدم سوى لأشهر، وانتهت في 8 مارس/ آذار 1963، بانقلاب حمل "حزب البعث العربي الاشتراكي" إلى السلطة، وطوى "صفحة في تاريخ سوريا الليبرالية والتعددية والبرلمانية، واستهلّ حقبة من أنظمة الحكم السلطوية والرئاسية والفردية"[12]. فشعار "كل السلطة للبعث" الذي تبنّاه قادة سوريا الجدد لم يقصدوا به التطبيق الكامل لسياسية البعث فحسب بل، وقبل أي شيء، أن تكون السلطة بيد البعثيين وحدهم[13].
وضع "المجلس الوطني لقيادة الثورة" دستورًا مؤقّتًا عام 1964، يكرس الأيديولوجيا البعثية، وتقول مادّته الأولى "1- القطر العربي السوري جمهورية ديمقراطية شعبية اشتراكية ذات سيادة وهو جزء من الوطن العربي؛ 2- الشعب العربي في سوريا جزء من الأمة العربية يؤمن بالوحدة ويناضل في سبيل تحقيقها"، وانتهى العمل به نتيجة انقلاب 23 فبراير/ شباط 1966 الناجم عن خلافات البعثيين أنفسهم.
وأصدرت السلطة الجديدة قراراتها باسم "القيادة القطرية المؤقتة"، فعطّل قرارها الأول الدستور وحل المجلس الوطني للثورة ومجلس الرئاسة. أما قرارها الثاني فتضمّن تعيين نور الدين الأتاسي رئيسًا للدولة، وتحديد كيفية ممارسة السلطة انتقاليًا، فكان للقرار طابع شبه دستوري، بموجبه يعيّن رئيس الدولة رئيسَ الوزراء والوزراء، بقرار تتخّذه القيادة القطرية، مما جعلها السلطة العليا في البلاد، وبقي الترتيب الدستوري ساريًا حتى اعتماد دستور مؤقّت عام 1969[14].
صدر الدستور المؤقّت في 1 مايو/ أيار 1969، وعُرف بـ"دستور البعث"، فقد أعدّته واعتمدته في غضون شهر واحد القيادة القطرية لحزب البعث. عزت مقدّمة دستور 1969 اعتماده إلى حزب البعث وقرار مؤتمره القطري الرابع الاستثنائي في مارس/ آذار 1969. وأضفت المادة 7 الطابع الرسمي على حكم البعث لأول مرة، فنصّت على أنّ "الحزب القائد في الدولة والمجتمع هو حزب البعث العربي الاشتراكي"، وحدّدت المادة 10 مهمتين للقوات المسلحة، هما سلامة أرض الوطن ضد أي هجوم خارجي، و"حماية أهداف الثورة الوحدوية الاشتراكية"، أي حماية حكم حزب البعث من أعدائه داخل الحدود، وهي سابقة لم تحصل رغم الانقلابات الكثيرة التي شهدتها سوريا، وبالتالي تبنّى دستور 1969 مبدأ الجيش العقائدي الموالي للبعث وأضفى عليه الطابع الدستوري[15].
دستور الأسد وتوريث الجمهورية
كان صلاح جديد هو رجل النظام القوي، ثم بدأ حافظ الأسد ينافسه إلى أن أصبح صاحب اليد العليا في البلاد في خريف 1970، فيما احتفظ صلاح جديد بمراكز قوى عديدة خصوصًا داخل الحزب. استدعى صراع الأجنحة داخل الحزب دعوة مؤتمر للحزب للانعقاد في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، وانفضّ المؤتمر يوم 12 منه دون التوصّل إلى اتّفاق، فأمر الأسد وحدات من الجيش باحتلال مكاتب الحزب والمنظمات الشعبية واعتقال عدد من الضباط وكبار السياسيين[16].
صدر البيان الرسمي للانقلاب مساء 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970 عن "القيادة القطرية المؤقتة" التي شكّلها الأسد. عيّنت القيادة القطرية حافظ الأسد في منصب الأمين القطري للحزب، واختارت رئيسًا مؤقتًا للدولة من بين أعضائها، هو أحمد الخطيب نقيب المعلمين السابق، وشكّل الأسد الوزارة محتفظًا لنفسه بوزارة الدفاع ورئاسة مجلس الوزراء، واعتمدت القيادة القطرية دستورًا مؤقتًا جديدًا هو نسخة معدّلة من دستور 1969.
