Skip to main content

كيف أدى العدوان على إيران إلى تحولات عميقة بين واشنطن وشركات الذكاء الاصطناعي؟

الثلاثاء 3 مارس 2026
اتهم ترمب شركة "أنثروبيك" بمحاولة فرض قيود سياسية وأيديولوجية على الجيش الأميركي- رويترز

في الفترة التي سبقت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في نهاية الأسبوع، انخرطت وزارة الدفاع الأميركية في مفاوضات متوترة مع شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك" حول كيفية استخدام البنتاغون لتكنولوجيا الشركة، وفقًا لما كشفه موقع "ذا كونفيرزيشن".

ويعكس هذا التطور تحوّلات عميقة في العلاقة بين التكنولوجيا المُتقدّمة والمؤسسة العسكرية الأميركية، ويُثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل "الذكاء الاصطناعي الأخلاقي" في ساحات القتال.

وفي تفاصيل الخلاف، أنّ شركة "أنثروبيك" أرادت ضمانات بأنّ أنظمة "كلود" الخاصّة بها لن تُستخدم لأغراض مثل المراقبة الداخلية في الولايات المتحدة وتشغيل الأسلحة ذاتية التشغيل من دون سيطرة بشرية.

غير أنّ الإدارة الأميركية قابلت هذا الموقف بردّ حادّ، إذ أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهات إلى الوكالات الفيدرالية بالتوقّف عن استخدام تقنيات الشركة، متهمًا إياها بمحاولة فرض قيود سياسية وأيديولوجية على الجيش الأميركي.

وقال ترمب إنّ إدارته "لن تسمح أبدًا لشركة يسارية مُتطرّفة ومتفتّحة أن تُملي على الجيش الأميركي كيف يخوض الحروب وينتصر فيها".

بعد ساعات فقط، أعلنت شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) المُطوّرة لتطبيق "تشات جي بي تي"، أنّها أبرمت اتفاقًا خاصًا مع وزارة الدفاع، تسمح بموجبه للبنتاغون باستخدام أدواتها في "جميع الأغراض القانونية"، من دون تحديد قيود أخلاقية على الاستخدام العسكري.

شركات الذكاء الاصطناعي والتنظيم

ماذا يعني ذلك بالنسبة للذكاء الاصطناعي العسكري؟ وهل يُعدّ هذا نهاية لفكرة "الذكاء الاصطناعي الأخلاقي" في الحروب؟

وتأتي هذه التطورات في وقت حسّاس أصلًا بشأن ملف أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. إذ حظرت إدارة ترمب العام الماضي على الولايات سن تشريعات لتنظيم الذكاء الاصطناعي، بحجة أنّ القيود التنظيمية قد تُعيق الابتكار التكنولوجي.

في الوقت نفسه، عزّزت العديد من شركات الذكاء الاصطناعي علاقاتها مع الإدارة الأميركية، حيث قدّم عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الذكاء الاصطناعي تبرّعات بملايين الدولارات لصندوق تنصيب ترمب، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" سام ألتمان.

في المقابل، اتخذت شركة "أنثروبيك" موقفًا أكثر تحفّظًا، إذ حذّرت من أنّ الذكاء الاصطناعي قد يقوّض الديمقراطية في بعض الحالات، مؤكدة أنّ الأنظمة الحالية ليست موثوقة بما يكفي لتشغيل أسلحة ذاتية بالكامل من دون تدخل بشري.

إجماع دولي ناشىء

وتركّزت معظم المخاوف بشأن الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي على أنظمة الأسلحة الفتّاكة ذاتية التشغيل، وهي تقنيات قادرة على اختيار أهدافها ومهاجمتها من دون تدخل بشري مباشر.

وقبل سنوات قليلة فقط، برز إجماع دولي ناشىء حول مخاطر هذه الأسلحة، سواء بين الحكومات أو شركات التكنولوجيا.

ففي فبراير/ شباط 2020، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية مبادئ لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل فروعها، مؤكدة ضرورة أنّ يكون "مسؤولًا، ومُنصفًا، وقابلًا للتتبّع، وموثوقًا، وقابلًا للحوكمة".

كما اعتمد حلف شمال الأطلسي "الناتو" مبادئ مُشابهة عام 2021. وبعد عام اتخذت بريطانيا الخطوة نفسها.

ووجّهت هذه المبادئ رسائل واضحة إلى دول مثل روسيا والصين والبرازيل والهند بشأن الكيفية التي ترى بها واشنطن وحلفاؤها وجوب تنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي العسكري والقطاع الخاص

اعتمد تطوير الذكاء الاصطناعي العسكري إلى حدّ كبير على شراكات مع القطاع الخاصة، إذ أنّ أحدث التقنيات طوّرتها شركات تجارية.

فمشروع "مافن" (Maven) الذي أُطلق عام 2017 لتعزيز استخدام التعلم الآلي ودمج البيانات في الاستخبارات العسكرية الأميركية، اعتمد بشكل كبير على شركات التكنولوجيا التجارية.

وكان مجلس الابتكار الدفاعي الأميركي قد أشار عام 2019 إلى أنّ البيانات الأساسية والخبرات والكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي موجودة في القطاع الخاص.

