كأس العالم 2026.. المكسيك تفتتح المونديال على وقع الاحتجاجات وأسئلة الجاهزية
تستضيف المكسيك 13 مباراة من أصل 104 في النسخة الأكبر بتاريخ كأس العالم، موزعة على مدينة مكسيكو وغوادالاخارا ومونتيري. ورغم أن حصتها من المباريات محدودة مقارنة بالولايات المتحدة، تحولت البطولة إلى منصة مثالية لقوى اجتماعية تسعى إلى إيصال مطالبها إلى جمهور عالمي.
فقد صعّدت اللجنة الوطنية لعمال التعليم، المعروفة اختصارًا بـ"CNTE"، وهي تيار منشق عن نقابة المعلمين الوطنية، تحركاتها قبل أيام من انطلاق البطولة، عبر مظاهرات وإغلاقات واحتجاجات طالت بعض المنشآت الزخرفية المرتبطة بالمونديال. وتطالب الجماعة بتحسين ظروف عمل المعلمين ومزاياهم التقاعدية، ولا سيما العودة إلى نظام تقاعد عام ترى أنه تراجع بفعل إصلاحات سابقة.
كما أعلنت مجموعات أخرى نيتها استغلال الزخم الإعلامي للبطولة، من بينها عائلات أشخاص مفقودين، ومزارعون، ومتقاعدون من شركات حكومية، وعمال نقل، إضافة إلى مجموعات نسوية وحقوقية نظمت تحركات متفرقة في محيط ملاعب أو مناطق عامة.
احتجاجات تبحث عن جمهور عالمي
تأتي هذه الاحتجاجات في توقيت بالغ الحساسية، مع افتتاح البطولة في ملعب أزتيكا التاريخي، حيث يخوض المنتخب المكسيكي مباراته الأولى ضد جنوب إفريقيا.
ووفق صحيفة "ريفيستا مركادو"، أعلنت فئات اجتماعية مختلفة تنظيم مظاهرات في العاصمة المكسيكية بالتزامن مع الافتتاح، مستفيدة من الاهتمام الدولي الذي سيحظى به الحدث لتسليط الضوء على مطالبها.
وبين هؤلاء أساتذة معارضون، وعائلات أشخاص مفقودين، ومتقاعدون من شركات حكومية، ومزارعون، وعمال نقل، وحتى أصحاب مقصورات في الملعب.
ووفق صحيفة "إل بريوديكو"، تكتسب هذه الاحتجاجات أهمية خاصة في زابوبان، المدينة السكنية التابعة لغوادالاخارا والتي ستستضيف ستة منتخبات وطنية، من بينها المنتخب الإسباني الذي سيواجه منتخب الأوروغواي في الساعات الأولى من صباح 27 يونيو/ حزيران الجاري.
ففي محيط المنطقة، كشفت مجموعات من أمهات المفقودين خلال الأشهر الماضية مواقع دفن غير قانونية تضم بقايا بشرية، في مشهد أعاد أزمة الاختفاء القسري في المكسيك إلى واجهة النقاش قبل البطولة.
- رغم تصاعد الاحتجاجات، استبعدت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم اللجوء إلى إجراءات قمعية، مؤكدة أن افتتاح كأس العالم سيقام بصورة طبيعية. وقالت في مؤتمر صحفي إن كل شيء "تحت السيطرة"، وإن السلطات ستضمن وصول الجماهير إلى الملعب بهدوء.
- أكدت عمدة مدينة مكسيكو، كلارا بروغادا، أن خطط الأمن والمرور لا تزال قائمة، وأن الملعب ومناطق المشجعين ستكون جاهزة لاستقبال آلاف الزوار.
ارتباك في التخطيط والنقل
لا تنفصل الاحتجاجات عن سلسلة من الإرباكات التي سبقت البطولة على المستوى الفيدرالي والمحلي.
أثار اقتراح تقليص السنة الدراسية قبل المونديال غضبًا واسعًا لدى الأهالي والمؤسسات التعليمية، ما دفع السلطات إلى التراجع والإبقاء على التقويم الدراسي الأصلي.
وعلى الصعيد الصحي، واجهت السلطات أسئلة إضافية حول جاهزية بروتوكولات المراقبة الوبائية مع تدفق الزوار، خصوصًا في ظل التحذيرات الدولية المرتبطة بالحصبة ومخاوف صحية أخرى ترافق الأحداث الجماهيرية الكبرى.
أما على المستوى اللوجستي، فقد عانت المدن المضيفة من سباق مع الوقت. ففي العاصمة، أطلقت السلطات مبادرات لاستيعاب الجماهير التي لا تستطيع تحمل تكلفة التذاكر، عبر تخصيص مساحات عامة لمشاهدة المباريات، بلغ عددها 18 مساحة في مدينة مكسيكو وحدها. غير أن التنفيذ المتأخر لهذه المشاريع تسبب في اضطراب الحياة اليومية لأسابيع، مع استمرار أعمال البناء والتحويلات المرورية حتى الأيام الأخيرة قبل الافتتاح.
وبحسب تقارير ميدانية، لا تزال قطارات "الخط 2" في مترو العاصمة، وهو خط مهم لربط مناطق سياحية بالمسار المؤدي إلى ملعب أزتيكا، تواجه اضطرابات في عدد من المحطات، وسط حالة ارتباك لدى الركاب. وفي محطات أخرى، كان العمال يسابقون الوقت لإنهاء الأعمال قبل وصول التدفق السياحي المرتقب.
وبلغت الفوضى التنظيمية ذروتها مع اقتراب موعد الافتتاح، إذ افتقرت بعض المحطات إلى لافتات إرشادية ثابتة، واعتمدت بدلًا منها على إشارات مؤقتة لم يصمد بعضها طويلًا قبل بدء الحدث.
مونديال بلا أثر عمراني واضح
في تقييمها لاستعدادات المدن المكسيكية الثلاث، تصف عالمة الاجتماع والمخططة الحضرية في جامعة متروبوليتان المستقلة، روزالبا لويد، ما حدث بأنه فرصة ضائعة. وترى لويد، وفق "إل بريوديكو"، أن استضافة حدث بهذا الحجم يمكن أن تتحول إلى حافز استراتيجي للتخطيط العمراني إذا أُحسن استغلال الموارد.
وتستحضر لويد نماذج سابقة، مثل تطوير شبكات النقل في ألمانيا خلال مونديال 2006، أو تحويل مرافق رياضية إلى مجمعات سكنية في تجارب دولية أخرى. في المقابل، بقيت مشاريع المكسيك أقرب إلى تحسينات شكلية، من دون رؤية حضرية قادرة على معالجة الأزمات الأساسية في النقل والسكن والخدمات.
وتضيف أن تدفق السياحة الجماعية جاء في توقيت حساس لمدينة لم تكن مهيأة بالكامل لهذا الزخم. وتظهر هذه الأزمة بوضوح في المناطق المحيطة بملعب أزتيكا، حيث تسارعت خلال العامين الماضيين ظاهرة تحويل المنازل إلى وحدات تأجير سياحي، ما أثار مخاوف من زيادة الضغط على السكان والأسعار.
ولا يقتصر التعثر على العاصمة. ففي مونتيري، أعلن مدير مترو الأنفاق قبل أيام من الافتتاح أن الخط المخصص لربط المطار بمركز المدينة لن يكون جاهزًا للخدمة، ما زاد الشكوك حول قدرة البنية التحتية المحلية على استيعاب التدفق المرتقب.
بروغادا تدفع ثمن الإرباك المحلي
وجد الاستياء الشعبي انعكاسًا سياسيًا واضحًا في تراجع شعبية عمدة مدينة مكسيكو، كلارا بروغادا، التي خسرت نحو 20 نقطة في مؤشرات الرضا العام خلال عام واحد.
ولم يكن هذا التراجع منفصلًا عن تراكمات تشغيلية وخدمية سبقت المونديال، من أخطاء في تخطيط الشوارع وأعمال الطلاء، إلى مشكلات في البنية التحتية، بينها فيضانات في المطار الدولي وانهيار جزء من سقف أحد جسور المشاة عند مخرج الصالة، ما عمّق الشعور العام بأن المدينة تهتم بالواجهة أكثر من معالجة الأعطال اليومية.
وفي محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت السلطات المحلية توفير حافلات مجانية لنقل الركاب إلى المناطق الفندقية والبلديات المجاورة. وفي مونتيري، وبينما استقبل حاكم ولاية نويفو ليون المنتخب الياباني بطريقة احتفالية في المطار، واجه الوفد واقعًا أقل مثالية، إذ قدّم لاعبون في المنتخب شكاوى بشأن جودة ملاعب التدريب المخصصة لهم.
المكسيك أمام امتحان الصورة والتنظيم
قبيل انطلاق كأس العالم، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية، عبر سفارتها في المكسيك، إرشادات لمواطنيها الراغبين في حضور مباريات البطولة على الأراضي المكسيكية.
ووفق ما نقلت صحيفة "إل يونيفيرسال"، فقد نصحت السفارة حاملي التذاكر بالتحقق من أحدث مستوى لإرشادات السفر قبل التنقل، مشيرة إلى أن المخاطر الأمنية تختلف من ولاية إلى أخرى، وأحيانًا داخل الولاية الواحدة.
وتضمنت الإرشادات تحذيرات من جرائم عنف وسرقة سيارات واختطاف، مع تأكيد أن قدرة حكومة الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترمب، على تقديم المساعدة قد تكون محدودة في بعض المناطق، خصوصًا النائية والريفية.
ونُصح موظفو الحكومة الأميركية بعدم السفر بين المدن بعد حلول الظلام، والاعتماد على سيارات أجرة مرخصة أو خدمات نقل عبر التطبيقات، وتجنب إيقاف سيارات الأجرة من الشارع.
ألقت هذه التحذيرات بظلالها على آمال الحكومة المكسيكية في جذب ملايين السياح، إذ تجد الدولة المضيفة نفسها أمام مفارقة واضحة: خطاب رسمي يروّج لصورة مستقرة وجاهزة لاستقبال العالم، وتحذيرات دولية تذكّر المشجعين والبعثات بأن تجربة المونديال لن تنفصل عن تعقيدات البلد الأمنية والاجتماعية.
تختبر أيضًا قدرتها على إدارة مدينة غاضبة، ومجتمع يطالب بأن يُسمع صوته، وصورة دولية تريدها احتفالية، فيما يصر الواقع على أن يكون أكثر تعقيدًا.