Skip to main content

قلق من تهجير دائم.. تدمير الاحتلال مباني غزة يثير مخاوف سكانها

السبت 20 سبتمبر 2025
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه دمّر ما يصل إلى 20 برجًا سكنيًا في مدينة غزة- الأناضول

يعيش الفلسطيني شادي سلامة الريس هو وأسرته في فقر مدقع بعد فرارهم من ضربة إسرائيلية هدمت منزله في مدينة غزة في غمضة عين ليتحول إلى كومة أنقاض وسط سحابة من الدخان والغبار. 

فعلى مدى عقد من الزمن، ظلّ الريس الموظف بأحد البنوك يسدد قرضًا عقاريًا بقيمة 93 ألف دولار لشقته في مبنى حديث شاهق الارتفاع بأحد الأحياء الراقية في مدينة غزة.

ويمثل الهجوم الذي وقع في الخامس من سبتمبر/ أيلول على برج مشتهى المكون من 16 طابقًا بداية حملة هدم مكثفة نفذها الجيش الإسرائيلي مستهدفًا المباني الشاهقة قبل الهجوم البري على قلب المدينة المكتظة بالسكان، والذي بدأ الأسبوع الماضي.

وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه هدم ما يصل إلى 20 برجًا سكنيًا في مدينة غزة وزعم أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تستخدمها. 

وتسبّبت هذه الحملة في تشريد المئات. وفي الإطار الزمني نفسه، سوّت القوات الإسرائيلية مناطق بالأرض في أحياء الزيتون والتفاح والشجاعية والشيخ رضوان وغيرها. وتظهر صور الأقمار الصناعية التي راجعتها وكالة "رويترز" الدمار الذي لحق بعشرات المباني في الشيخ رضوان منذ أغسطس/ آب.

سياسة تهجير

ويخشى الريس أن يكون التدمير هدفه تهجير سكان مدينة غزة بشكل دائم، وهو رأي تتفق معه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. وقال المتحدث باسم المفوضية ثمين الخيطان في بيان: إن مثل هذه الحملة المتعمدة لنقل السكان تعد تطهيرًا عرقيًا.

وقال الريس يوم الأربعاء الماضي: "بعمري ما تخيلت إني أترك مدينة غزة لكن الانفجارات ما بتتوقف... ما بقدر أخاطر بأطفالي ولذلك أنا بجهز أغراضي وراح أطلع على الجنوب". 

وتعهد بالبقاء في القطاع قائلًا: "لو خيروني بأي بلد في العالم ما راح أختار إلّا غزة". وتوعد وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش في مايو/ أيار الماضي بأن معظم قطاع غزة سوف "يدمر بالكامل" قريبًا وسيتكدس سكانه في شريط ضيق من الأرض بالقرب من الحدود مع مصر.

وأنذرت إسرائيل جميع السكان في مدينة غزة مطالبة إياهم بالإخلاء في أثناء الهجوم. وفي الأسبوع الماضي، أغلقت معبرًا إلى شمال غزة وهو ما حد من الإمدادات الغذائية الضئيلة للمنطقة.

ونقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين أمنيين إسرائيليين إن أهداف الجيش والسياسيين في إسرائيل ليست متوافقة دائمًا، وأشار أحدهما إلى أن أفكارًا مثل إخلاء مناطق في غزة من الفلسطينيين لإعادة إعمارها مستقبلًا تتعارض مع الأهداف العسكرية.

ويُمثل هذا الهجوم أحدث مرحلة في حرب إسرائيل على غزة، التي قتلت أكثر من 65 ألف فلسطيني وتسببت في مجاعة وشردت معظم السكان وأجبرتهم على النزوح عدة مرات في كثير من الحالات. 

إبادة جماعية

وفي الأسبوع الماضي، خلص تحقيق للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. ووصفت إسرائيل هذا الاستنتاج بأنه منحاز و"مشين". ويقول خبراء الأمم المتحدة إن تدمير المساكن والبنية التحتية المدنية يعد جريمة حرب.

وقبل الحرب، اشتهر برج مشتهى بين طبقة المؤهلات المهنية والطلاب في مدينة غزة بإطلالته على البحر وموقعه الملائم القريب من حديقة عامة وجامعتين. وقال الريس إن البرج كان يؤوي في الأصل نحو 50 عائلة، لكن هذا العدد ارتفع لثلاثة أمثال خلال الأشهر القليلة الماضية بعد أن استقبل سكانه أقاربهم النازحين من أجزاء أخرى من غزة.

