الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2026

"كابوس حقيقي".. مجمع كيميائي يحوّل قابس إلى بؤرة أمراض وتلوّث قاتل

"كابوس حقيقي".. مجمع كيميائي يحوّل قابس إلى بؤرة أمراض وتلوّث قاتل

شارك القصة

التلوث في مدينة قابس التونسية
لطالما عُرفت مدينة قابس التونسية بأنها جوهرة بيئية نادرة، حيث تعانق الواحات الخضراء البحر المتوسط في مشهد فريد- غيتي
الخط
مدينة قابس التونسية التي كانت جوهرة بيئية تحولت بفعل المجمع الكيمياوي إلى بؤرة تلوث خطيرة، ما تسبب بأمراض وسرطان.

تحوّلت مياه البحر قبالة مدينة قابس التونسية إلى مسطّح ملوّث، تلطّخه بقعٌ كبيرة من النفايات الكيميائية السوداء والصدئة.

ويبدو الهواء في المنطقة ثقيلًا وخانقًا، يجعل من كل نفس تجربة مؤلمة، إذ يُشبَع بغازاتٍ سامة تلسع العيون وتحرق الحناجر.

"كابوس حقيقي"

ولطالما عُرفت قابس بأنها جوهرة بيئية نادرة، لكن هذه الجوهرة التي كانت تُسمّى "جنة الدنيا" حوّلها التلوث إلى أرض سامة، يتنفّس سكانها هواءً ملوّثًا، كأنهم داخل غرفة غاز مغلقة بلا نوافذ ولا مفرّ.

وما بدا يومًا مشروعًا صناعيًا واقتصاديًا طموحًا، تحوّل ببطء إلى كارثة إنسانية وبيئية متفاقمة. وتم إنشاء المجمع الذي يحوّل الفوسفات، أهم ثروات تونس الطبيعية، عام 1972 باعتباره ركيزة للنمو الاقتصادي ومحركًا رئيسيًا لصادرات تونس، لكنه أصبح اليوم كابوسًا حقيقيًا يرعب السكان بشكل متزايد.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، ومع تكرر حالات اختناق بين عشرات التلاميذ في مدارس قريبة من المصنع، انفجر الغضب في واحدة من أكبر التحديات للرئيس قيس سعيّد منذ بدأ الحكم بالمراسيم سنة 2021.

التلوث في مدينة قابس التونسية
تسبب التلوث في مدينة قابس التونسية في تردي أعمال الصيد والثروة السمكية- رويترز

وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين الذين اقتحموا المجمع وطالبوا بتفكيكه، وخرج عشرات الآلاف مجددًا إلى الشوارع يوم الأربعاء الماضي في احتجاج حاشد.

وعلى عكس الاحتجاجات السابقة التي رفعت شعارات الحرية والديمقراطية في تونس، جاءت مطالب سكان قابس أبسط وأكثر إلحاحًا، هم يطالبون فقط بحقهم في الحياة، في التنفس، يريدون نهاية لظروف يقولون إنها لا تطاق.

وفي الماضي، كانت المدينة تُعرف بأنها لؤلؤة بيئية، بمزيجها الفريد من الواحات والسواحل وتنوعها الإيكولوجي، لكنها اليوم أصبحت أرضًا سامة، تنتشر فيها أمراض السرطان والجهاز التنفسي وهشاشة العظام على نطاق واسع.

"كلفة بشرية باهظة"

ويقول صفوان قبيبيع وهو ناشط بيئي محلي في حديثه لوكالة "رويترز" خلال رحلة إلى هناك: "المصنع سمّم كل شيء الشجر، والبحر، والناس". وأضاف: "حتى رمان قابس التي اشتهرت بيه تغير وصار طعمه كالدخان".

وبهدف إخماد موجة الاحتجاجات المتصاعدة منذ أسبوعين، قال سعيّد هذا الشهر إن سكان قابس يتعرضون "لاغتيال بيئي"، لكنه ألقى باللوم على حكومات سابقة، داعيًا الوزارات إلى معالجة التسربات الكيميائية بأسرع وقت ممكن.

وبُني مجمع قابس قبل نصف قرن، ويعد أكبر مصانع معالجة الفوسفات في تونس، ويساهم بأكثر من نصف الإنتاج الوطني.

وتوفر هذه الصناعة مصدر دخل حيويًا لحكومة تواجه ديونًا كبيرة ونموًا اقتصاديًا ضعيفًا. لكن السكان يقولون إن الكلفة البشرية كانت باهظة.

ففي غنوش وشط السلام، وهما منطقتان على أطراف المصنع، من النادر أن تجد عائلة لم تمسّها الأمراض أو فقدان أحد أفرادها.

تصف رِمال الحاجي كيف بدأت ابنتها ناريمان (تسع سنوات) تعاني نهاية الشهر الماضي من صعوبات حادة في التنفس وبطء في الحركة، إلى جانب عشرات التلاميذ الذين تعرضوا لتسمم واختناق جراء انبعاثات غازية من المصنع.

انتشار واسع لمرض السرطان

وفي منزل قريب جدًا من المصنع، تجلس الطفلة ناريمان بجوار والدتها على كرسي بلاستيكي، تعتمد عليها في كل حركة بعد أن أصيبت بمشكل عصبي نتيجة للاختناق، أثر على قدرتها على الحركة بسلاسة.

وتضيف الأم وهي تغالب دموعها: "لم تعد تستطيع المشي أكثر من خطوتين. إنها مثل الوردة التي تذبل".

