Skip to main content

قوانين حرب صدّق عليها الجميع.. لماذا لا يضمن الإجماع احترام اتفاقيات جنيف؟

الأربعاء 12 أغسطس 2026
صادقت 196 دولة على اتفاقيات جنيف، لكن الانتهاكات لم تتوقف - غيتي

في الذكرى الـ77 لاعتماد اتفاقيات جنيف الأربع، تبدو عالمية هذه القواعد استثنائية في القانون الدولي؛ فقد أصبحت الاتفاقيات مصدقًا عليها من 196 دولة، لتشكل حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني الذي يضع حدودًا لسلوك الأطراف أثناء النزاعات المسلحة.

لكن الحروب المعاصرة تكشف مفارقة واضحة: الإجماع على القاعدة لا يعني بالضرورة احترامها.
فالمدنيون ما زالوا يقتلون، والمحتجزون يتعرضون لانتهاكات، والمنشآت الطبية تتضرر، فيما تتعثر أحيانًا عمليات التحقيق والمحاسبة.
فأين تنتهي قوة القانون، وأين تبدأ مسؤولية الدول والمحاكم والأطراف المتحاربة؟

حين تبدأ الحرب


في أعقاب أهوال الحرب العالمية الثانية، اعتمدت الدول في 12 أغسطس/ آب 1949 اتفاقيات جنيف الأربع، بهدف وضع حد أدنى من الإنسانية في الحروب وحماية من لا يشاركون في القتال أو توقفوا عن المشاركة فيه.

لا يعد كل انتهاك للقانون الدولي الإنساني جريمة حرب - غيتي 

وتوزعت الاتفاقيات على أربع فئات رئيسية: الجرحى والمرضى من القوات المسلحة في البر، والجرحى والمرضى والغرقى في البحر، وأسرى الحرب، والمدنيين في زمن الحرب.

وأُضيفت لاحقًا بروتوكولات وسعت نطاق الحماية ونظمت جوانب أخرى من سير العمليات العسكرية.

لكن القانون الدولي الإنساني لا يحدد من بدأ الحرب أو ما إذا كان اللجوء إلى القوة مشروعًا؛ فهذه أسئلة تتصل بفرع آخر من القانون الدولي. أما وظيفته فتبدأ مع النزاع المسلح لتنظيم طريقة خوضه، بغض النظر عن عدالة القضية التي يعلنها أي طرف.

وهذا يعني أن حماية المدنيين لا تسقط بسبب الاتهامات الموجهة إلى الطرف الذي يعيشون تحت سيطرته، كما لا يفقد الجريح أو الأسير حقوقه بسبب الانتهاكات التي قد يكون الطرف الذي ينتمي إليه قد ارتكبها.

ماذا تحمي اتفاقيات جنيف الأربع؟


تكتسب المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف أهمية خاصة، لأنها تضع حدًا أدنى من المعاملة الإنسانية في النزاعات المسلحة غير الدولية.

كما تحظر القتل والتعذيب والمعاملة القاسية وأخذ الرهائن والإهانة، وتشترط ضمانات قضائية أساسية، وتلزم بجمع الجرحى والمرضى والعناية بهم.

وهنا تظهر نقطة أساسية في فهم القانون الدولي الإنساني: الجماعات المسلحة غير الحكومية لا تصبح مطلقة اليد لأنها لم توقع على الاتفاقيات.

فالأطراف في النزاعات المسلحة، سواء كانت قوات حكومية أم جماعات مسلحة، ملزمة بالقواعد التي تنطبق على نوع النزاع القائم، إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.

وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات على جميع أطراف النزاعات المسلحة، وأن تطبيق هذه القواعد لا يتوقف على الصفة السياسية لأي طرف.


التصديق لا يكفي


إذا كانت القواعد عالمية إلى هذا الحد، فلماذا لا تمنع الانتهاكات؟

تكمن الإجابة في طبيعة النظام الدولي نفسه. فالتصديق على معاهدة ينشئ التزامات قانونية، لكنه لا ينشئ جهازًا عالميًا يراقب كل جبهة، أو يوقف كل هجوم، أو يعتقل كل شخص يشتبه في ارتكابه جريمة.

وتنص المادة الأولى المشتركة في اتفاقيات جنيف على التزام الدول بـ"احترام" الاتفاقيات و"ضمان احترامها في جميع الأحوال".

ولا يقتصر الأمر على عدم ارتكاب الانتهاكات، بل يمتد إلى اتخاذ خطوات لمنعها ووضع حد لها وعدم تشجيع أطراف أخرى عليها.

لكن تحويل هذا الالتزام إلى واقع يحتاج إلى مؤسسات وطنية وآليات تنفيذية: تدريب القوات، وإدماج قواعد القانون الدولي الإنساني في العقيدة العسكرية، وسن التشريعات المناسبة، والتحقيق في الانتهاكات، وحماية الأدلة والشهود.

وتصبح المهمة أكثر تعقيدًا أثناء الحرب نفسها؛ فمواقع الهجمات قد تتغير، والأدلة قد تضيع، والشهود قد لا يتمكنون من الوصول إلى المحققين، فيما قد يسيطر الطرف المتهم على موقع الواقعة أو على المعلومات المتعلقة بها.