شمل التعديل استحداث منصب رئيس الجمهورية بدلاً من رئيس الدولة، ولم يعد الرئيس ينتخب من قبل مجلس الشعب بل عن طريق استفتاء شعبي بعد أن تقترح القيادة القطرية اسم مرشح ويوافق عليه مجلس الشعب، وأصبح مجلس الوزراء مسؤولاً أمام رئيس الجمهورية الذي تعززت صلاحياته في الأحكام المتعلقة باختصاص التشريع. ولم يسبق لأي دستور سوري منح هذا القدر من السلطة لرئيس الجمهورية. ففي حين استندت الدساتير البعثية السابقة إلى قيادة جماعية ومنحت دورًا أكبر للحزب، أعطى دستور 1971 أولوية للرئيس على حساب الحزب ومجلس الشعب.
عيّنت القيادة القطرية مجلس الشعب الجديد، الذي وافق على مقترحها بترشيح حافظ الأسد لرئاسة الجمهورية، وفي مارس/ آذار 1971، انتُخب رئيسًا للجمهورية. وصاغ مجلس الشعب المعيّن دستورَ عام 1973، بتعديل دستور 1971 المؤقّت، وبعد إقراره في المجلس عُرض للاستفتاء الشعبي في 12 مارس/ آذار 1973، وصدرت نتائج الاستفتاء بالموافقة، ليصبح حافظ الأسد حاكمًا بصلاحيات دستورية مطلقة حتى إعلان وفاته في 10 يونيو/ حزيران 2000.
بعد وفاة حافظ الأسد، عُدّلت المادة 83 من الدستور خلال دقائق، لخفض سنّ المرشّح لرئاسة الجمهورية من 40 إلى 34 عامًا، مما أتاح توريث السلطة لبشار حافظ الأسد.
في مارس/ آذار 2011، انطلقت الثورة السورية ضد بشار الأسد، بتظاهرات شعبية ودعوات للإضراب والاعتصام في الساحات العامّة، فقابلها النظام بالقمع المفرط وقتلِ واعتقالِ المتظاهرين السلميين، مع وعود بإجراء "إصلاحات شاملة"، على رأسها دستور جديد، ظنًا منه أن هذا يساعد في إنهاء الحالة الثورية المتصاعدة. شكّل الأسد لجنة لهذا الغرض في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، أنهت عملها في فبراير/ شباط 2012، ليُقرّ الدستور الجديد عبر استفتاء شكلي. لم تفعل اللجنة سوى إدخال بعض التعديلات على دستور حافظ الأسد.
رغم إلغاء المادة الثامنة الخاصة بقيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، بقي دستور 2012 محافظًا على عيوب سابقه: صلاحيات مطلقة للرئيس، وعدم الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) التي تجتمع بيد الرئيس، فهو يملك سلطة التشريع، ويمكنه حلّ "مجلس الشعب" بمرسوم يصدر عنه، ويرأس السلطة التنفيذية، ويعيّن أعضاء المحكمة الدستورية، فضلاً عن رئاسته مجلس القضاء الأعلى. وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلغاء دستور 2012، وأصدر إعلانًا دستوريًا مؤقتًا، يمنحه صلاحيات شبه مطلقة، طيلة المرحلة الانتقالية التي جرى تحديدها بخمس سنوات.
في الخلاصة..
عكست الدساتير السورية التحولات السياسية العميقة التي مرت بها البلاد، ولم تكن مجرد نصوص قانونية، بقدر ما كانت بمثابة مرآة للصراعات والتحولات التي عاشتها سوريا، منذ نشوئها دولةً حديثةً قبل نحو مئة عام وحتى اليوم. فهل تتحقق آمال الشعب السوري في نهاية المرحلة الانتقالية، ويحظى بدستور يليق بتضحياته، ويعبّر عن قيم ثورة الحرية والكرامة، ويؤسس سوريا الجديدة لجميع مواطناتها ومواطنيها من دون تمييز؟