ومنذ ذلك اليوم، توقفت ناريمان عن الذهاب إلى المدرسة، وباتت حبيسة منزلها وفقًا لوالدتها.

على بعد نحو كيلومترين فقط من المصنع، تعيش أمينة منصور (53 عامًا) في منزل متواضع مغطى بالغبار.

التلوث في مدينة قابس التونسية
المواطنة أمينة منصور مصابة بهشاشة العظام وسرطان الحنجرة- رويترز

وتملأ الأدوية وعاء بلاستيكيًا وتتناثر عبوات دواء أخرى على السرير، إنها مسكنات لعلاج هشاشة العظام وأيضًا لسرطان الحنجرة الذي اكتشفته قبل ست سنوات.

وتقول: "أخبرني الأطباء أنني بحاجة لمغادرة هذه البلدة على الفور لأتمكن من النجاة. لكن إلى أين نذهب وكيف؟ هذه أرضنا".

وتعدد أمنة منصور ستة من أقاربها أصيبوا بالسرطان، كما أن زوجها وأطفالها يعانون من أمراض في العظام: "هذا التلوث يقتلنا جميعًا هنا ببطء".

وجارتها مها محمود ليس أسعد حظًا، فهي أيضًا أصيبت بورم سرطاني ولا يفارق يديها جهاز الاستنشاق.

وتقول لوكالة "رويترز" بكثير من الألم "أصبح هذا خبزي اليومي".

وأضافت: "لم نعد نطلب طعامًا أو وظائف لأبنائنا ولا تنمية. نريد شيئًا واحدًا: فككوا الوحدات الكيميائية‭‭‭‭‭ ‬‬‬‬‬القاتلة. دعونا نتنفس دعونا نعيش".

إلى جانب أزمة الصحة العامة المتفاقمة، انهارت الثروة السمكية التي كانت مصدر رزق رئيسيًا لآلاف الصيادين هنا بحسب السكان والناشطين البيئيين.

ويتذكر ساسي علية، وهو واحد من هؤلاء الصيادين، كيف كان البحر مصدر رزقه وكرامته. الآن، لم يعد بالنسبة له سوى مصدر للبؤس.

وعند قارب صيد يعلوه الصدأ على شاطئ غنوش، يفكك ساسي شباكه المتأكلة، ويقول بحرقة: "البحر كان كل شيء ورثت الصيد عن أبي وجدي، كان مصدر رزقنا الأساسي. الآن، صار كابوسًا. الأسماك اختفت انقرضت بعد أن أصبح بحر قابس مصبًا للنفايات الكيميائية".

ويقول هذا الصياد لـ"رويترز" إن صيده اليومي كان يكسبه ما يصل إلى 700 دينار تونسي (نحو 240 دولارًا)، لكنه الآن بالكاد يجني 20 دينارًا وفي أحسن الحالات مئة دينار. لكنه غالبًا ما يعود خالي الوفاض.

وبعد أكثر من 25 عامًا في البحر، اضطر ساسي مثل كثير من الصيادين في غنوش وشط السلام للاتجاه إلى الزراعة لإعالة أطفاله الخمسة.

أضرار على مناطق بحرية واسعة

وأظهر تقرير تدقيق بيئي رسمي أنجز في يوليو/ تموز 2025، واطلعت عليه "رويترز"، "مخالفات جسيمة للمعايير الوطنية والمتطلبات الدولية".

التقرير الذي جاء في 160 صفحة كشف أن المجمع الكيميائي يُلقي يوميًا بين 14000 و15000 طن من مياه "الفوسفوغيبسوم غير المعالجة في البحر، إلى جانب انبعاثات عالية من الأمونيا وأكاسيد النيتروجين والكبريتات".

وأضاف أن هذه التصريفات "ألحقت ضررًا بالغًا بمروج الأعشاب البحرية وأدت إلى تصحر مناطق بحرية واسعة في خليج قابس".

ويذكر موقع وكالة حماية البيئة الأميركية أن الفوسفوغيبسوم، وهو مخلفات صناعية تتكون أثناء معالجة الفوسفات، يحتوي على الراديوم، الذي يتحلل لينتج غاز الرادون، مشيرًا إلى أن الراديوم والرادون عنصران مشعّان وقد يتسببان في الإصابة بالسرطان.

وفي الولايات المتحدة، تُلزم الوكالة بإدارة الفوسفوغيبسوم ضمن هياكل هندسية مصممة خصيصًا للحد من تعرض العامة لانبعاثات الرادون.

لا توجد إحصاءات رسمية حول انتشار الأمراض في قابس، كما أن نقص الدراسات يجعل من الصعب ربط هذه الحالات بالتلوث بشكل قاطع وفقًا للدكتور كريم توفيق.

ولم يتسن الحصول على تعليق بخصوص عدد الإصابات بالسرطان ومدى ارتباطها بالتلوث الناتج عن المصنع الكيميائي. لكن الطبيب المحلي كريم توفيق أكد أنه لاحظ ارتفاعًا حادًا في أمراض الحنجرة والأنف والعيون والعظام مع تدهور لافت في الظروف البيئية.

ويضيف قائلًا: "المدينة تبدو كمنطقة حرب. حيث كنا نرى بضع حالات سرطان كل ثلاثة أشهر، نراها الآن يوميًا. السكان يعيشون فوق قنبلة كيميائية موقوتة".

تابع القراءة

المصادر

رويترز
تغطية خاصة