كبار المونديال.. إسبانيا بين إرث 2010 ورهان يامال على اللقب الثاني
في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لن تكون إسبانيا مجرد منتخب كبير حاضر في قائمة المرشحين. فهي تصل إلى البطولة بثقة بطل أوروبا، وبجيل شاب يضم أسماء صارت جزءًا من واجهة الكرة العالمية، يتقدمها لامين يامال، إلى جانب بيدري وغافي ونيكو ويليامز وباو كوبارسي، مع خبرات قادرة على ضبط الإيقاع في الوسط والدفاع.
وبين ذاكرة 2010 وزخم الجيل الجديد، تبحث إسبانيا عن لقب عالمي ثانٍ يؤكد أن ما بدأ في أوروبا لم يكن موجة عابرة. غير أن الطريق إلى اللقب لا يُقاس بجودة الأسماء وحدها.
فالمنتخب الإسباني اختبر، بعد مونديال 2010، قسوة التحول من فريق يفرض إيقاعه على الجميع إلى فريق يملك الكرة كثيرًا من دون أن يجد دائمًا طريقًا واضحًا إلى الحسم.
لا تزال الكرة الإسبانية تحب السيطرة على الإيقاع، لكنها أصبحت أكثر مباشرة، وأكثر جرأة في الأطراف، وأكثر قدرة على تحويل الاستحواذ إلى فرص حقيقية. وهنا تحديدًا يظهر رهان المدرب لويس دي لا فوينتي، الذي يحاول المزج بين إرث المدرسة الإسبانية واحتياجات كرة القدم الحديثة.
وقد أوقعت القرعة إسبانيا في المجموعة الثامنة إلى جانب الرأس الأخضر والسعودية والأوروغواي، على أن تبدأ مشوارها أمام الرأس الأخضر في أتلانتا، قبل مواجهة السعودية ثم الأوروغواي.
دي لا فوينتي.. استحواذ أقل بطئًا وهجوم أكثر سرعة
لا يمكن فصل عودة إسبانيا إلى واجهة الترشيحات عن العمل الذي قام به لويس دي لا فوينتي. فالمدرب الإسباني لم ينسف هوية المنتخب، لكنه حاول تطويرها من الداخل، بعدما عانت "لا روخا" في سنوات سابقة من استحواذ طويل لا يترجم دائمًا إلى خطورة.
مع دي لا فوينتي، لا تزال إسبانيا قادرة على التحكم بالكرة، لكنها تبحث عن الوصول إلى المرمى بسرعة أكبر. لم يعد الاستحواذ غاية في ذاته، بل وسيلة لفتح المساحات، خصوصًا مع وجود أجنحة قادرة على المراوغة والتسارع مثل لامين يامال ونيكو ويليامز.
الأهم أنّ المدرب الإسباني نجح في منح الجيل الجديد ثقة مبكرة. لم يتعامل مع اللاعبين الشباب كأسماء للمستقبل فقط، بل وضعهم في قلب المشروع، وسمح لهم بأن يكونوا جزءًا من قرار المنتخب الهجومي في المباريات الكبرى.
هكذا تدخل إسبانيا مونديال 2026 بصورة مختلفة عن نسخة عاشت طويلًا في ظل جيل 2010. إنها لا تحاول تكرار الماضي بحذافيره، وإنما تبحث عن نسخة جديدة من القوة الإسبانية: أكثر سرعة، وأكثر مرونة، وأقل قابلية للوقوع في فخ الاستحواذ العقيم.
تصفيات أكدت العودة إلى الواجهة
حسمت إسبانيا تأهلها إلى مونديال 2026 بعدما تصدرت مجموعتها في التصفيات الأوروبية، في مشوار عزز الثقة بقدرة الفريق على المنافسة في البطولة المقبلة.
وقدّمت إسبانيا خلال التصفيات صورة هجومية أكثر فاعلية، مع نتائج قوية أمام منتخبات مثل جورجيا وبلغاريا، وتعامل أكثر نضجًا مع المباريات التي تحتاج إلى صبر وتنظيم.