دمّر الاحتلال ما يقرب من 80% من المباني في غزة، وفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية- الأناضول

وانتشرت عشرات الخيام التي تؤوي المزيد من العائلات النازحة حول قاعدة البرج. ولحقت أضرار بالطوابق العليا من المبنى جراء غارات سابقة.

وقال الريس إنه في صباح الخامس من سبتمبر/ أيلول، تلقى أحد الجيران اتصالًا من ضابط في جيش الاحتلال الإسرائيلي يطلب منه نشر الأمر بإخلاء المبنى في غضون دقائق وإلا فإنهم "راح ينزلوا البرج فوق روسنا". 

وأضاف الريس، الذي كان يأمل في سداد قرضه العقاري بحلول هذا العام: "مشاعر رعب، وخوف وضياع ويأس وحيرة وألم سيطرت علينا كلنا، أنا شفت ناس بتجري حافية القدمين وناس نسيت جوالاتها (تليفوناتها المحمولة)، ووثائقها، أنا ما أخدت لا جوازات سفر ولا بطاقات الهوية". 

وأضاف أنهم لم يحملوا معهم شيئًا وأن زوجته وطفليه آدم (تسع سنوات) وشهد (11 سنة) نزلوا الدرج وهربوا.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تصريح لوكالة "رويترز": "إن الجيش الإسرائيلي لم يقدم أيضًا أدلة تثبت أن الأبنية الأخرى التي وصفها بأنها بنية تحتية إرهابية كانت أهدافًا عسكرية مشروعة".

وبعد أسبوعين قضاها مع عائلته في حي الصبرة، غادر الريس، مثل مئات الآلاف من سكان المدينة الذين رحلوا منذ أغسطس/ آب، ونصب خيمة في دير البلح وسط قطاع غزة يوم الخميس.

الجيش الإسرائيلي يهدم منازل بضواحي مدينة غزة

كما نقلت "رويترز" عن سكان إن الجيش دمّر ما يصل إلى 12 منزلًا يوميًا في أحياء الزيتون والتفاح والشجاعية خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وقدر أمجد الشوا رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة أن أكثر من 65% من المباني والمنازل في مدينة غزة دمرت أو تضررت بشدة خلال الحرب. وتظهر صور الأقمار الصناعية لعدة أحياء أضرارًا جسيمة لحقت بضواحي المدينة في الأسابيع القليلة الماضية.

ووثقت منظمة بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة (إيه.سي.إل.إي.دي)، وهي منظمة غير ربحية تجمع بيانات عن الصراعات حول العالم، أكثر من 170 واقعة هدم نفذها الجيش الإسرائيلي في مدينة غزة منذ أوائل أغسطس/ آب، معظمها من خلال تفجيرات محكومة في المناطق الشرقية، بالإضافة إلى حيي الزيتون والصبرة.

ونقلت "رويترز" عن أمينة مهفار كبيرة محللي شؤون الشرق الأوسط في "إيه.سي.إل.إي.دي": "إنّه يبدو أن وتيرة ومدى عمليات الهدم أوسع نطاقًا مما كانت عليه في الفترات السابقة". وأضافت أنه في المقابل، تم تسجيل أقل من 160 عملية هدم من هذا القبيل في مدينة غزة خلال 15 شهرًا الأولى من الحرب.

هدم البيوت باستخدام مسيرات متفجرة

وأفاد سكان تحدثوا إلى "رويترز" أيضًا بأن القوات الإسرائيلية فجّرت مركبات مسيرة عن بعد محملة بالمتفجرات في حيي الشيخ رضوان وتل الهوى، مما أدّى إلى تدمير العديد من المنازل خلال الأسبوعين الماضيين.

وذكرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أنّها وثقت عمليات هدم محكومة لبنية تحتية سكنية، وقالت إن بعض الأحياء دمرت بالكامل.

ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، فإنه حتى قبل الهجوم الحالي على مدينة غزة، تضرّر أو دمّر ما يقرب من 80% من المباني في غزة، أي نحو 247195 مبنى، منذ بدء الحرب. وشمل ذلك 213 مستشفى و1029 مدرسة. وجرى جمع البيانات في يوليو تموز.

وقالت بشرى الخالدي مسؤولة السياسات المتعلقة بغزة في منظمة أوكسفام، إن الأبراج السكنية هي أحد آخر أشكال الملاذات المتاحة، وحذرت من أن إجبار الناس على النزوح سيؤدي إلى تفاقم الاكتظاظ السكاني في الجنوب "بشكل مطرد". 

المصادر:
رويترز
شارك القصة