أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب حين التقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي عام 2018، قلق الحلفاء بعد اجتماعهما الودي.
لكن ترمب يتوجه إلى ألاسكا الجمعة لحضور اجتماع مع بوتين في أجواء مختلفة، فلقد نفد صبره من إحجام روسيا عن التفاوض لإنهاء حربها في أوكرانيا بالإضافة إلى الشعور بالغضب من الضربات الصاروخية التي تتعرض لها المدن الأوكرانية.
ويترقب العالم ليرى ما إذا كان هذا الوجه الأكثر صرامة لترمب هو الذي سيظهر في لقاء أنكوريج بولاية ألاسكا.
قد تكون للإجابة تداعيات عميقة على الزعماء الأوروبيين القلقين من أنه إذا سُمح لروسيا بالاستيلاء على أجزاء من أوكرانيا، فسوف تكون أكثر عدوانية تجاه الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي القريبة من روسيا مثل بولندا وإستونيا وليتوانيا ولاتفيا.
لكن الإجابة على قدر أكبر من الأهمية لأوكرانيا، التي تخسر أرضًا أمام القوات الروسية بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من القتال الطاحن.
ترقب لنتائج قمة ألاسكا
ويتطلع المتابعون للشؤون الروسية لمعرفة ما إذا كان ترمب سينجذب مجددًا إلى بوتين ويتأثر بحجته القائلة بحق روسيا في الهيمنة على أوكرانيا.
وقال دان فريد، الدبلوماسي الذي عمل مع العديد من الرؤساء الأميركيين ويعمل حاليًا في المجلس الأطلسي: "من الدواعي المنطقية للقلق التفكير في أن بوتين سيخدع ترمب ويحمله على عقد صفقة مريعة على حساب أوكرانيا". وأضاف فريد أن من الممكن أيضًا التوصل إلى نتيجة مختلفة.
وتابع: "هناك احتمال معقول بأن تُدرك الإدارة حقيقة أن بوتين لا يزال يتلاعب بها".
وسعت إدارة ترمب إلى تهدئة التوقعات، حيث قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت للصحافيين يوم الثلاثاء إن الاجتماع سيكون "تدريبًا على الاستماع".
والأربعاء، قال ترمب للصحافيين إنه قد يتوسط لعقد اجتماع ثان يضم بوتين ورئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي إذا سارت جلسة ألاسكا على ما يرام.
ولم تُبدِ روسيا أي إشارة إلى استعدادها لتقديم تنازلات وسط مخاوف أوكرانية من أن يُبرم ترمب صفقة دون موافقتهم. وقال زيلينسكي إنه يود التوصل أولًا إلى وقف لإطلاق النار تتبعه ضمانات أمنية.
وعندما تولى ترمب منصبه مرة أخرى في يناير/ كانون الثاني، حاول الرئيس الجمهوري إحياء الأجواء الودية التي كانت سائدة في فترته الأولى مع بوتين، وعبّر عن تعاطفه مع بوتين الذي يواجه عزله دولية وتعهد بإنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة.
ومع تخفيف الإدارة للضغوط على روسيا، قام بعض مساعدي ترمب بترديد بعض الأحاديث التي تتبناها موسكو، ما أثار استياء داعمي أوكرانيا.
تأجيل المهل
وفي مارس/ آذار، ألمح المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف في مقابلة بودكاست مع المعلق المحافظ تاكر كارلسون إلى أن لروسيا الحق في السيطرة على أربع مناطق في أوكرانيا وهي دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون لأن "سكانها يتحدثون الروسية".
وفي اجتماع شابه التوتر بالبيت الأبيض في فبراير/ شباط، تعرض زيلينسكي لتوبيخ من ترمب ونائبه جيه دي فانس بسبب طريقة تعامله مع الحرب، ما أعطى شعورًا بالارتياح لدى أصحاب المواقف المتشددة في روسيا.
ورغم كل هذه الحوافز، رفض الزعيم الروسي الانصياع لجهود ترمب لتوجيه الطرفين نحو اتفاق سلام، وواصل شن غارات جوية مدمرة على أوكرانيا.
ومع استمرار إراقة الدماء، اضطر ترمب في يوليو/ تموز إلى اتخاذ موقف أشد صرامة وأبدى استياءه من مماطلة بوتين ووافق على إرسال أسلحة جديدة إلى أوكرانيا - على أن تتحمل أوروبا تكاليفها - وهدد بعقوبات مالية جديدة على موسكو.
وفي ضغط غير مباشر على موسكو، فرض ترمب الأسبوع الماضي رسومًا جمركية إضافية بنسبة 25% على الهند لشرائها النفط الروسي، لكنه امتنع عن تنفيذ تهديداته بفرض عقوبات أشد. وهدد ترمب أمس بما أسماها "عواقب وخيمة" إذا لم تُبرم روسيا اتفاقًا لإنهاء الحرب.
وقال نيكولاس فينتون، من برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية: "رغم التغير الواضح في نبرة البيت الأبيض، فإن ذلك لم يُترجم بعد إلى التزامات مالية جديدة من واشنطن لتعزيز أمن أوكرانيا أو توسيع للعقوبات الأميركية، حيث تتأجل باستمرار المهل التي يضعها ترمب لفرض عقوبات إضافية على موسكو".
ويوم الإثنين، قال ترمب إنه يجب أن يعرف خلال دقيقتين ما إذا كان بوتين مستعدا لتقديم تنازلات. وأضاف: "قد أقول لهم، حظًا سعيدًا واستمروا في القتال. أو قد أقول، يمكننا عقد صفقة".
بالنسبة لترمب، الذي ينجذب إلى مشهد قمة رفيعة المستوى أمام أنظار العالم، فإن إغراء التوصل إلى اتفاق قوي للغاية.
فقد أطلق حملة مفتوحة هذا العام للفوز بجائزة نوبل للسلام، مشيرًا إلى ما يعتبره انتصارات دبلوماسية، وأثار قلق حلفاء بلاده بحماسه لإبرام اتفاق سلام في أوكرانيا قد يشجع بوتين على تشديد مواقفه.
وفي الأيام القليلة الماضية، احتج قادة أوكرانيا وأوروبا على تصريح ترمب بأن روسيا وأوكرانيا ستضطران إلى مبادلة أراض للتوصل إلى اتفاق سلام.
وفي حين تحتل روسيا شبه جزيرة القرم ومساحات واسعة من شرق أوكرانيا، لم تعد أوكرانيا تسيطر على أي أراض روسية، مما يثير التساؤل بشأن الأراضي التي يمكن مبادلتها بشكل محدد.
ويصر ترمب على أنه الوحيد القادر على إنهاء الحرب بالنظر إلى علاقته الشخصية مع بوتين.
وقال جون بولتون، أحد مستشاري ترمب للأمن القومي في فترته الأولى والناقد اللاذع الآن، إنه قلق من أن بوتين "بدأ يمارس سحره" على ترمب.
وأضاف "العلاقات الشخصية لها مكانها في الشؤون الخارجية، كما هو الحال في كل شيء آخر. لكن عندما يكون واحدًا من أقسى رجال العالم مثل فلاديمير بوتين، فالأمر هنا ليس مسألة عاطفة، بل مسألة حساب بناء على تفكير منطقي وتحليل موضوعي. ترمب لا يدرك هذه النقطة".
وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء، اشتكى ترمب من أن "وسائل الإعلام غير العادلة تعمل على تشويه لقائه ببوتين"، مشيرًا إلى اقتباسات من "الفاشلين الذين طُردوا" مثل بولتون.