غير أنّ المعايير الناظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي تشهد تحولات سريعة، سواء داخل الحكومة أو في أوساط الصناعة.

وأشار مجلس الابتكار الدفاعي الأميركي في تقرير أصدره عام 2019، إلى أنّ معظم البيانات والخبرات والكوادر المُتخصّصة في مجال الذكاء الاصطناعي موجودة خارج المؤسسات الحكومية، داخل الشركات التكنولوجية الكبرى.

غير أنّ المعايير الناظمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي تشهد تحولات سريعة، سواء داخل الحكومة أو في أوساط الصناعة.

ترمب و"وادي السيليكون"

عندما أُعيد انتخاب ترمب عام 2024، رحّب كثيرون في وادي السيليكون باحتمال تقليص القيود التنظيمية. واعتبر المستثمر الملياردير مارك أندرسون مؤلف كتاب "البيان التفاؤلي التقني"، أنّ فوز ترمب "أزاح عبئًا ثقيلًا عن الصدر".

كما برز جو لونسدال الشريك المؤسس لشركة "بالانتير تكنولوجيز" (Palantir Technologies) المُتخصّصة في تحليل البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كأحد الداعمين البارزين للرئيس.

كما قدّم رئيس "أوبن إيه آي" والمؤسس المشارك غريغ بروكمان تبرعًا شخصيًا بقيمة 25 مليون دولار لمنظمة داعمة لترمب العام الماضي.

ويبدو أنّ المشهد تغيّر كثيرًا مقارنة بعامي 2019 و2020.

معايير ديمقراطية

غالباً ما يُنظر إلى أخلاقية نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي على أنّها مسألة تتعلق بالتكنولوجيا ذاتها، لا بكيفية استخدامها.

ووفق هذا التصور، يُمكن بناء نظام ذكاء اصطناعي "أخلاقي بطبيعته". ويتضمّن ذلك مفهوم "الشفافية الخوارزمية"، أي الوضوح بشأن القواعد التي يعتمدها النظام في اتخاذ القرارات، بما يسمح بدمج الأخلاقيات في صلب هذه القواعد.

غير أنّ فكرة الذكاء الاصطناعي العسكري الأخلاقي تفترض أيضًا أنّه يعمل ضمن إطار ديمقراطي، حيث يحقّ للمواطنين معرفة كيفية عمل هذه الأنظمة، لأنّهم مصدر السلطة في نهاية المطاف.

أما في الأنظمة الاستبدادية، فلا تُحدث الشفافية فرقًا يُذكر، إذ لا يُفترض أن يكون للمواطنين دور رقابي أو حقّ في معرفة ما تقوم به حكوماتهم.

ويُعدّ النقاش العام الحر سمة أساسية للديمقراطيات الليبرالية، حيث يُنظر إلى الاختلاف البنّاء وحتى الصراع، كعلامة على صحة النظام السياسي.

قرارات وتداعيات

في هذا السياق، يمكن اعتبار رغبة "أنثروبيك" بإجراء نقاشات جدية مع الإدارة الأميركية حول "الخطوط الحمراء" الأخلاقية مثالًا على ممارسة ديمقراطية فعلية، إذ عكست رغبة في التواصل العقلاني وقبول الاختلاف.

لكنّ إدارة ترمب صنّفت الشركة الجمعة على أنّها تُمثّل "مخاطر على سلسلة التوريد"، وهو توصيف نادر كان يُستخدم سابقًا بحقّ شركات أجنبية فقط. وكتب وزير الدفاع بيت هيغسيث أنّه اعتبارًا من الآن، لا يجوز لأي مُتعاقد أو مُورّد أو شريك يتعامل مع الجيش الأميركي أن يُزاول أي نشاط تجاري مع "انثروبيك".

وأعلنت الشركة أنّها تعتزم الطعن في القرار أمام القضاء، نظرًا لما قد يترتّب عليه من تداعيات اقتصادية وعلى سمعة الشركة.

في المقابل، تبدو "أوبن إيه آي" وقد تخلّت إلى حدّ كبير عن فرض قيود أخلاقية خاصة بها، مكتفية بالالتزام بالحدود القانونية. وبهذا أصبحت منفتحة على التعاون مع الحكومة الأميركية، لكنّها تُواجه بدورها انتقادات متزايدة من بعض المستهلكين.

فماذا يعني كل ذلك لمستقبل الذكاء الاصطناعي الأخلاقي في المجال العسكري؟

أحد الاستنتاجات هو أنّه إذا أردنا استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري بطريقة أخلاقية قائمة على قواعد وقوانين شفّافة، فنحن بحاجة إلى معايير ديمقراطية قوية. غير أنّ هذه المعايير تبدو مُهدّدة في ظل تراجع النظام الدولي القائم على القواعد.

حتى الآن، لم يتغيّر الكثير عمليًا. فبعد ساعات فقط من انتقاد ترمب لشركة "أنثروبيك"، شنّت الولايات المتحدة ضربات على إيران، قيل إنّها خُطّطت بمساعدة برمجيات الشركة.

المصادر:
ترجمات
شارك القصة