ليس كل خرق جريمة حرب


من أكثر النقاط التي تحتاج إلى دقة في التغطية اليومية التمييز بين "انتهاك القانون الدولي الإنساني" و"جريمة الحرب". إذ ليس كل خرق للقانون الدولي الإنساني جريمة حرب بالمعنى الجنائي.

فالجريمة تتطلب توافر عناصر محددة يحددها القانون الجنائي الدولي والقانون الواجب التطبيق، وتترتب عليها مسؤولية جنائية فردية. كما أن سقوط مدنيين في هجوم لا يثبت وحده أن الهجوم كان غير قانوني.

يجب أن يبحث التحقيق في طبيعة الهدف، وما إذا كان عسكريًا، والمعلومات المتاحة للمهاجم وقت اتخاذ القرار، والاحتياطات التي اتخذت لتقليل الضرر على المدنيين، والتناسب بين الضرر المدني المتوقع والميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة.

ويُقيّم هذا التناسب استنادًا إلى المعلومات المتاحة وقت اتخاذ قرار الهجوم، وليس إلى النتيجة وحدها. لذلك لا يكفي وصف عدد الضحايا للحكم على قانونية الهجوم، كما لا يمنح وصف الهدف بأنه "عسكري" حصانة من بقية قواعد القانون.

ويختلف ذلك أيضًا عن مسؤولية الدولة. فقد تتحمل دولة مسؤولية دولية عن فعل غير مشروع صادر عن أجهزتها، بينما تتطلب إدانة فرد بجريمة حرب إثبات مسؤوليته الجنائية أمام جهة قضائية مختصة.


المحاكم الوطنية أولًا


لا تبدأ المحاسبة بالضرورة من المحكمة الجنائية الدولية. فالمحاكم الوطنية تظل في الأصل خط الدفاع الأول في التحقيق والملاحقة، وفق الاختصاصات التي يقررها القانون الوطني والقانون الدولي.

كما تتيح بعض الأنظمة القضائية ما يعرف بالولاية القضائية العالمية لملاحقة جرائم دولية خطيرة، وفق شروط يحددها القانون الوطني.

أما المحكمة الجنائية الدولية فتعمل وفق مبدأ التكامل، أي أنها لا تحل محل القضاء الوطني بصورة تلقائية. ويُنظر في تدخلها عندما تكون القضية داخلة في اختصاص المحكمة، وعندما لا تجري الدولة المعنية تحقيقًا أو محاكمة حقيقية، أو تكون غير قادرة أو غير راغبة في القيام بذلك على نحو فعلي.

كما أن المحكمة لا تملك جهاز شرطة خاصًا بها لتنفيذ أوامر القبض، وتعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الدول، وهو ما يجعل تنفيذ قراراتها مرتبطًا بقدرة الدول واستعدادها للتعاون.

وتفسر هذه الحدود جانبًا من التفاوت في المحاسبة: فقد تتعثر قضية بسبب غياب المتهم، أو عدم القدرة على الوصول إلى الأدلة، أو ضعف التحقيقات الوطنية، أو غياب التعاون الدولي.

هل فشل القانون؟


قد يبدو بطء المحاسبة دليلًا على فشل القانون، لكن هذه النتيجة تتجاهل وظيفة القانون الدولي الإنساني.

فالاتفاقيات لم تُصمم لإنهاء الحروب، ولم تدّعِ امتلاك قوة تنفيذ مستقلة. وظيفتها الأساسية هي وضع حدود للسلوك أثناء الحرب، وتحويل بعض الأفعال من خيارات عسكرية إلى محظورات قانونية، ومنح الضحايا والمحققين والمحاكم معيارًا مشتركًا يمكن الاحتجاج به.

وتظهر أهمية هذه القواعد أيضًا قبل وقوع الانتهاك، عندما يؤدي وجود مستشار قانوني عسكري أو قواعد واضحة للاشتباك أو تدريب مناسب إلى تعديل أمر أو استبعاد هدف أو اختيار وسيلة أقل ضررًا بالمدنيين.

لكن القانون وحده لا يكفي. ففاعليته تعتمد على التشريعات الوطنية، والتدريب، واستقلال القضاء، وحماية الأدلة، وقدرة المؤسسات على التحقيق، إضافة إلى استعداد الدول لاستخدام نفوذها لمنع الانتهاكات أو وقفها.

وبعد 77 عامًا من اعتماد اتفاقيات جنيف الأربع، لا تكمن المفارقة في أن العالم يفتقر إلى قواعد للحرب، بل في أن الدول اتفقت على هذه القواعد بينما ظل تنفيذها معتمدًا على مؤسسات وقرارات بشرية قد تضعف تحت ضغط الحرب والسياسة.
كما أن اتفاقيات جنيف تحدد الخطوط الحمراء، لكن منع تجاوزها ومحاسبة من يتجاوزها يحتاجان إلى ما هو أبعد من التصديق: مؤسسات قادرة على تحويل القاعدة المكتوبة إلى ممارسة فعلية، وإرادة سياسية لا تطبق القانون بمعايير مزدوجة.
وهنا يبقى السؤال الأوسع: إذا كانت قواعد الحرب عالمية، فلماذا تظل محاسبة من ينتهكها متفاوتة من نزاع إلى آخر؟ 
المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة