بعد مرور أكثر من نصف قرن على تنفيذ عملية مطار اللد، يعود اسم كوزو أوكاموتو -المناضل الياباني المعروف بلقب "أحمد الياباني"- إلى الواجهة مجددًا، بعدما أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا عن مكافأة قدرها 5 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه.
وتتهمه واشنطن بالضلوع في العملية المسلحة التي نُفذت في مايو/ أيار 1972 في مطار اللد بإسرائيل، وأسفرت عن مقتل 26 شخصًا. وهو الحدث الذي كشف للعالم لأول مرة عن وجود تنظيم عابر للحدود يُدعى "الجيش الأحمر الياباني".
ورغم كل هذه السنوات، لا يزال أوكاموتو على قيد الحياة، لاجئًا سياسيًا في لبنان، البلد الذي لا يعتمد رسميًا سياسة اللجوء، ويُعتبر بذلك اللاجئ السياسي الوحيد فيه.
وقد أمضى سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية، قبل أن يُفرج عنه ضمن صفقة تبادل أسرى مع الفلسطينيين عام 1985، ليواصل حياته لاحقًا تحت رعاية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
من هو كوزو أوكاموتو؟
ولد أوكاموتو في 7 ديسمبر/ كانون الأول 1947 في مدينة كوماموتو جنوبي اليابان، وكان أصغر أبناء عائلة مكونة من ستة أشقاء وشقيقات تنتمي إلى الطبقة المتوسطة.
في عام 1966، انضم أوكاموتو إلى تنظيم "الجيش الأحمر الياباني"، وهو تنظيم يساري ثوري معادٍ للإمبريالية والرأسمالية، له فروع في اليابان وخارجها، خاصة في أوروبا.
وبواسطة قائدته فوساكو شيغينوبو، بدأ الجيش الأحمر بالتواصل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عبر شخصيات بارزة مثل وديع حداد وغسان كنفاني، في سياق تنسيق مشترك لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
من طوكيو إلى اللد.. "عملية ديسوكي نامبا"
في 30 مايو/ أيار 1972، صعد أوكاموتو إلى طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية قادمًا من روما، مستخدمًا جواز سفر مزورًا يحمل اسم "ديسوكي نامبا"، وهو اسم رمزي اختاره الجيش الأحمر تكريمًا للشاب الياباني الذي حاول اغتيال ولي العهد آنذاك، الإمبراطور هيروهيتو، عام 1923.
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقد أطلقت عليه اسمًا حركيًا عربيًا هو "أحمد"، بعد أن خضع لتدريباتها العسكرية وساهمت في تخطيط العملية.
رغم تشديد إجراءات التفتيش في المطارات حينها، بقي تفتيش الحقائب محدودًا، ما مكّن أوكاموتو ورفيقيه، ياسويوكي ياسودا وأوكوديرا تسويوشي، من تهريب رشاشات وقنابل داخل حقائبهم.
وعند استلام الأمتعة في مطار اللد -الذي يُعرف اليوم بمطار بن غوريون قرب تل أبيب- فتح الثلاثة نيرانهم على المسافرين، مما أسفر عن مقتل 26 شخصًا، بينهم كنديون وإسرائيليون و17 حاجًا مسيحيًا من بورتوريكو يحملون الجنسية الأميركية.
وكان من المخطط أن يفجّر المهاجمون أنفسهم بعد تنفيذ العملية، لكن اثنين منهم قُتلا، بينما أُصيب أوكاموتو واعتقل.
محاكمة وسجن قاسٍ
تفيد روايات بأنه خلال الاستجواب، عرض عليه المحققون الإسرائيليون الانتحار بمسدس مقابل التعاون، لكنه لم يتلق السلاح كما وُعد.
وفي محاكمته، بدا وكأنه يسعى للحصول على حكم بالإعدام، وهو حكم لم يُنفذ في إسرائيل سوى مرة واحدة بحق أدولف إيخمان. ووفق محاميه المعين من المحكمة، فقد "تصرف أوكاموتو وكأنه يعمل لصالح الادعاء".
حُكم عليه بالسجن مدى الحياة، وقضى معظم سنوات سجنه في الحبس الانفرادي. وعندما أُفرج عنه في صفقة تبادل أسرى فلسطينية-إسرائيلية عام 1985، بدا شاحبًا وضعيفًا، وظهر في مطار طرابلس بليبيا محمولًا على الأكتاف، حيث بدا عليه الإنهاك وفقدان التركيز.
يروي أبو يوسف، أحد مسؤولي الجبهة الشعبية في لبنان، أن أوكاموتو خرج من السجن "أشبه برفاة إنسان"، مشيرًا إلى أن الإسرائيليين دمّروا نفسيته وأجبروه على تناول الطعام ويداه مكبلتان من الخلف.
ويقول إن أوكاموتو كان بعد إطلاق سراحه يتناول آخر لقمة في طبقه بلسانه، وإن من أولويات الجبهة آنذاك كانت إعادة تأهيله نفسيًا.
من الاعتقال إلى اللجوء السياسي
بعد خروجه من السجن، عاش أوكاموتو في مخيمات الجبهة الشعبية والجيش الأحمر الياباني في منطقة البقاع شرقي لبنان.
وفي عام 1997، اعتُقل من قبل الأمن اللبناني بتهمة تزوير مستندات، وفي عام 2000 رُحّل أربعة من رفاقه إلى اليابان، بضغط من طوكيو. إلا أن ضغط الفصائل الفلسطينية ومظاهرات داعمة له حالت دون ترحيله، فمُنح اللجوء السياسي.
منذ ذلك الحين، يعيش تحت رعاية الجبهة الشعبية، التي تراجع نفوذها في السنوات الأخيرة بعد تصنيفها من عدة دول كـ"منظمة إرهابية"، لكنها ما زالت تؤمّن له احتياجاته الأساسية.
حياة بسيطة ومراقبة مستمرّة
رغم تراجع وضعه الصحي والنفسي، لا يزال أوكاموتو يحتفظ بروحه الصلبة، بحسب أبو يوسف، الذي يؤكد أنه لا يزال متمسكًا بموقفه الرافض للاحتلال، ويتحدث دومًا عن فلسطين.
وفي عام 2022، ظهر في مناسبة عامة نادرة خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية مطار اللد في مخيم شاتيلا.
تقول مي شيغينوبو، ابنة فوساكو شيغينوبو، التي أمضت 20 عامًا في السجون اليابانية: "لا يُشكّل أوكاموتو أي تهديد على إسرائيل أو اليابان، لكنه لا يزال محور تركيز سياسي وأمني بسبب مطالبة طوكيو السنوية باسترداده".
وتضيف: "لا يمكنني استبعاد أن حياته لا تزال مهددة".