كما واصلت "لا روخا" حضورها القوي في دوري الأمم الأوروبية، حيث ظهرت بصورة هجومية أكثر مباشرة وفعالية، ما عزز مكانتها بين أبرز المرشحين للمنافسة على لقب كأس العالم.
ومع ذلك، يبقى الاختبار الحقيقي في كأس العالم مختلفًا. فالتصفيات تؤكد الجاهزية، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الأدوار الإقصائية، حيث تحتاج إسبانيا إلى الفاعلية والحسم وإدارة اللحظات الصعبة.
جيل شاب ينتظر لحظة عالمية
تملك إسبانيا واحدة من أكثر المجموعات الشابة إثارة في كرة القدم الأوروبية. في المقدمة يبرز لامين يامال، الذي يدخل البطولة بوصفه أحد رموز الجيل الجديد، بعد أن فرض نفسه بسرعة مذهلة مع برشلونة والمنتخب.
إلى جانبه، يمنح نيكو ويليامز إسبانيا سلاحًا مهمًا على الطرف الآخر، بفضل سرعته وقدرته على خلق الفارق في المواجهات الفردية. ومع وجود بيدري وغافي وداني أولمو، تملك إسبانيا لاعبين قادرين على الربط بين الوسط والهجوم، وصناعة التفوق بين الخطوط.
لكن قيمة هذا الجيل لا تكتمل من دون رودري. فوجوده في الوسط يمنح المنتخب توازنًا وخبرة وقدرة على التحكم بإيقاع اللعب، خصوصًا في المباريات التي تحتاج إلى هدوء وقراءة دقيقة. وفي الخلف، يشكّل أوناي سيمون وروبين لو نورمان وأليخاندرو بالدي جزءًا من محاولة بناء فريق متوازن لا يعتمد على الهجوم فقط.
لامين يامال.. موهبة مبكرة تحت ضغط كبير
تتجه الأنظار بشكل خاص إلى لامين يامال، الذي يدخل مونديال 2026 بوصفه النجم الأبرز في المشروع الإسباني الجديد، بعدما تحول في سن مبكرة إلى أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في أوروبا.
وخطف يامال الأنظار منذ بطولة كأس أوروبا 2024، حيث لعب دورًا محوريًا في تتويج إسبانيا باللقب،بفضل جرأته وقدرته على اللعب في المساحات الضيقة وصناعة الفرص من الطرف. ومنذ ذلك الحين، أصبح حضوره مع المنتخب عنوانًا لجيل يريد أن يقطع مع صورة إسبانيا البطيئة، من دون أن يتخلى عن أساسها الفني.
لكن الرهان عليه يحمل وجهًا آخر. فالمونديال ليس مسرحًا للمواهب وحدها، بل اختبار نفسي وبدني هائل. لذلك، تحتاج إسبانيا إلى يامال، لكنها لا تستطيع أن تجعل مشروعها كله معلقًا على كتفي لاعب واحد، مهما كانت موهبته كبيرة.
القيمة الحقيقية لوجوده ستكون في قدرة دي لا فوينتي على دمجه داخل منظومة جماعية تمنحه الحرية من دون أن تفقد الفريق توازنه. فإذا نجح ذلك، قد يكون يامال أحد مفاتيح نسخة إسبانية مختلفة فعلًا.
إرث 2010.. اللقب الذي صنع معيارًا صعبًا
حققت إسبانيا لقبها العالمي الوحيد في مونديال جنوب إفريقيا 2010، بعد رحلة تاريخية قادها جيل ذهبي ضم تشافي وإنييستا وكاسياس وبوسكيتس وسيرخيو راموس ودافيد فيا.
لم يكن ذلك اللقب مجرد تتويج عابر، بل لحظة غيّرت صورة الكرة الإسبانية. فقد تحوّل المنتخب من فريق يملك مواهب كبيرة لكنه يصطدم دائمًا بالعقدة الكبرى، إلى بطل عالمي يفرض أسلوبه على العالم.
غير أن إرث 2010 صنع عبئًا أيضًا. فكل جيل جاء بعده وجد نفسه في مقارنة دائمة مع واحدة من أعظم فرق المنتخبات في العصر الحديث. وبقدر ما منح اللقب إسبانيا ثقة تاريخية، جعل العودة إلى القمة أكثر صعوبة، لأن المعيار أصبح عاليًا جدًا.
اليوم، لا يبدو الجيل الحالي نسخة مكررة من فريق 2010. إنه فريق مختلف في الإيقاع والأدوات. لكنه يدخل مونديال 2026 بالسؤال نفسه: هل يستطيع أن يحوّل التفوق الفني إلى لقب عالمي؟
مجموعة إسبانيا في مونديال 2026
أوقعت القرعة إسبانيا في المجموعة الثامنة إلى جانب الرأس الأخضر والسعودية والأوروغواي، وهي مجموعة تبدو في المتناول على الورق، لكنها تحمل اختبارات متنوعة.
فالرأس الأخضر يخوض حضوره المونديالي الأول بطموح كتابة مفاجأة، بينما تدخل السعودية البطولة بخبرة عربية وآسيوية متراكمة، في حين تمثل الأوروغواي الاختبار الأصعب من حيث التاريخ والصلابة والتنافسية.
تبدأ إسبانيا مشوارها يوم 15 يونيو/ حزيران أمام الرأس الأخضر في أتلانتا، ثم تواجه السعودية يوم 21 يونيو، قبل أن تختتم الدور الأول أمام الأوروغواي يوم 26 يونيو. وتشير صفحة مباريات إسبانيا لدى "فيفا" إلى هذه المواجهات الثلاث ضمن المجموعة الثامنة.
ما الذي ينقص إسبانيا؟
لا تعاني إسبانيا نقصًا في الموهبة، ولا في جودة خط الوسط، ولا في القدرة على السيطرة على المباريات. المشكلة التي لاحقتها في سنوات ما بعد 2010 كانت مختلفة: كيف يمكن تحويل السيطرة إلى حسم؟ وكيف يمكن تجنب الخروج من بطولة كبرى في مباراة لا يكفي فيها الاستحواذ؟
تحتاج "لا روخا" إلى فعالية أكبر أمام المرمى، خصوصًا أمام المنتخبات التي تجيد الدفاع المتأخر. كما تحتاج إلى صلابة في التحولات الدفاعية، لأن أسلوبها القائم على التقدم والضغط يترك أحيانًا مساحات خطرة خلف الوسط والأطراف.
كذلك سيكون على دي لا فوينتي إدارة ضغط التوقعات حول الجيل الجديد. فإسبانيا تدخل البطولة وهي بطلة أوروبا وواحدة من أكثر المنتخبات موهبة، لكن كأس العالم يحتاج إلى أكثر من جودة فنية؛ يحتاج إلى شخصية في المباريات الكبرى، وهدوء عندما تتعقد التفاصيل.
هل تستعيد إسبانيا عرش العالم؟
في سلسلة "كبار المونديال"، تبدو إسبانيا حالة مختلفة. فهي ليست منتخبًا غائبًا عن الواجهة، ولا قوة تبحث عن الاعتراف. إنها بطلة عالمية سابقة تحاول إثبات أن لقب 2010 لم يكن ذروة وحيدة لا تتكرر.
جيل يامال ونيكو وبيدري وغافي ورودري يمنح "لا روخا" أسبابًا كثيرة للتفاؤل، لكن الطريق إلى اللقب لا يُبنى على الأسماء وحدها. فالأدوار الحاسمة ستكشف ما إذا كانت إسبانيا قد وجدت فعلًا التوازن الذي افتقدته في محطات سابقة.